ما زلت أتذكر استشارة من فتاة مقبلة على تخصص الحاسب وهي تريد ملخصًا عنه لتقرر فيما إن كانت ستدرس الحاسب أم الكيمياء الحيوية. أجبتها بحماسة وجدية بأن الحاسب يتطلب الهدوء والتركيز والتفكير التحليلي، وذكرت لها ارتباطه بالمنطق والفلسفة ونسيت فيما إن كنت حدثتها عن العقلية النقدية أم لا. طبعًا آثرت السلامة واختارت الكيمياء! مر زمن على هذا الموقف وما زلت سعيدة بأني تحدثت لها عن حقيقة التخصص كما أفهمه وأحبه، لا كما يتم تدريسه وتخريج الطلاب منه.
أن تنتمي للحقل التقني يعني ببساطة أن تعايش أغرب النماذج البشرية في مفاهيمها. هذه الغرابة تجرك لفهم أسباب الأخطاء التي تقع وتتكرر في هذا الحقل أو بالأصح في المجال التعليمي منه. فتخصص الحاسب بجميع أقسامه، يساعدك على تجربة عيش مختلفة مع صنفين غريبين: الأول اختار التخصص بدون رغبة حقيقية والآخر اختاره راضيًا، لتجد الصنفين -بعد فترة من الدراسة- يعانيان منها، وسبب هذه المعاناة يرجع لخطأ في مفاهيمهم حول طبيعة العلم ومواده. وإن لم تدرك بعد أن سبب هذا الخطأ يعود للمؤسسة التعليمية، فلا بد أن أشير لوجود صنف ثالث أشد غرابة من سابقيه: عدد هائل من الطلاب المتفوقين دراسيًا، والذين يكرهون التخصص جملةً وتفصيلًا! دراستي للحاسب كانت كفيلة بأن توضح لي مكامن الخلل في العملية التعليمية حينما يتعلق الأمر بالتقنية ومستجداتها. خصوصاً وأن الأخطاء تتكرر من جيلي: الأساتذة الجدد وأساتذتهم. هذا الخلل أدى بدوره لوجود النماذج السابقة بأرقام مفزعة والأسوأ أن التعليم بهذه الطريقة ينجح في حصر مفاهيمهم حول تعلم التقنية.
في بداية حياتي الجامعية تعرضت لصدمة عنيفة عندما أخبرونا أن ما سندرسه في البرمجة لا علاقة له إطلاقًا بالبرامج! عندها فهمت، وفهمت دفعتي بل وكل الطلاب الذين يتلقون التعليم بهذه الطريقة: أن النظام التعليمي يقول لنا بأن الحواسيب والهواتف التي نستعملها، التطبيقات التي تساعدنا على تنظيم حياتنا، التفكير البرمجي الذي يساهم في تحسين مستوى العيش، كل هذا لا علاقة له بالتخصص! بل إن بعض الأساتذة يعلنونها بجرأة: ما تدرسونه هنا لا علاقة له إطلاقًا بالحياة “الوظيفية”. دون أن يتنبهوا لأن الكتب التي يعتمدونها هي الكتب نفسها المعتمدة في الجامعات العالمية والتي تخرج بدورها من يغيرون العالم. وأن المشكلة ليست في هذه الكتب والمعلومات وإنما في الطريقة العقيمة للتعليم. لأجل هذه النقطة صارت التقنية فعلًا جامدًا لا علاقة له بأي شيء خارجي مرتبط بحياتنا. هذا الخلل اتضح لي أنه مرتبط بنقطتين:
يتدرج كل من الفرد والمجتمع عند بن نبي ليصل لذروة هذه العوالم: الاهتمام الفعال بعالم الأفكار، وعندها فقط يحق له التربع على عرش الحضارة. وكما يتميز الإنسان بقدرته على التفاعل والتعلم داخل الحيز الاجتماعي؛ فإن الإنترنت وفر له بيئة مناسبة تحمل خصائص جديدة من حيث سرعة الانتشار، التنوع، سهولة الوصول. إذ نجد مثلًا، أن الإنترنت كسر احتكار التعليم الجامعي وتغلب على المراكز التدريبية بسبب خصائصه هذه والتي تتاح لكل من لديه قابلية التعلم أو التعليم. كما أنها تنقل الفرد من طور التعلم الفردي إلى طور التعلم الاجتماعي وبدل أن تتركه متعلمًا سلبيًا فهي تدفعه للمشاركة الفعالة ولعل تفوق ويكيبيديا في تغيير “مفهوم الموسوعة” بحيث يتدخل الفرد في محتواها، من أبرز نجاحات هذه الخاصية.
يقول أمبرتو إيكو: “الأولوية للتثقيف الإلكتروني ، لأننا فقدنا مع الإنترنت مفهوم الأستاذ ، أي الموجّه أو المرّبي. و التثقيف و الفلترة التي أعنيها في هذا العالم: تتمثّل في تعزيز ذكاء المبحرين في هذا العالم.” وهي شهادة من فيلسوف وناقد كبير يعيش بيننا اليوم ويشترك بفاعلية في هذه العملية التثقيفية ويبشر بها. وهذا التصرف الكبير من إيكو يجرنا لقراءة الموقف الثقافي العربي من الإنترنت، حيث يشهد -في الآونة الأخيرة- إقبالًا كبيرًا من مثقفي العرب إلا أنه إقبال سطحي ولم يتجاوز حدود التواجد. وهذه السطحية في الاستخدام تُعزى لأمرين: الأول أنهم جاؤوا لاستخدامه متأخرًا، الثاني أن تعاملهم مع الإنترنت منحصر بالشبكات الاجتماعية. فالأول يدل على أنهم وصلوا لتقبل الإنترنت بفعل تأثيراته ولم يساهموا من قبل في صنع هذا التأثير. أما الثاني فواضح أن هدفه مجرد تحقيق الضمان الجماهيري ولعل هذه النقطة أيضًا تسجل ضمن إخفاقاتهم ليس في تكوين قاعدة جماهيرية والتواصل مع الجيل الأهم وإنما في أنهم استخدموه للتواصل فقط، أي ليسمع الشباب صوتهم بينما ظل الصوت هو الصوت والسامع هو السامع ولم يرتقوا باستخدامهم للإنترنت من مرحلة التواصل (عالم العلاقات) لمرحلة التأثير (عالم الأفكار). فمثلًا لا نجد أيًا منهم اتجه للتدوين، أي لبيئة تسمح بنشر الأفكار وتلاقحها. وهنا يجب الإشارة لتجربة الدكتور عبدالله الغذامي حيث كان المثقف الوحيد -حسب علمي- الذي اهتم بمسألة مناسبة الخطاب حتى جعلها شرطًا لنجاحه ورضاه عن نفسه في الاستخدام -رغم وصوله المتأخر-
لنعد لما يفعله الإنترنت: التثقيف الإلكتروني على حد تعبير إيكو أحدث تطورا مهمًا في مفاهيم أساسية كالقراءة والتعلم. بمعنى أن مجتمعاتنا التي اتهمت بعدم إقبالها على القراءة وهو اتهام منصب على الشكل، أثبتت أنها قادرة على قراءة المئات من الصفحات يوميًا، لكن ماهو محتواها؟ كيف تقدم؟ هذا ما يهتم به عالم الأفكار وهو ما سأناقشه في ضوء الإنترنت.
هذه المفاهيم (ولعل أهمها مفهوم القراءة) تغيرت بمصادر المعرفة الجديدة والتي يتميز التدوين من بينها لأسباب عديدة. عندما بدأ التدوين كانت هناك جدية فيما يُطرح، كما أنه بدأ متنوعًا حتى شمل المذكرات اليومية. لكننا قبل فترة قريبة شهدنا ضعفًا في الإقبال عليه (قراءةً وتدوينًا) وبشهادة عدد من المدونين والذين يعزون الأمر في كثير من الأحيان لانصراف القارئ والمدون إلى استخدام الشبكات الاجتماعية حيث السهولة والسرعة المتناسبتين مع إيقاع العصر. لكن الانغماس في معمعة الشبكات أدى بدوره لتوضيح مكامن الخلل فيها بعدم ملاءمتها لعالم الأفكار، مما انعكس إيجابيًا على التدوين؛ حيث الوقت متاح للتفكير والمراجعة والإثبات مما يكسب تلاقح الأفكار بعدًا جديًا وأكثر عمقًا. العودة للتدوين ليست منحصرة في المدونات المتخصصة والموجهة وإنما تشتمل أيضًا على الخبرات البسيطة والتي يشكل تداولها -عبر مميزات التدوين- تأثيرًا فارقًا في المتلقي.
من أسوأ مظاهر التعامل مع عالم الأشياء هو ما يصفه بن نبي بالتكديس، الذي لا يؤدي إلا لمزيد من الاستهلاك المفرغ حيث تفقد السلعة قيمتها المعنوية مع تكرار شراء أنواع منها. وبطبيعة الحال فإن الغرق في محيط يدمن هذا التكديس، يؤدي بدوره لنوع من اللافاعلية والكسل حيث يصبح توفر الأدوات التي تم شراؤها لاختصار الجهد والوقت، سارقًا لهما. ولعل أكثر ما يوضح حقيقة تمكن الأشياء من عالمنا وفي مجتمعاتنا العربية، هو تغير سلم الاحتياجات المادية للفتيات حتى أصبحت التقنية أهم من الملابس وأدوات الزينة وهي نقطة من السهل ملاحظتها عند اللواتي قررن التنازل عن الملابس الجديدة وتكرار استهلاك الملابس القديمة في سبيل توفير مبلغ شراء جهاز إلكتروني. وهو التنازل الذي كان مستحيلًا من قبل التقنية. جديرٌ بالذكر أن هذا التعلق يعود لأسباب كثيرة أهمها تمركز الشيء واحتلاله قيمةً جوهريةً عند الناس ولعل البعض يتساءل أيهما جاء أولًا هذا التمركز للأشياء أم رغبة التملك عند الأفراد؟ وهو سؤال غير مجدٍ، لأننا أمام حقيقة لديها ما تقوله وعلينا أن نعاملها بطريقة صحيحة؛ أي أننا لسنا بصدد تفكيك هذه العلاقة وإنما تغيير مفهومها واستثماره.
ما سبق يقودنا للاعتراف باحتلال الأشياء التقنية بدءًا من الأجهزة، المواقع، الشبكات الاجتماعية مرتبةً مهمةً عند إنسان اليوم. لهذا يتطلب تعاملنا مع الأشياء تغييرًا نوعيًا في سلوكياتنا لئلا نصل لمرحلة تستعبدنا فيها الأشياء. من أهم الأمور التي تتطلب تقويم النظر فيها بخصوص علاقتنا مع الشيء هو إعطاؤه قيمة معنوية وربطه بمجهود وإنجاز شخصي، كربط الأجهزة بذكرى معينة (كذكرى توفير المبلغ لشرائها) مما يؤدي لتقليل عدد الأجهزة ورفع كفاءة الاستخدام. فهذا يمنح العلاقة بعدًا أخلاقيًا بسبب المجهود المبذول ونوعية الفائدة المجنية. وهذا يذكر بأهمية وجود مهام جادة يتم تأديتها بواسطته كالقراءة والكتابة وبالتالي تحقق الذات وتنميها ويتعدى نفعها مستخدمها. ولو تجاوزنا مشكلة تعدد الأجهزة وضررها على نطاق المجتمع، فسنجد أننا محاطون بإدمان الاستخدام والذي يضعف فاعلية استخدامه؛ لذا نجد أن تقليص ساعات الاستخدام يزيد قوة العلاقة وفاعليتها فالديمومة تسبب الملل وتفقد الشيء قيمته. وطبعًا لا نهمل نقطة الإضافة. بحيث لا يصير الفرد مجرد مستهلك سلبي وهذه الناحية مساحة واسعة لتحسين علاقتنا بالشيء (الأجهزة والإنترنت) سواءً على مستوى التقنيين أو المستخدمين العاديين. بذا نتجاوز الأشياء للارتقاء نحو العالم الثاني في تكوين الثقافات. Read the rest of this entry »
كل المسألة تكمن في معرفة ما إذا كان التاريخ يتجه نحو نهايته أو ما إذا كنا على العكس، على مشارف حقبة جديدة، نحن لم نعد مواطني مدينة أو دولة، لقد أصبحنا نعيش في نطاق كوكبي.
جوستاين غاردر..عالم صوفي
يقول نيتشه: “الدين ثورة العبيد” ويقول ماركس : “الدين أفيون الشعوب” ويأتي الوردي بعدهما لعقد رؤية جديدة فيما يخص الدين فيقول: “إنّ الدين ثورة وأفيون في آن واحد. فهو عند المترفين أفيون وعند الأنبياء ثورة. وكل دين يبدأ على يد النبي ثورة ثم يستحوذ المترفون عليه بعد ذلك فيحولونه إلى أفيون. وعندئذ يظهر نبي جديد فيعيدها شعواء مرة أخرى.” هذا يذكرني بالأفيون الجديد الذي نعيش تحت تأثيره والذي يتمظهر بملامح الثورة في كثير من الأحيان! والسؤال الآن هو: هل هذا الأفيون الجديد بمثابة نهاية أم بداية حسب الملاحظة الواردة في الاقتباس أعلاه؟ هل نحن على مشارف حقبة جديدة من الحضارة والازدهار أم أن الكون ينكمش بفعل فاعل لينفجر في أي لحظة ويلاقي البشر مصيرهم الأسوأ؟
يحتل الإنترنت بالنسبة لإنسان اليوم مركزًا لا يقل خطورة عن مركز الدين. فمن جهة لدى هذا الإنسان مجموعة من الطقوس التي يؤديها بانتظام، ومن جهة أخرى هو يدين بولاءات واعتقادات للإنترنت وأدوات الوصول إليه كما تربطه أيضًا علاقات داخل مجتمعه هناك. ولعل من أقوى الإشارات على مركزية الإنترنت في حياة إنسان اليوم، هو في سماحه له بالتدخل في أداء مناسكه الدينية ومساهمته في توجيه أخلاقه، رغم رفضه التدخل البشري المباشر في هذه الأمور!
يتبنى المفكر مالك بن نبي رؤية يبلورها في ثلاث عوالم تخص الأفراد والمجتمعات ويشرح في كتبه مثل (شروط النهضة، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، مشكلة الثقافة) كيفية توظيف هذه العوالم لبناء الحضارات والثقافات. هذه العوالم التي يعالجها بن نبي هي الأفكار، الأشخاص، الأشياء. وبناءً على هذه العوالم الثلاث، سأتحدث عن رؤية خاصة تتعلق بمفاهيمنا المغلوطة حول الإنترنت وأدوات الوصول إليه والتي يعد تعديلها الخطوة الأولى في استثمار استخدامه وبالتالي توظيفه في خدمة البشرية لبناء حقبة حضارية جديدة يساهم في خلق أدواتها وتكوين أبطالها. هذا السوء في الفهم يرجع للفكرة القائلة بأن الإنترنت بديل للواقع أي أنها لا تعامله كامتداد حقيقي له وإنما كعالم مختلف يصلح للهروب من ضغط الحياة مما يؤدي بدوره لانقسام شخصية الفرد: منتج على الإنترنت، مستهلك سلبي على الأرض وبالتالي رسم صورة نمطية سلبية عن الإنترنت ومستخدميه. ولهذا نرى البعض يتحدث عن الغباء الذي يسببه جوجل، ومدى الاعتمادية التي يعيشها مستخدم الإنترنت وافتقاره للتجربة الخاصة التي يستند عليها. لكنك ما إن تسأل عن كيفية تكوين التجربة الخاصة والتكوين المثالي لها فإنهم يجيبون: بالدراسة، بالعمل، بالبحث، بالقراءة، بسؤال المختصين، مما يعكس ضحالة التفكير العام إزاء التقنية وما يمكن أن تقدمه! فحين يتحدثون عن جوجل فهو في اعتبارهم مجرد محرك بحث بدائي، لا يميز بين النص الأصلي والمسروق وبدلًا عن الحديث عن كيفية “تعزيز ذكاء المبحرين في هذا العالم” كما يرى الفيلسوف والناقد الإيطالي أمبرتو إيكو، فهم يتحدثون عن كمية المعلومات المغلوطة التي نصل إليها عبر الإنترنت. وهنا نحن بإزاء مشكلة جوهرية في النقاش معهم إذ أنهم يعاملون الإنترنت على أنه مؤسسة تعليمية يجب أن تخضع محتوياتها للتدقيق من قبل جهةٍ ما! بينما يتوجب التعامل معه بالاستناد لخصائصه كما هي ومحاولة استثمارها وليس بفرض شروطنا عليها. Read the rest of this entry »
يُقال أن الرازي دخل إلى مدينة فالتف الناس حوله و ازدحموا إليه، فرأتهم عجوز و سألت: من هذا؟ فأجابوها: هذا الرازي؛ الذي يعرف ألف دليل على وجود الله، فردت العجوز: لو لم يكن في قلبه ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل، فلما بلغ الرازي هذا قال: اسألك اللهم إيمان العجائز.
و بناء على الدلالة التي تفيدها الحكاية السابقة، يبدو لنا أن إثبات وجود الخالق سبحانه و تعالى بحجج علمية قد لا يكون مهمًا في المجتمعات المحافظة/ المتدينة، لكنه مهم للغاية في مجتمعات أخرى يغلب عليها الطابع الإلحادي
و كتاب كهذا الذي عنونت باسمه تدوينتي، قد يكون مرجعًا مهمًا لكل مؤمن تتابعت إلى مسامعه أسئلة علماء الطبيعة الملحدة و التي تحاول أن تهدم ثبات الإيمان بالخالق في الأنفس المؤمنة، و هو أيضًا كما بدا لي دليلًا واضحًا لكل من وجد تناقضًا بين الاعتقادات الدينية التي يعتقدها و المبادئ العلمية التي ثبت منطقيًا صحتها.
صدر الكتاب في عام 1422هـ، ضمن سلسلة كتاب البيان. يتكون الكتاب من سبعة فصول :
الأول- الإلحاد في العصر الحديث
الثاني- أدلة وجود الخالق
الثالث- الفيزياء و وجود الخالق
الرابع- الإلحاد و نظرية الانفجار العظيم
الخامس- رد اعتراضات و تبديد شبهات
السادس- من الخالق؟
السابع- ماذا بعد الإيمان بوجود الخالق
في مقدمته سعى الكاتب لإثبات حقيقة كون الفيزياء _كغيرها من العلوم الطبيعية_ ليست عبارة عن مجموعة من الحقائق القطعية، بل هي نظريات مجملة جاءت لتُفسر الحقائق الكونية بمنطق علمي نفترض صحته بدون برهان قطعيّ، إلى أن نجد ما ينفي صحتها. فالنظريات و القوانين العلمية _مهما كانت منتشرة و معروفة_ تعتبر خاطئة و مرفوضة في اللحظة التي يقوم فيها دليل من الحقائق الطبيعية الدالة على بطلانها
ثم يشير الكاتب إلى الطابع الإلحادي الذي يغلب على المجتمع العلميّ عالميًا، و هو طابع ماديّ بحت لا يؤمن بأي تفسير لا يدخل ضمن نطاق المحسوس في حدود الكون المشهود، و ينبّه الكاتب هنا إلى أن شيوع هذا الطابع/ التصور لا يعني أنه حق، و يؤكد على حقيقة أنه ليس هناك تضاد و تنافي بين التصور العلمي للظواهر الكونية و التصور الديني، إذ نعتبر _نحن المسلمون_ النظريات العلمية التي تفسر الكون مقبولة؛ لكنها ليست التفسير النهائي لظواهر الكون ، فمن المعلوم لنا أن من سنة الله تعالى أنه يخلق بالأسباب، بذلك فنحن نؤمن بأنه تعالى خالق الأسباب و النتائج، و نبه الكاتب أيضًا إلى أننا في الإسلام لا نغلق الباب أمام الإيمان بأن لبعض الظواهر الكونية أسبابًا غير ماديّة، كالاستسقاء لنزول المطر أو الرقية للشفاء أو العبادة للراحة النفسية
معروفٌ أن اليوم الواحد فيه أربع وعشرون ساعة، والساعة الثانية عشرة صباحًا (وهي تأتي ليلاً في الحقيقة) هي بداية اليوم الجديد، والفجر هي الصلاة الأولى في كل يوم، ونبدأ سنة جديدة بعد مرور ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا من الآن، وهكذا نعرف الزمن واعتدنا على سيره بهذه الطريقة. مع طرح اسئلة أكثر دقة تتعلق بالثواني وأجزائها سنجد أننا نقع في عدة مشاكل بالنسبة لما اعتدنا عليه، على سبيل المثال: لو كانت الساعة الآن 11:59 ومرّت ستون ثانية بعد الدقيقة التاسعة والخمسين، هل سننتقل مباشرة لليوم الجديد؟ ماذا لو أن أجزاء الثانية الأخيرة من ضمن الدقيقة الأخيرة لم تمر؟ في أي يوم سنكون؟ هل لهذه الأجزاء الصغيرة اعتبار؟ لماذا يتم الاعتبار أصلاً بحسب الساعة الثانية عشر؟ من وضع لنا كل هذه القوانين؟ هذا ما سأتطرّق له خلال هذا الموضوع.
في الماضي كانت حركة الشمس الظاهرية هي المقياس للناس في تحديد الأيام، ونعني بها (الشروق والزوال والغروب) ومع التطورات التي مرّت بها البشرية على وجه العموم، والتي مرّت بها عقولنا في طريقة فهمها للزمن تغيّرت المعايير واختلّت بعض الأمور واستقامت أخرى وكل ذلك مع وجود الآلات (من ساعة و أسطرلاب وغيرها) ومع مزيد من التطورات المتقدّمة قسّم الفلكيّون الأيام لساعات وجعلوا لكل يوم بداية ونهاية عند الثانية عشرة، واخترعوا الثانية، وأوجدوا لها أجزاءً، وربما أجزاء من الأجزاء، وهكذا، وليس في هذا التقسيم أي حكمة سوى التنظيم؛ إذًا لو أراد كل شخص تنظيم حياته بطريقه مختلفة عن الآخر فهذا ممكن، إذ لا أحد يملك زمن الآخر، وعليه فالتقاويم التي وُضعت وضعت بطرق مختلفة أيضًا، منها ما يكون طول السنة فيها 365.2422 مثل التقويم الجريجوري، ومنها ما يكون 365.25 يوم كما في اليولياني، و365 يوم في التقويم المصري، لكن ثمّة مشكلة كانت تظهر في الأول والثاني، وهو وجود الكسر، إذا لا يمكن أن يكون لدينا نصف يوم فقط ثم تأتي السنة التالية، أما في الثالث فمع أنه لا يوجد كسر، يوجد فرق زمني يصحح نفسه كل 1460 سنة، وهو بسبب اعتماد المصريين في ضبط التقاويم على رصد ظاهرة الشروق الاحتراقي للشعرى اليمانية (اسم نجم) وهو شروق الشعرى قبل شروق الشمس بمدة قصيرة. مع مزيد من الحسابات في التقويم الجريجوري وصل الفلكيون إلى أن زيادة تحدث كل عشرة آلاف سنة مقدارها ثلاثة أيام، السؤال هنا، هذه الثلاث الأيام في أي سنة تُوضع؟ الفلكيون بكل بساطة قاموا بتقسيمها على الأيام الموجودة أصلاً في السنوات هذه، وهذا هو سبب أن بعض الشهور الميلادية طولها ثمانية وعشرين يوم وبعضها تسع وعشرون، وبعض السنوات كبيسة وبعضها بسيطة، نخرج من هذه التفاصيل إلى قاعدة بسيطة، التقسيم الذي عرفناه ليس تقسيمًا دقيقًا متساويًا كما نظن، وما هو إلا تنظيم للزمن لنستطيع التعامل معه وحسابه.
نحنُ كمسلمين يجدر بنا أن يكون لنا تقسيم خاص نرتّب به ما يخصنا من العبادات دون غيرنا من صيام وصلاة وأيام حُرم، صحيح أن لنا تقويم هجري نتعامل به في بدايات الشهور ونهاياتها، لكن Read the rest of this entry »
كلنا نعرف حقيقة أن المجتمع السعودي يعاني من “فوبيا التغيير”، إذ نجده يتمسك بأدق التفاصيل التقليدية لنمط الحياة الاجتماعية فيه و يحارب أي تطور قد يهزّ ثبات تقليديته، بدءًا من محاربته للتعليم النظامي ثم تعليم البنات مرورًا بمشاكل القبول بالراديو ثم التلفزيون وصولُا إلى الخوف غير المبرر من الانترنت أو تقنية البلوتوث مثلاً. هنا؛ قد تطرق أذهاننا أسئلة مستفسرة عن ردة الفعل داخل هذا المجتمع المعقدّ و الرافض للتغيير تجاه الثورات التي غيّرت المنطقة تغييرًا جذريًا، هل تطوّرت تركيبته الثقافية؟ و هل شكلت أحداث 2011 المتزاحمة انعطافًا في ثقافة التغيير فيه؟
في الحقيقة، كانت بدايات (2011م – 1431 هـ) مفاجئة للجميع داخل الوطن العربي و خارجه، حيث تصاعدت وتيرة الثورة الشعبية في تونس قبل بدايات هذا العام حتى وصلت ذروتها في 14 يناير، و تناقل الناس خبر “هروب” بن علي من تونس على متن طائرة طافت به حول العالم لتستقر به أخيرًا في السعودية، مثل بقية رؤساء العالم المخلوعين، و حدث هذا بترحيب حكومي ضاربًا عرض الحائط رفض الشعب لهذا الاستقبال .
بدأت ثورة تونس في ديسمبر من عام 2010 و استمرت لأكثر من شهر، حاول خلالها بن علي أن يحافظ على استقرار حكمه بالوعود و العطايا، و كان العالم يراقب حينها تلك المظاهرات ضدّ البطالة و غلاء الأسعار _كما وصفت_ بروتينية، معتقدًا أنها ستنتهي بهدوء مشابه لهدوء وسائل الإعلام خلال تغطيتها لهذه المظاهرات.
نجحت تلك المظاهرات/ الثورة في تونس، و بنجاحها في استبعاد أحد المستبدين العرب، اشتعل الأمل في الشعوب العربية و آمنت بعد كفرها بـ
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلابدّ أن يستجيب القدر
بدت الشعوب حينها و كأنها اكتشفت فجأة أنها وحدها من تملك حق تقرير مصيرها، و تتالت بعد ذلك انتفاضات الشعوب رافضًة الظلم و القمع و الفساد و الاستبداد حالمًة بكثير من العدل و الحرية، و بسرعة غير معقولة تفشّى مفعول هذا الأمل في الشعوب العربية الأخرى فانتفضت ليبيا و مصر و اليمن و سوريا ضدّ طغاتها، كما طالبت كثير من الشعوب الأخرى بكامل حقوقها بعد طول صمت.
رد الفعل السعودي تجاه الثورات : ثورة حنين (1)
اللافت حقًا، أني منذ بداية الثورات العربية إلى اليوم لم أجد من التفت إلى تأثير هذه الاهتزازات على المجتمع السعودي، و على الرغم من أن كتّابنا حللوا و انتقدوا و بالغوا في استشفاف ما خلف الموقف العربي، إلا أن أيّ منهم لم يخرج لنا بقراءة نقدية لردة الفعل للشعب السعودي تجاه أحداث 2011، و مدى تأثيرها عليه!
و يبدو أننا كنّا _هنا في السعودية_ خلال سير الأحداث نراقب الثورات ثم نباركها و نحاربها في آن واحد؛ نباركها نحن الشعب طمعًا بانتصار المستضعفين، في حين تحاربها حكومتنا السعودية خوفًا من أن تفقد بعض حلفاءها (مصر و اليمن مثلًا) أو أن تصل لها عدوى المطالبة الشعبية.
و يبدو أن هذا ما حدث فعلًا، و لا أظن أن دولة عربية عبرت 2011 دون أن تصلها عدوى الانتفاضات الشعبية؛ و كذلك الدولة السعودية، إذ ظهرت في منتصف فبراير _تقريبًا_ من عام 2011 دعوة على المواقع الاجتماعية تدعو للاحتشاد ثم التظاهر للمطالبة بمطالب مبهمة و غير واضحة، عُرف التنظيم باسم (ثورة حنين) و اختار المنضمون يوم الجمعة 11 مارس موعدًا لاحتجاجاتهم.
لاقت ثورة حنين رواجًا نسبيًا في العالم الإلكتروني فيما فشلت فشلًا ذريعًا على أرض الواقع، و يبدو أن أبرز مسببات هذا الفشل هو غموض المطالب المنشودة من هذا الاحتشاد، إذ قد يتفق مواطن و آخر على المطالبة بإيجاد حلول للبطالة و زيادة الأسعار مثلًا، في حين يكون من الصعب أن يتفقوا على أكثر القضايا الحقوقية الأخرى، خصوصًا و نحن ندرك حجم المسافة المكهربة الفاصلة بين التيارات الثقافية، الطبقات الاجتماعية، الفئات العمرية… هنا في السعودية.
و يبدو أن المجتمع السعودي اعتاد على أن يخوّن كل من روّج لهذه الثورة أو مثيلاتها، ربما يكون خوف المجتمع _كما أسلفنا_ من التغيير سببًا للرفض الشعبي لفكرة الاحتجاج، ثم لأن مصطلح “الثورة” وحده قد يسبب حالة من الهلع داخل أفئدة الشعب المعتاد و المطمئن على حالة الهدوء و الركود التي تعيشها المملكة، زد على هذا كلّه الحماس الطائفي الذي اشتعل داخل المجتمعات الشيعية في السعودية مما زرع ألف ظن و ظن في النوايا التي قد تكون خلف التنظيم هذا، إضافة إلى تفشّي وباء الطائفية _أصلًا_ داخل المجتمعات السنّية في السعودية. النتيجة؛ أنه في نهار الجمعة الموعود لم يخرج أحد من بيته، إذ خلت الشوارع تقريبًا و اتضح فشل الخطة! و بذلك اندثرت فكرة الثورة السعودية تمامًا كما يبدو.
دولة الحقوق و المؤسسات (2)
أما بيان دولة الحقوق و المؤسسات، و الذي وقعّ عليه عدد كبير من الشخصيات السعودية البارزة في مجالات مختلفة، ما بين إعلاميين و أكاديميين و دعاة؛ إضافة إلى كثير من الشباب السعودي. فقد استند إلى مطالب واضحة، منطقية، شعبية، و توجّه بطريقة تقليدية إلى الحكومة السعودية التي قابلت البيان بكثير من التجاهل في محاولة لإسقاط أهميته و ركنه إلى النسيان، في حين تبدو المطالبة ببنوده و كأنها لازالت مستمرة.
النخبة الدينية في السعودية
هاتان الحادثتان كانتا خلاصة رد الفعل الشعبي على موجة التغيير التي عبرت الوطن العربي خلال 2011، أما النخبة الدينية في السعودية، فقد ماشت المصلحة السياسية السعودية بذكاء ملحوظ عبر الفتاوى الفقهية، في البدء أثناء الثورة المصرية على نظام حسني مبارك “الصديق المقرب لحكومة السعودية”، حين عبّر المفتي العام للسعودية عن رؤيته تجاه الثورة المصرية باعتبارها نوع من الإفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا، بتخطيط من أعداء الأمة الذين يوهمون الشعوب بقدرتهم على الوصول إلى حكم عادل فيما هم يقودون مجتمعاتهم إلى الهلاك؛ فـ” امسك قردك لا يجيك أقرد منه” بالإضافة إلى أن طاعة وليّ الأمر في منظوره واجبة “ولو ضرب ظهرك و أخذ مالك”.
ثم في المرحلة الثانية من دعم النخبة الدينية للحكومة و إثبات الوفاء لها، حيث كانت في الفترة السابقة لجمعة 11 مارس، فخلال هذه المرحلة أصدر المفتي العام للمملكة بيانًا يتضمن فتوى فقهيه تنص على تحريم المظاهرات بخيرها و شرها، و اعتبارها نوعًا من الإفساد في الأرض و الذي يستحق فاعلة عقوبة التعزير شرعًا.
و بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع مضمون الفتوى، لازلنا نتساءل لليوم عن عقوبة المفسدين في الأرض المتسببين بحادثتيّ سيول جدة الأولى و الثانية، بعد مرور أكثر من سنتين على إنشاء “لجنة التحقيق في قضية سيول جدة و معاقبة المتسبب بها كائنًا من كان”!. اللافت للنظر؛ هو قوة الأمل داخل نفوس الشعب السعودي، مما يجعلهم مترقبين إلى هذه اللحظة؛ رد فعل من لجنة التحقيق في سيول جدة و نتيجة لمحاكمة المتهمين فيها.
لا زالت الثقافة تمارس دورها التهميشي للمرأة وبمباركة أولية منها. هذه المباركة تتخذ أشكالًا عدة لعل أسوأها ذاك المتمثل في نضالها الموسوم بـ”قضية المرأة”. فمجرد ارتباط وجودها وفعالية هذا الوجود بكلمة مثل قضية، يعني أننا أمام أزمةٍ تقول بأن المرأة كائنٌ مزعجٌ للحضارة ومجتمعها التقدمي، تمامًا كأي قضية سيئة نحاول تخليص البشرية منها. لهذا وبدل أن تستجدي الرجل والثقافة الذكورية حل معضلتها التي نزلت بهم وإعادة متنها المسلوب، عليها الاهتمام بذاتها وما تطمح إليه هذه الذات. وإلا ستنتهي بها وصايا هؤلاء إلى تحويلها لكائن آخر (رجل أو آلة) أي سلبها قيمها الأنثوية والإنسانية.
ولا شيء يسلب المرأة قيمتها كأنثى وقيمها كإنسان فاعل له حرية التفكير والتقرير، غير رضاها بدور الرجل السلطوي في حياتها. وهو دور يمكن تفاديه، لو أن المرأة أدركت أهمية الانتقال من تجاهل أمر قضيتها لأمر تفعيل وجودها. إلا أن فشل الأنثى في التعبير والتأثير كان الدافع الأقوى لاحتلال الرجل كل هذه المساحات في حياتها وفرض قوانينه عليها وجعلها مجرد هامشٍ على هذه المساحة. وفي هذه المساحة الهامشية تقف المرأة أمام ثلاث خيارات: الرضا بهذا الهامش، بناء مساحة خاصة مصبوغة بالتمرد السطحي مما ينقل الحياة مع الرجل لمرحلة المعارك بين هذه المساحات وقوانينهما، والثالث هو أن تستعيد مساحتها المسلوبة وتعيش عليها وفق شروطها هي.
لكن المرأة ما إن تبدأ باستعادة هذه المساحة/المتن والعيش عليها، حتى ترتكب أفظع أخطائها على الإطلاق: الاكتفاء بالتعبير والمطالبة بفعل الكلام! بحيث يتجاوز عدد الناشطات والحقوقيات، عدد الفاعلات وتكتظ الصحف وصفحات الإنترنت بكلام لنساء وفتيات “قاعدات”. وعلاوةً على الصورة السلبية التي ينقلها هذا الخطأ، نجد أنه ينضوي على خطأٍ أكبر حيث يحمل هذا التصرف اعترافًا بفوقية الرجل وتغدو المرأة مجرد كائن يطالبه بإرجاع حقوقه. وهذه المطالبة رغم أشكالها العديدة، إلا أننا نستطيع تلمس ملامح فارقة فيها وهي ملامح تعطي صورة نمطية عن الناشطات والحقوقيات بل وحتى أي أنثى رافضة لهذا التهميش الذي يقع عليها. هذه الصورة تتسم بنقطتين كلتاهما تحكيان ارتباط المرأة بثقافتها المحلية: التمرد والانتماء. ولو أردنا توضيح هذه النقطة من ناحية سعودية فلنا أن نرى إصرارها على الخروج عن النمط العام لمجرد أنه نمط ارتبط بالسلطة الذكورية. وهي من جهة أخرى تصر على انتمائها لهذا النمط وثقافته السائدة وتعلن أنها “بنت البلد” لتثبت أن هذه آراؤها الخاصة والتي لم تتدخل فيها الأيدي الخارجية! وهاتان السمتان متكررتان في الثقافات الأخرى مع فارق الشكل، مما ينبي بوجود أزمة إطار عام وافتقار للمنطلق الراسخ. وغني عن القول أن ضعف المنطلقات يؤدي لضعف الأفكار المنبثقة عنها ولهذا يبحث المرء تلقائيًا عن أرضية صلبة ينطلق منها.
والسؤال الذي جرني لكتابة الموضوع هو هل يشكل الإسلام المنطلق المناسب بقوته وصحته؟! وهو سؤال لا يقتضي اللجوء للإمام، بل إن إجابته سابقة للفقه. فهو سؤالٌ يبحث في أصل رؤية القرآن للمرأة وطبيعة دورها على الأرض. فهل تحظى المرأة بتقدير الرؤية القرآنية؟ وهل يعطيها الإسلام متنها غير منقوص؟ Read the rest of this entry »
كيف تغيّر رأي المفتي بشأن مشاركة المرأة في مجلس الشورى؟
بعد أن كان(الأمر أبعد بكثير من مشاركة المرأة في الشورى أو المساواة ونحو ذلك من الدعاوى، الأمر يدور حول السعي لهدم الدين في معقله ومئرزه)
أصبحت القرارات التي تسمح للمرأة بالترشح في الإنتخابات و المشاركة في مجلس الشورى (كلها خير) !
هذا التناقض على ذمة موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء، و موقع صحيفة عكاظ !
فإن كان الوارد في موقع الرئاسة خاطئ، فهذا يعني أننا أمام موقع يضلل الأمة بأراء غير موثوقة منسوبة إلى علماء كبار، أما إن كان صحيحًا تمامًا فالمطلوب أن يتقدم لنا سماحة الوالد المفتي بتبرير واضح و منطقي لهذا التناقض الغريب!
هل تتغير الفتاوى تبعًا لسياسة الحكم أم أن العكس هو المفترض؟
لا أريد أن يفهم أحد أني استحقر المفتي أو ألمزه، لكن من حقي أن أستوضح الأشياء الغريبة و غير المفهومة في هذا العالم، و من أبسط حقوقي الإنسانية أن انتقد أي تصرف لا أجده موافقًا للمبادئ التي ينادي بها صاحبها، و من حق الجميع في هذا الوطن أن يتعرفوا إلى طبيعة التطور في فكر سماحة المفتي حين أصبح يرى الإختلاط في مجلس الشورى خير، و مشاركة المرأة السياسية خير، و انتخابها بعد ترشحها في الانتخابات البلدية خير آخر، بعد أن كان يعلمنا أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم لمّا قال: “ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء”، دليلًا على أن ما يروجه الأعداء من مفاهيم كـ حقوق المرأة ليست أكثر من مكائد لمعاداة الإسلام في معقله.
ليتني استطيع أن استوعب كيف كانت مشاركة المرأة في مجلس الشورى و الانتخابات (باب شر*) ؛ و أصبحت اليوم كلّها خير؟
لست معارضة لقرار الملك، و لا أجد حرجًا حتى من قبل أن يصدر القرار في أن تشارك المرأة في مجلس الشورى أو في الانتخابات أو حتى في أن تتولى الوزارة أو أن تقود السيارة، و لا أقف ضدّ القرار أبدًا كما أني لم أجد فيه حماسًا مجنونًا كهذا الذي أجده لدى الآخرين، و ربما أستطيع أن أقول بأني محايدة بشأن هذه المشاركة، و لا أراها ستقدّم أو تؤخر من الأمر شيء، لولا اعتقادي بأن تغيير ما قد يحدث (و يبدو لي إيجابيًا) في فكر المجتمع تجاه المرأة كشخص منجز.
كل ما في الأمر أني أستغرب فعلًا كيف كان المفتي معارض بشدة و ها هو اليوم أصبح من المعجبين بهذا القرار !
___________________
* (فأنا أحب من أخواتي أن يكن واعيات بصيرات بواقعهن، مدركات حجم المسؤولية عليهن، وألا يفتحن على أهل الإسلام باب شر) مفتي المملكة
قبل فترة كنت في الحرم النبوي وفي الساحة تحديدًا سمعت صبيًا لا يتجاوز السبع سنوات يقول لوالده: “ميسي لعّيب يا رجل” ذهبا في اتجاه معاكس لسيري وبقيت أفكر في ثلاثتهم: الصبي، ميسي والانتماءات الضائعة! حاولت أن أبعد عن ذهني فكرة ضياع الانتماءات والتكون الجديد لها، لكن حصل موقف أقوى في دلالته من الذي سمعته؛ فإذا فهمنا أن الحرم هو المكان الأقدس لأداء العبادة وأخذنا بعين الاعتبار أنهما تحدثا عن ميسي وقت خروجهما من الحرم أي وقت الانتهاء المجازي من أداء شعيرة دينية واستقبال صخب الحياة واستطعت ألا أحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، فإن الموقف الثاني -في هيكله الخارجي- على نقيض الأول تمامًا.
في المرة الثانية حصل تمثيل الانتماء بطريقة يتوازى فيها المقدس الموروث مع المبدأ الجديد، حيث يحتل كلا الطرفين قيمة عليا في تكوين الفرد وصهره في جماعة أكبر تدين بالولاء والانتماء لهذين الطرفين. في رمضان الماضي شاهدت برنامجًا تلفزيونيًا على محطة الفرات العراقية، يهدف لمساعدة الأسر التي تعيش تحت ظروف صعبة ويقدم لهم المعونات بطريقة إنسانية؛ حيث يقدمون لهم وجبة إفطار بالمشاركة مع فريق عمل البرنامج. في تلك الحلقة، كانت الأسرة تعيش بمنطقة صحراوية منعزلة، داخل منزل طيني متواضع. وبطبيعة الحال كان المنزل مؤثثًا بطريقة بسيطة جدًا. أثناء تجول المذيعة، وقفت كاميرا المخرج على ملصق كبير يعرض بورتريه تخيلي للحسن والحسين عليهما السلام. قوة الانتماء هذه وسط الظروف التي يمر بها العراقيون وهذه الأسرة تحديدًا، كانت دليلًا على تجذر المبدأ بداخلهم وتغلبه على كل شيء يحاول تهديده. وقتها سبحت في التفكير بلحظة تركهم لمنزلهم الأول قبل الظروف التي أجبرتهم على تركه وغرقت أكثر في اللحظة التي بحثوا فيها عن هذه الملصقات وعن عنايتهم بها طوال الطريق حتى استقر بها الحال على ما هي عليه. لم يعكر صفو هذا التأمل سوى ملصق آخر وضع بجانب الأول وعليه صورة لفريق كرة قدم عالمي! Read the rest of this entry »