كان القذافي حكاية الموسم، تعامل الكثير معها بفكاهية رغم واقعيتها الدامية، حتى يكاد الناس لا يذكرون عن القذافي إلا تهريجه و كوميديته المضحكة دون أن يسجلوا في الذاكرة حقيقة كونه متسلط مجرم سفك الدماء و أفسد في الأرض ليُبقي على عظمته المزعومة.
و على الجانب الآخر، يبدو من اللافت/ المستفز/ المضحك في شخصية القذافي حجم الغرور الذي يسكنها، مع كثير من تمجيد الذات، و نسف الآخرين/المخالفين حتى يصل الحال به إلى أن يسلبهم إنسانيتهم و يصفهم بالجرذان! كل هذا لمجرد أنهم لا يقفون في صفه، فمن لا يحب القذافي يستحق الموت، و من لا يعترف بأمجاده الشفافة مختل عقليًا أو متعاطي للمسكرات، و من يتجرأ ليثور على القائد الأعظم ملك ملوك إفريقيا و زعيم الحكام العرب و أمير المؤمنين فهو مأجور يستلم الثمن على ثورته من المخابرات الأجنبية!
أعرف بأن القذافي شخصية سيئة تستحق المقت و إدراجها في قائمة التاريخ السوداء، لكن يظل في رأسي سؤال محيّر: كيف نكره القذافي لأخلاقه السيئة المستبدة هذه و نحن نصفق لمن ينشدها من الشعراء منذ قرون؟ كم يبدو علينا التناقض و نحن نحيي جرير بحماس حين يقول: (أنا الدهر يفني الموت و الدهر خالد..) أو المتنبي ( أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي..) ، و نستنكر في الحين ذاته كلمة القذافي لمّا يقول (أنا الثورة*)، نرى القذافي مستبد ديكتاتور لا يقيم لسواه وزنًا و هو القائل (من أنتم؟ يا جرذان*)، لكننا نطرب جدًّا لما يقول القائل (و ما عليّ إذا لم تفهم البقر) !
هناك مشكلة حقيقية في خواص الوعي/ اللاوعي في عقولنا، فمن غير الممكن أن نقبل بوعي تام في قصائد شعراءنا العرب كل الأفكار الديكتاتورية الرافضة للآخر و التي تصور صاحبها و كأنه كائن سماوي أُنزل للأرض إكرامًا لها (… أنا الثريا وذان الشيب و الهرم) (…و إذا نطقت فإنني الجوزاء) ، و تنسف الآخر حدّ وصفه بكل الصفات القبيحة غير المقبولة (..فكأنه قرد يقهقه أو عجوز تلطم، و تراه أصغر ما تراه ناطقًا و يكون أكذب ما يكون و يقسم)، ثم نستهجن خطابًا يحوي هذه الأفكار ذاتها للقذافي الذي تربى معنا في بيئة ثقافتها العربية تمجّد هذا النوع من أبيات المديح المستحيل و تطرب للهجاء المقذع!
خطاب القذافي أثار ضجة قلما يثيرها خطاب، ربما لأنه الواثق بنفسه حدّ تقزيم العالم كلّه أمامه، أوليس الذي قال (كان الليبي بالأمس ليس له هوية، فعندما تقول ” ليبي” , يقولون لك ” ليبيريا ؟، لبنان ؟ “، لا يعرفون ليبيا. أما اليوم فعندما تقول ” ليبيا”، يقولون لكم آه ليبيا القذافي؛ ليبيا الثورة.*) ، إنه يذكرني بالذي قال (إذا قلت قولًا أصبح الدهر منشدًا) ، ولو حاولنا أن نبحث عن أسباب نشوء هذا النوع من المستبدين في مجتمعاتنا نجد أننا شعوب متأثرة بكل القيم الثقافية المعطوبة التي تتوارثها الأجيال العربية، فمن الطبيعي أن ننتج مستبد طاغية يتغنى بنفس الأبيات التي نصفق لها مذ كنّا بحماسة بل و يحاول تطبيق مضامينها فعليًا بجبروته، و ليس من الغريب أن نجده مستعملًا _كما نحن أيضًا_ كل ما يملك من خيال لصناعة لغة بلاغية تحميه من النقد و توحي لمن يسمع ما يقوله بأنه شخص خارق لقوانين الطبيعة التي تجري على بقية البشر، فهو كبقية الحكّام العرب منذ عصور الأمويين؛ لا يخطئ أبدًا بل دائمًا على حق، و تصرفاته ليست موضع نقد بل هي أسمى من أن تُنتقد، لا يصح أن يوجه إليه غير المديح، و من غير المقبول أن تهتف له الجماهير بغير هتافات مؤيدة تمجيدية تضعه مع الله و الوطن في زوايا مثلث ما يُفتدى بالروح، و من المرفوض تمامًا أن يأتي من يتجرأ ليشير إلى معايبه أو يوجهه لإصلاح أخطاءه، فهو المصيب وإن اخطأ، و هو المجيد و إن أفسد!
