لا زالت الثقافة تمارس دورها التهميشي للمرأة وبمباركة أولية منها. هذه المباركة تتخذ أشكالًا عدة لعل أسوأها ذاك المتمثل في نضالها الموسوم بـ”قضية المرأة”. فمجرد ارتباط وجودها وفعالية هذا الوجود بكلمة مثل قضية، يعني أننا أمام أزمةٍ تقول بأن المرأة كائنٌ مزعجٌ للحضارة ومجتمعها التقدمي، تمامًا كأي قضية سيئة نحاول تخليص البشرية منها. لهذا وبدل أن تستجدي الرجل والثقافة الذكورية حل معضلتها التي نزلت بهم وإعادة متنها المسلوب، عليها الاهتمام بذاتها وما تطمح إليه هذه الذات. وإلا ستنتهي بها وصايا هؤلاء إلى تحويلها لكائن آخر (رجل أو آلة) أي سلبها قيمها الأنثوية والإنسانية.
ولا شيء يسلب المرأة قيمتها كأنثى وقيمها كإنسان فاعل له حرية التفكير والتقرير، غير رضاها بدور الرجل السلطوي في حياتها. وهو دور يمكن تفاديه، لو أن المرأة أدركت أهمية الانتقال من تجاهل أمر قضيتها لأمر تفعيل وجودها. إلا أن فشل الأنثى في التعبير والتأثير كان الدافع الأقوى لاحتلال الرجل كل هذه المساحات في حياتها وفرض قوانينه عليها وجعلها مجرد هامشٍ على هذه المساحة. وفي هذه المساحة الهامشية تقف المرأة أمام ثلاث خيارات: الرضا بهذا الهامش، بناء مساحة خاصة مصبوغة بالتمرد السطحي مما ينقل الحياة مع الرجل لمرحلة المعارك بين هذه المساحات وقوانينهما، والثالث هو أن تستعيد مساحتها المسلوبة وتعيش عليها وفق شروطها هي.
لكن المرأة ما إن تبدأ باستعادة هذه المساحة/المتن والعيش عليها، حتى ترتكب أفظع أخطائها على الإطلاق: الاكتفاء بالتعبير والمطالبة بفعل الكلام! بحيث يتجاوز عدد الناشطات والحقوقيات، عدد الفاعلات وتكتظ الصحف وصفحات الإنترنت بكلام لنساء وفتيات “قاعدات”. وعلاوةً على الصورة السلبية التي ينقلها هذا الخطأ، نجد أنه ينضوي على خطأٍ أكبر حيث يحمل هذا التصرف اعترافًا بفوقية الرجل وتغدو المرأة مجرد كائن يطالبه بإرجاع حقوقه. وهذه المطالبة رغم أشكالها العديدة، إلا أننا نستطيع تلمس ملامح فارقة فيها وهي ملامح تعطي صورة نمطية عن الناشطات والحقوقيات بل وحتى أي أنثى رافضة لهذا التهميش الذي يقع عليها. هذه الصورة تتسم بنقطتين كلتاهما تحكيان ارتباط المرأة بثقافتها المحلية: التمرد والانتماء. ولو أردنا توضيح هذه النقطة من ناحية سعودية فلنا أن نرى إصرارها على الخروج عن النمط العام لمجرد أنه نمط ارتبط بالسلطة الذكورية. وهي من جهة أخرى تصر على انتمائها لهذا النمط وثقافته السائدة وتعلن أنها “بنت البلد” لتثبت أن هذه آراؤها الخاصة والتي لم تتدخل فيها الأيدي الخارجية! وهاتان السمتان متكررتان في الثقافات الأخرى مع فارق الشكل، مما ينبي بوجود أزمة إطار عام وافتقار للمنطلق الراسخ. وغني عن القول أن ضعف المنطلقات يؤدي لضعف الأفكار المنبثقة عنها ولهذا يبحث المرء تلقائيًا عن أرضية صلبة ينطلق منها.
والسؤال الذي جرني لكتابة الموضوع هو هل يشكل الإسلام المنطلق المناسب بقوته وصحته؟! وهو سؤال لا يقتضي اللجوء للإمام، بل إن إجابته سابقة للفقه. فهو سؤالٌ يبحث في أصل رؤية القرآن للمرأة وطبيعة دورها على الأرض. فهل تحظى المرأة بتقدير الرؤية القرآنية؟ وهل يعطيها الإسلام متنها غير منقوص؟
Read the rest of this entry »











