تسويق الدواء: بين الابتذال والنزاهة

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية

 http://www.alfaisal-scientific.com/?p=1375

تُمنح الثقة للصيادلة والأطباء بلا حدود؛ فالمرء يأتمنهم على روحه وماله وأهله والمرضى يصدّقون ادعاءاتهم ويقتنعون بمزاعمهم من دون أن يطلبون منهم حجة أو دليلًا. تحققت هذه الثقة بناءً على اقتناع أكثر الناس بالطب الحديث المبني على التجربة والبرهان بوصفه أفضل مرجعية ممكنة للتداوي في هذا الزمن. غير أن المرض عوز وحاجة، والمريض تحت وطأة أوجاعه ومشقة عذاباته قد يتعلق بأي وهم يمنحه إياه أي مدّعٍ أو مصطنع للمقدرة على الشفاء، فتجد المرضى يتزاحمون على أبواب الأفاكين والدجالين يشترون منهم أملاً لا عاقب له، ورجاءً لا مآب فيه!

ولا فرق بين الدجال المدعي والأطباء والصيادلة إلا في الصدق والأمانة، فالفئة الأولى تدّعي ما لا تملك البرهان عليه، والفئة الثانية توصي بما تؤيده الدراسات العلمية وتثبته التجارب. ومن أجل ذلك يصبح كلّ طبيب وكلّ صيدلي دجالاً في اللحظة التي يقرر فيها أن يخون ثقة المريض به ويضلله.

لذلك فمن المهمّ أن نفهم دوافع هذه الفئة من الأطباء والصيادلة الذين يتاجرون بجهل مرضاهم وثقتهم فيدفعونهم إلى شراء أدوية منخفضة الجودة أو مرتفعة السعر، أو يحثّونهم على استخدام الدواء من دون الحاجة إلى استخدامه؛ لأن أول خطوة لمعالجة الظواهر السيئة هي فهم أسبابها وتجفيف منابعها. ويبدو أن الدافع الأكبر لهؤلاء الذين يخذلون مرضاهم هو عمليات التسويق غير الأخلاقية التي تحفز الأطباء والصيادلة إلى أن يكونوا ترساً في ماكينة صناعة الأرباح في سوق الدواء المحلي.

حكاية السوق السعودي

حكاية طويلة يمكن أن تُحكى عن سوق الدواء في المملكة العربية السعودية الذي يعدّ أحد أكبر أسواق الدواء في المنطقة وأسرعها نموًا، فعلى الرغم من أنه لا يزال ناشئًا إلا أنه استطاع أن يحقق خلال السنوات الخمس الماضية دخلاً يزيد على أحد عشر مليار ريال سعودي. ومن الطبيعي أن نمو سوق الدواء السعودي المطّرد أحدث الحاجة إلى وجود هيئة تشريعية تُعنى بضبط السوق وتنظيمه، وهكذا استُحدثت الهيئة العامة للغذاء والدواء مطلع عام ١٤٢٤هـ الموافق ٢٠٠٣م؛ لتكون جهة تنظيمية تسعى إلى مراقبة كل ما يتعلق بتجارة و ضبط الغذاء و الدواء، ابتداءً من فسح المنتجات المستوردة أو التأكد من جودة المصانع المحلية وصولاً إلى فرض قواعد تنظيمات لتسويق الغذاء والدواء.

وإذا التفتنا إلى تاريخ تسويق الدواء في السعودية وآليات المنافسة التي استمر عليها السوق خلال العقود الماضية سنفهم إلى أي مدى كانت مهمة ضبط السوق وتنظيم فوضاه شاقة ومعقدة، فنحن نتعامل مع شركات الدواء العالمية والمحلية التي ظلت لزمن تعمل من دون رقابة وبلا حساب.

تمتدّ خبرات شركات الدواء العالمية على مدى عقود طويلة، ولها سجلها الحافل بالجرائم الأخلاقية والمهنية في تسويق الدواء أو إخفاء المعلومات التي قد تمنع تحقيق الأرباح وغير ذلك مما اشتهرت به من الممارسات غير الأخلاقية التي تهدف إلى زيادة الأرباح ولو على حساب أرواح البشر. أما شركات الدواء المحلية فيعد نجاحها جزءًا من نمو الاقتصاد الوطني، لكنها تقف موقفًا ضعيفًا في منافسة شرسة مع شركات عالمية تفوقها جودة وإمكانية. هذه كلها أسباب جعلت تنظيم فوضى التسويق الدوائي مهمة عسيرة وطويلة الأمد وتدريجية، فلا يمكن أن تتبدل الحال بين ليلة وضحاها، ولن نستطيع أن نضبط السوق في فترة وجيزة بل سنحتاج إلى زمن نعمل خلاله على تنظيم الاضطراب وضبط الفوضى بصبر ومثابرة.

أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية

كانت الخطوة الأولى في مسيرة ضبط السوق أخلاقيًا قد ظهرت عام ١٤٣٣هـ الموافق ٢٠١٢م حين دشنت هيئة الغذاء والدواء مدونة أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية”، التي تكشف عن توجه الهيئة إلى مراقبة السوق أخلاقيًا وقانونيًا وجديتها في ذلك.

لكننا نتحدث عن سوق الدواء، السوق الذي عُرف عالميًا بتاريخه الطويل في عمليات التسويق غير الأخلاقية، ونتحدث عنه في دولة صُنفت في تقرير منظمة الشفافية العالمية عن الرشوة والمنشور عام ٢٠١١م كسابع دولة تتفشى فيها الرشاوى عالميًا. هذان العاملان يجعلان الممارسة غير الأخلاقية في تسويق الدواء متفشية ومتجذرة، مما يجعل مهمة اصلاح السوق و القضاء على مظاهر التسويق غير الأخلاقية فيه مهمة ليست باليسيرة. مع ذلك كان إصدار هذه المدونة خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن إحباط ممارسات التسويق غير الأخلاقية وتجريمها يتطلب خطوات أخرى كثيرة ومن أهمها النقد المستمرة للظاهرة وكشف أسبابها، وما هذا المقال إلا محاولة للتصدي لتناولها وإماطة الستار عن بعض أسرارها عبر الحديث عن ستة محاور مركزية في تأثيرها في مستوى الانضباط الأخلاقي في تسويق الدواء:

مصلحة المريض أولاً

أول المحاور المؤثرة في الانضباط الأخلاقي في تسويق الدواء يتعلق بالمحور الرئيس والمركزي لمفهوم الرعاية الصحية في جميع مرافقها كالمشافي والصيدليات ومصانع الدواء ومراكز الأبحاث الطبية، وأقصد مصلحة المريض. إذ لا يمكن أن يوجد سوق دواء أخلاقي ما لم تتقدم مصلحة المرضى على ما سواها، وجميع الأعراف والأخلاقيات الطبية والقوانين العالمية تُسلّم وتعترف بذلك.

ومفهوم مصلحة المريض يتأسس على فرعين: الفرع الأول هو عدم الإضرار بالمريض، والفرع الثاني هو تحقيق المنفعة العلاجية له. والواقع أن معظم ممارسات التسويق الدوائي في السوق السعودي تتنبه وتهتم بضرورة عدم المساس بالفرع الأول خوفًا من الملاحقة القانونية أو استجابة للضمير الأخلاقي. لكن المشكلة الحقيقية تمس الفرع الثاني، إذ يتجه بعض الصيادلة والأطباء إلى دفع المرضى إلى شراء بعض الأدوية والمستحضرات الطبية واستخدامها وهي لا تنفع المريض بحجة أنها لن تضره.

وبحسب دراسة نُشرت عام ٢٠١٤م في مجلة الصيدلة السعودية، فإن ٤٣٪ من الصيادلة العاملين في الصيدليات التجارية يقومون ببيع الدواء الذي لا ينفع المريض ولا يضره، وهذه نسبة تبدو كبيرة، ويقابلها بالتأكيد نسبة كبيرة من الأطباء الذين يكتبون لمرضاهم أدوية ليسوا بحاجة إليها.

هؤلاء الصيادلة والأطباء لديهم بالتأكيد أسباب تدفعهم إلى غش مرضاهم واستغلال جهلهم، وهذه الأسباب مختلفة لدى الصيادلة عنها لدى الأطباء، لكنها على اختلافها تقود للنتيجة ذاتها: استغلال جهل المريض وثقته للحصول على منافع شخصية.

فساد البيئة

تنتمي معظم الصيدليات -مع الأسف- إلى شركات كبرى تحتكر قطاع الصيدليات التجارية في البلد، وتحرص إدارة هذه الشركات على أن تتعاون الصيدلية مع كبريات شركات الدواء المحلية والعالمية وفق علاقة تبادل منافع يضيع فيها حق المريض ومصلحة المجتمع، فتقدّم شركات الدواء خصومات ودعم متعدد الأشكال للصيدليات الكبرى نظير أن تُدخل هذه الصيدليات منتجاتها في قائمة الأدوية والمستحضرات التي تتركز فيها عمليات الترويج داخل الصيدلية، وتعمل إدارة هذه الصيدليات على تقديم حوافز تصل إلى ٢٠٠٪ من الدخل الشهري للصيادلة العاملين فيها نظير قيامهم بترويج الأدوية الموجودة في القائمة.

وحين نتأمل مثل هذه الجرائم التسويقية التي يشترك فيها ثلاثة أطراف: شركات الدواء والصيدليات الكبرى والصيادلة العاملين فيها؛ سنفهم أننا للأسف نواجه تحديًا لا يستهان به في محاولتنا ضبط سوق الدواء أخلاقيًا! إذ لا نواجه الصيادلة بصفتهم أفراداً يمكن ردعهم بالقانون، بل نواجه أيضاً تكتلات تجارية متعددة الأطراف ومتشابكة المصالح.

أما في المستشفيات، فنجد أن الفساد يتفاوت حسب بيئة المستشفى ومدى ضبطها لموظفيها. ففي بعض المستشفيات لا تجرؤ أي شركة مهما انحدر مستوى الضبط الأخلاقي فيها أن تعمل على تسويق منتجاتها بطريقة لا أخلاقية، وفي مستشفيات أخرى نجد أن الفريق الصحي من أطباء وممرضين وصيادلة يتغاضون عن الأسلوب التسويقي غير الأخلاقي الذي يصدر عن ممثلي شركات الدواء، بل ربما يدفعونهم إلى ذلك عبر التصريح أو التلميح بتأثير المزايا والحوافز الشخصية التي تقدمها شركات الدواء إليهم، وهذا ما يجعل العبء الأخلاقي مشتركًا بين الطرفين، فلا يمكن أن نلوم قطاع التجارة الدوائية دون أن نلوم شركاءهم في قطاع الرعاية الصحية.  ويتفشي هذا السلوك غير الأخلاقي بقبول الحصول على منافع شخصية في القطاع الخاص للرعاية الصحية، متمثلاً بمستشفيات وصيدليات القطاع الخاص، ويرجع ذلك كما يبدو للطبيعة الربحية التي يتأسس عليها هذا القطاع، وهذا ما يجعل العاملين فيه خاضعين لفكرة تبادل المنافع، وهي بذاتها ليست فكرة مرفوضة، إلا حين يكون المريض ضائعًا وسطها! فكيف يمكن لطبيب أو صيدلاني أن يقبل بأن يجعل مصلحته الشخصية بوصلة يؤسس عليها قراراته الطبية؟ وهل يمكن للطبيب الذي أقسم بأن يخلص لمرضاه، ويحرص على مصالحهم أن يبيع ضميره في مقابل مصلحة شخصية منقضية؟

يجب ألا تخرج علاقة شركات الدواء بالعاملين في القطاع الصحي عن محور مصلحة المريض؛ فالقيمة التي تتوقّعها منشآت القطاع الصحي وموظفوها من شركات الدواء يجب أن تصبّ في مصلحة المريض، والربح الذي تسعى إليه شركات الأدوية يجب أن تحوزه بناءً على ما تقدّمه من منفعةٍ للمريض، ويجب أن نرفض بصرامةٍ ونُجرِّم خروج العلاقة بين الطرفين عن هذا المحور؛ لأن قبول تفشّي تقديم الحوافز الشخصية إلى الأطباء والصيادلة وصنّاع القرار في القطاع الصحي، بوصف ذلك وسيلةً تخدم شركات الدواء في المنافسة السوقية، يعني أننا نقتل الوسائل التنافسية الأكثر نفعاً للمرضى، والسوق الدوائي، وقطاع صناعة الدواء، والبحث العلمي في المملكة.

التنافس مطلوب، ولكن!

إن المنافسة بين شركات الدواء مطلوبة، ولولا التنافس لكان إيقاع التطور الدوائي العالمي أبطأ بكثير عما هو عليه الآن. صحيح أن الأهداف الربحية التي تسيطر على مفهوم المنافسة في تجارة الدواء وصناعته عالميًا قد ترينا بعض الممارسات غير المقبولة أخلاقياً، لكننا بشكل عام لا نستطيع أن ننكر أن التنافس في السوق الدوائي العالمي كان حافزًا دائمًا لتطوير صناعة الدواء. والأمر ينطبق أيضًا على السوق المحلية، فما دامت مصانع الدواء وشركاته المحلية تعتمد في منافستها مع الشركات العالمية على إرضاء أصحاب القرار بالحوافز الشخصية والكوبونات المجانية وتذاكر السفر وغير ذلك من الوسائل المبتذلة لكسب المنافسة، فلن تضطر يومًا إلى أن ترفع من مستوى جودة منتجاتها أو أن ترفع ميزانيات الأبحاث والتطوير الدوائي لإيجاد منتج يستطيع منافسة بقية المنتجات في السوق العالمية من حيث الجودة والابتكار. فليس من المنطقي أن نجد دعمًا محليًا من قطاع الرعاية الصحية للشركات الدوائية المحلية -ولو بقصد دعم الاقتصاد المحلي- دون أن نرى في المقابل تطورًا مرضيًا في قطاع صناعة الدواء محليًا!

إنني أدعو إلى أن نقسو على الصناعة الدوائية المحلية قليلاً؛ لنحفزها إلى أن تحسن من مستوى منتجاتها، وتبتكر جرعات وتركيبات وأشكالاً صيدلانية لا تتوافر في سوق الدواء العالمي حتى تستطيع أن تقدم ميزة تنافس بها الشركات العالمية، أملاً بأن نصل يومًا إلى صناعة دوائية تكتشف وتطور أدوية جديدة غير مسبوقة.  والأهم من كل هذا أن الشركات المحلية لن تستطيع دخول سوق الدواء الأمريكي والأوربي اللذان يمثلان ٨٠٪ من سوق الدواء العالمي ما لم تحسّن المستوى الأخلاقي لتسويقها لمنتجاتها وتُلزم موظفيها قواعد وضوابط أخلاقية وقانونية صارمة، فدخول أسواق الدواء الغربية يعني الوصول إلى الجزء الأكبر من سوق الدواء العالمي، ومن ثم، ارتفاع ضخم في أرباح الشركات الدوائية، لكنه مصحوب بمخاطرة التعرض لغرامات مالية ضخمة إن ثبت تورط إحدى الشركات (متمثلة في أي فرد من موظفيها) في تجاوز أخلاقي أو قانوني يتعارض مع أنظمة و تشريعات الدول الغربية.

و يجب أن يُؤخذ في الحسبان كذلك أن شركات الدواء ومصانعه التي تُوجد في السوق المحلي مسؤولة عن تحريك قطاع البحث الدوائي ودعمه في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث المحلية؛ فعلى الرغم من أن البديهي أن يكون لشركات الدواء دور رائد في مجال دعم البحوث الدوائية محلياً إلا أن واقع الحال يُثبت أن شركات الدواء المحلية والعالمية في سوق الدواء المحلي لا تكاد تؤدّي دورها تجاه الدعم العلمي والبحثي محلياً، بل تتملّص من واجبها في رصد بيانات المشكلات المتعلقة بالدواء؛ أي: ما يُعرف بـ(التيقّظ الدوائي pharmacovigilance)، الذي يهتمّ برصد ومتابعة كلّ المشكلات التي قد تطرأ على المنتج بعد وجوده في السوق؛ كالمشكلات التصنيعية، ومشكلات التخزين، أو الآثار والمشكلات الجانبية التي تظهر مع استخدام الدواء.

التدريب والتيقظ الدوائي

ما يؤسف له أن كثيراً من شركات الدواء العالمية والمحلية لا تقدم التدريب الكافي لموظفيها للقيام بدورهم في عملية التيقظ الدوائي بشكل متقن، وهكذا ربما يكون من واجب هيئة الغذاء والدواء إلزام الشركات بتدريب موظفيها عبر منهج مفصل تسن الهيئة محاوره. إذ لا تقتصر أهمية التيقظ الدوائي في رصد الأدوية التي تعاني خللاً تصنيعيًا ومنع استخدامها؛ فهذا هو العائد قصير المدى من برامج التيقظ الدوائي، أما العائد طويل المدى والأهم فهو ما نحوزه عن طريق رصد هذه البيانات، فمثلاً يمكن عن طريق رصد الآثار الجانبية التي تحدث بشكل متوقع أو تطرأ بشكل غير متوقع لدى المرضى في المستشفيات المحلية أن ندرس مدى شيوع الآثار الجانبية للدواء في المجتمع المحلي، وفهم أسباب الشيوع كالاختلافات الجينية أو نمط الحياة مشتملاً العادات الغذائية أو الأمراض الشائعة محليًا، وبالطبع يمكن إعادة فهم الأعراض الجانبية، وإنتاج نشرات دوائية محلية تقدم معلومات أكثر دقة عن شيوع الآثار الجانبية والمخاطر المحتملة من استخدام الدواء أو الطريقة المثلى لتخزينه في الظروف المناخية المحلية المختلفة عن ظروف التخزين في بلد المنشأ. لذلك فعلى هيئة الغذاء والدواء أن تلزم شركات الأدوية بإجراء بحوث خاصة تحدد ظروف التخزين المثالية للمنتج الدوائي في البيئة والمناخ المحلي قبل تسجيله. و إنني أتوق إلى اليوم الذي يصبح فيه طلب إجراء البحوث الدوائية في الظروف المحلية نهجاً شائعاً للحصول على المنفعة من شركات الدواء، بدلاً من شيوع الأسلوب المُبتذل في طلب منافع شخصية لا تعود بالمصلحة على المرضى أو أنظمة الرعاية الصحية أو المجتمع.

آفة الرشوة

يؤسفني أن أقول إن الرشوة تبدو أهم مشكلات قطاع تسويق الدواء لدينا، وتنتشر ظاهرة الرشوة على مستويين، وفي قطاعين مختلفين: المستوى الأول لدى بعض المسؤولين في القطاع الحكومي، والمستوى الثاني لدى الأطباء والصيادلة في القطاع الخاص. على أن الرشوة لتسويق الأدوية قد تمتد لغير هؤلاء.  وأشهر ثلاثة مسوغات تُستخدم في المستشفيات أو الصيدليات لتسويغ الرشوة، هي: أولًا أننا لا نطلب حافزاً للقيام بعمل غير قانوني أو غير أخلاقي، بل نقوم بواجبنا الطبيعي في شراء الأدوية أو بيعها، وهذا العمل نؤدّيه بحوافز أو من دونها. ثانيًا أن لدينا شركات متنافسة وعلينا أن نفاضل بينها، وبذلك من الطبيعي أن نعدّ الحوافز التي تقدمها الشركات إحدى وسائل المفاضلة. ثالثًا أن شركات الدواء تحقق أرباحًا خرافية عبر سياسات رأسمالية تهتم بالأرباح من دون الالتفات إلى المجتمع والفقراء من المرضى محليًا وحول العالم.

و لنقض المسوغ الأول لا بدّ من توضيح مفهوم الرشوة حسب نظام مكافحة الرشوة السعودي الصادر سنة ١٤١٢هـ، إذ ينص هذا النظام على أن كل موظف طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدًا أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه من أعمال وظيفته، ولو كان هذا العمل مشروعًا، أو للامتناع عن عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه ليس من أعمال وظيفته، ولو كان هذا الامتناع مشروعًا، أو يخل بواجبات وظيفته، يعدّ الموظف مرتشيًا ويعاقب بالسجن مدة تصل إلى عشر سنوات، وبغرامة تصل إلى مليون ريال، وقد جاء فيه أيضًا نصيًا: “ولا يؤثر في قيام الجريمة اتجاه قصد الموظف إلى عدم القيام بالعمل الذي وعد به”. أما تعريف منظمة الشفافية العالمية للرشوة فهو: عرض أو وعد أو تقديم أو قبول أو طلب فائدة كحافز مقابل عمل غير قانوني أو غير أخلاقي،  يمكن أن يكون على شكل قروض أو هدايا أو مكافآت أو مزايا أخرى.

ونجد -من خلال استقراء التعريفين- أن النظام السعودي لا يشترط أن يكون العمل المقدم مقابل المنفعة عملاً مخالفًا للقانون أو للأخلاق، بل حتى تلقي الحوافز نظير العمل الذي يقوم به الموظف كجزء من مهامه ودون الإخلال بوظيفته يعدّ رشوة صريحة. وهكذا لا يكون من المنطقي أن نرى تلقي الحوافز من شركات الدواء نظير رجحان كفتهم في المناقصات الدوائية أو في عملية صرف الدواء أمرًا مشروعًا حسب النظام السعودي أو حسب الشريعة الإسلامية.

و يستند المسوغ الثاني في قبول الرشوة في عمليات تسويق الدوائي إلى وجود شركات متعددة في السوق، وهذا ما يجعل المفاضلة بينها أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان، لكن أبسط طالب في كلية الصيدلة سيفهم أن الوسيلة المثلى للمفاضلة بين المنتجات المنافسة هي مقارنتها من ناحيتي الفعالية والسعر، ففي مثل هذه الحالة يمكن إرغام شركات الأدوية على تخفيض أسعار منتجاتهم خوفًا من خسارة العملاء، والبديهي أن التنافس بين المنتجات المتشابهة يعتمد على سعر المنتج، وليس على الحوافز التي تقدمها الشركة إلى المستشفى أو الموظفين فيه.

و يبدو المسوغ الثالث منطقيًا ومقبولاً جداً، فكما تنتفع شركات الدواء من المجتمع فإن عليها أن تقدم إلى هذا المجتمع منفعة مقابلة. وليس من المقبول أبدًا أن تتملص هذه الشركات من دورها الضروري في خدمة المجتمع ودعمه، إلا أنه من غير المنطقي أن تكون خدمة المجتمع التي تقدمها الشركات موجهة إلى عملائها الذين هم مصدر أرباحها! فالعلاقة بين الشركة وعملائها يجب أن تظل منحصرة في محورين: جودة المنتج وسعره، فهي تقدم لهم أدوية ومنتجات طبية بجودة محددة تتلقى نظيرها السعر المستحق حسب تكلفة صناعته ونقله ووفرة الدواء أو ندرته، أما مسؤولية الشركات تجاه المجتمع فتترجم عبر تخصيص جزء معلن من أرباحها لدعم المستشفيات الخيرية أو مراكز غسيل الكلى التي تخدم فئات فقيرة غير مشمولة بالعلاج المجاني الحكومي أو تغطية شركات التأمين، أو غير ذلك من أشكال الدعم الدائم للمجتمع.

السياسة الوظيفية في شركات الأدوية

تعتمد سياسة شركات الدواء الوظيفية على تخصيص مكافأة سنوية أو نصف سنوية لموظّفيها مقابل تحقيقهم الهدف المطلوب من المبيعات، وتعدّ هذه السياسة حافزاً للموظفين؛ إذ لا يمكن أن يتساوى الموظف الجادّ والموظف العابث، وتكون المشكلة هنا عندما تُصبح المكافأة السنوية للموظّف أعلى من دخله السنوي أو تساويه؛ فحينئذٍ قد يُصبح هاجس الموظف بتحقيق هدف المبيعات مُتعارضاً مع معياره الأخلاقي وضميره الديني، وقد يسلك الموظف أيّ طريقة ممكنة -أخلاقيةً كانت أم غير أخلاقية- بغرض الحصول على المكافأة؛ لذلك يشيع الاعتقاد بين كثير من الناس أن العمل في شركات الدواء هو بالضرورة غير أخلاقي (أتفهّم شخصياً هذا الرأي، لكنني لا أوافقه) فمن دون المكاتب العلمية لشركات الأدوية العالمية، ومن دون وجود صناعة دوائية محلية، سيكون على المجتمع مواجهة نقص متكرّر في الإمداد الدوائي، ولن يكون من السهل تقدير الاحتياج المحلي للدواء، كما أننا في حاجة إلى الجهد العلمي الذي يبذله موظّفو المكاتب العلمية لشركات الأدوية في إيصال المعلومة الصحيحة عن الدواء، واستخداماته، وآثاره الجانبية، والطريقة المُثلى لاستخدامه، ومستجدات البحوث العلمية المتعلقة به؛ لرفع مستوى الرعاية الصحية محلياً.

وفي الختام، يهمّني أن أوضّح أن الرعاية الصحية لا يمكن أن تتحسّن ما لم تتكامل جميع مرافقها وتنضبط وتسعى إلى تقديم مصلحة المرضى على كلّ ما سواها، ولن يحدث ذلك ما لم تتغيّر طبيعة العلاقة بين شركات الأدوية وعملائها من الشركات الصيدلية أو المؤسسات الصحية الحكومية أو الخاصة أو الأفراد من الأطباء والصيادلة، ولا يبدو من السهل ضبط هذه العلاقة، لكن ذلك ليس مستحيلاً إذا شدّدت الجهات المسؤولة على ضرورة الانضباط في عمليات تسويق الدواء لدى الطرفين، واهتمّت بتوضيح معايير التنافس الأخلاقي والمقبول بين شركات الدواء، وأهمها: تحسين جودة المنتج، أو تخفيض سعره.

خرافة التقدّم – حنان القرني

مقال نُشر في صحيفة ايوان بتاريخ ٢ اكتوبر ٢٠١٦ م الموافق ٣ محرم ١٤٣٨ هـ:

نحن الذين نعيش عصر الإزدهار التكنولوجي، يحيطنا النماء الحضاري ونحضى بفورة الإنجازات العلمية، تسحرنا قدرة العلم على تسخير الطبيعة لتكون خادمًا لراحتنا، فلا حرّ الصيف أزمة مادامت أجهزة التكييف تنسينا اتقاده، ولا بعد المسافات شاغلنا وقد تيسّرت المواصلات، ولا تأوهات مرضانا تشجينا وقد أخمدها المسكّن وخلق العلاج أملًا بقرب انقضاءها. نؤمن تمامًا أن البشر في قديم الزمن وجدوا أنفسهم بُلهًا أغبياء لا حيلة لهم ولا وسيلة في التعامل مع الطبيعة، وأنهم كانوا كلما “تقدّم” بهم الزمن ازدهرت حضاراتهم، فخرجوا من تخلّف الإنسان البدائي لثقة الإنسان المتحضّر، يسيطر علينا الاعتقاد بأن العالم يعيش اليوم “قمّة الحضارة الإنسانية”، لأننا -نحن والطوفان من بعدنا- نملك ما يثبت هذا الاعتقاد، من أدوات التقنية وخدمات العلم. و أن الإنسان يسير بخطى ثابتة نحو الأفضل، “متقدمًا” أبدًا نحو الكمال.

ولكن؛ في الحين الذي نتبجّح فيه بتقدّم الحضارة الإنسانية ومنجزاتها العلمية والتقنية والطبية، يعجز أربعمئة مليون شخص حول العالم عن الحصول على أي شكل من أشكال الرعاية الصحية الأساسية (١)، ويظل ملياريّ مريض حول العالم عاجزًا عن الحصول على العلاج الذي يحتاجه على الرغم من كل “التقدم” الطبي العالمي. (٢) هذه الأعداد ليست مجرد أرقام تخمينية بل هي احصائيات عالمية معلنة تصرّح بوجود أعداد مهولة لبشر مثلنا من لحم ودم يعيشون في عصر “التقدم” والتكنولوجيا والثراء المعرفي والرفاهية المادية، ثم يعجزون عن التمتع بأبسط مزايا هذا العصر “المتقدّم”.

مثل هذه الأرقام تكشف لنا حقيقة وجود نسبة ضخمة من سكان الأرض غير قادرين على الإستفادة من أبسط لوازم “التقدم” -وأقصد وسائل التداوي والعلاج- فضلًا عن كمالياته وأدوات رفاهيته، وهكذا يكون من غير العادل ولا المنطقي أن نتوقع من المجتمعات الفقيرة أن تؤمن بأفضلية الزمن الحديث على الأزمنة السابقة لأن مجتمعات سواها تعيش أفضل حالات الغنى والرفاهية. ففي ميزان المفاضلة التاريخية، كانت الحياة في أزمنة سابقة -بالنسبة إلى كثير من المجتمعات الفقيرة- أفضل وأكثر رفاهية مما هي عليه اليوم، ذلك أن العديد من الفقراء في دول افريقية واسيوية تعرّضوا في العصر الحديث إلى استغلال شركات عابرة للقارات سرقت منهم مواردهم الطبيعية وجردّتهم من مصادر دخلهم وتركتهم يكابدون مشقة الجوع والفقر والمرض. إذ تدفع الشركات العالمية للحكومات الإفريقية الخاضعة للإمبريالية الغربية مقابل إتاحة تصدير الموارد الطبيعية من افريقيا إلى خارجها، فتُباع -بعقود احتكارية- شواطيء صيد الأسماك والأراضي الزراعية والمناطق الرعوية الخاصة بالأهالي، أما الحكومات الفقيرة فتصرف هذه الأموال المكتسبة من بيع الموارد الطبيعية على إعادة تهيئة المكان ليصبح أكثر “تمدنًا” حسب معايير الحضارة الحديثة، فتُرصف الشوارع وتُبنى مشاريع حضارية شكلية كالميادين والمتاحف على حساب دخل البسطاء.. فمحاولة التشبّه بالنموذج العمراني والحياتي الغربي يكلّف العالم الكثير، وتصوير الحضارة على هيئة بنايات متطاولة واسواق مكتظة بمطاعم الوجبات السريعة يضع الدول الفقيرة في ضغط المسابقة الحضارية الواهمة ومحاولة اللحاق بالـ”متقدّم”، وهكذا يُترك الأهالي -بعد أن تباع مواردهم- للجوع والفقر والمرض، فلن يستفيد الصيّاد البسيط في قرية بسيطة على شاطيء افريقي من مشاريع حكومته التنموية في العاصمة والتي مُوّلت بعوائد بيع الشواطيء بعقود احتكارية لشركة تصدير اسماك اوروبية، ستمنعه الشركة من صيد السمك الذي كان مصدر معيشة له ولقريته على مدى أجيال، ربما تتكرّم عليه بأن توظفه كعامل بسيط بأجر زهيد لا يُسمن و لا يغني من جوع، وستوكّل الشركة الوظائف المجزية لمؤهلين “متقدّمين” تدفع لهم بسخاء بعد أن تستقدمهم من خارج افريقيا، ستصطاد السمك من الشواطيء الافريقية وتعيد بيعه في اوروبا بأسعار خرافية باعتباره من الأنواع النادرة والثمينة. وسيجلس الأوروبي “المتقدّم” على طاولة مطعم فاخر ليأكل وجبة مكلّفة من السمك النادر الذي لا يتوفّر إلا في شاطيء افريقي نائي حُرم أهاليه من خيراته، وستكون عوائد الشركة أرباحًا خيالية مقارنة بتكاليف توريد السمك من بلد فقير معدم يبيع موارده بأبخس الأثمان. سيموت الأهالي من الجوع، سيقتلهم الفقر والمرض! سيعجزهم توفير الدواء لأبسط مرض، و سيقفّ استاذ جامعي في جامعة اميركية عريقة بُنيت بمنحة من اقطاعي أبيض جمع ثروته على حساب جموع العبيد الذين قضوا أعمارهم سخرة ليبني مجده، سيقف الاستاذ ليشرح لطلابه فكرة “التقدّم”! وكيف كان النمو الحضاري البشري من عهد ماقبل التاريخ والإنسان البدائي حتى وصل إلى زمن التكنولوجيا العظيم! سيقنعهم أن المجتمع البشري يتصاعد حضاريًا من التخلّف إلى التقدّم ومن الجهل إلى العلم ومن الفقر إلى الثراء، وسيستشهد بانجازات الطبّ الحديث كوصول الإنسان إلى المضادات الحيوية التي شكّلت ثورة علاجية في الحضارة البشرية.

سينبهر الطلّاب بفكرة “التقدّم” واستشهادات استاذهم وهم يجهلون أن طفلًا يموت كل دقيقتين بالملاريا -معظمهم تحت سن الخامسة- رغم أن “التقدّم” قد أوجد مضادات للملاريا، و لا يدرون بأن أكثر من أربعمئة ألف مصاب بالملاريا يموت سنويًا جميعهم من الدول الفقيرة العاجزة عن شراء الدواء، (٩٠٪ منهم من دول افريقيا). (٣) سيشعر الطالب الغربيّ بالعظمة وهو يعاصر قمّة الحضارة مغمضًا عينيه عن حقيقة الموت جوعًا لثلاثة ملايين طفل سنويًا (٤٥٪ من وفيات أطفال العالم دون الخامسة بسبب الجوع). (٥) ذلك أن معيار القياس الذي يستخدمه الغربيّ وغيره من عبيد الغرب معيار أعرج، يقيس أقصى درجة رفاهية حصل عليها أي شخص حول العالم ويعتبرها منجزًا بشريًا على كل سكان الكوكب أن يحتفون به! حتى ولو كان الجوع يحصدهم وأبسط الأمراض تدمرّ مجتمعاتهم!

خلاصة القول، أننا لا نستطيع أن نقيس رفاهية البشرية وتقدّمها بما تملكه أقلية بسيطة من سكان الأرض من أدوات الرفاهية والثراء، فطوال التاريخ كان هناك مجتمعات فقيرة ويغلبها الجهل تتزامن مع مجتمعات تعيش في ظروف حضارية أفضل، وربما تكون المقارنة بين تزامن العصور الوسطى المظلمة في أوروبا مع عصور أوج التحضّر والازدهار في الاراضي الإسلامية دلالة واضحة على أننا لا يمكن أن نصنع معيار موحّد عالميًا لقياس الحضارة والرفاهية.

المراجع (1) (2) (3) (4)

خطوات لتحسين الترجمة – حنان القرني

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠١٦م الموافق ٢٦ ذو الحجة ١٤٣٧ هـ:

ليست الترجمة مجرد أداة لنقل المعنى من لغة إلى أخرى، بل هي وسيلة إثراء لغوي و معرفي قادرة على  أن تحرّك ركود اللغة المعرفية والفكر العلمي والثقافي إن تم تفعيلها بالشكل الصحيح. وتعد الترجمة العلمية أحد أصعب مجالات الترجمة في العصر الحديث، وذلك لسبين: أولاهما هو ارتباطها بمصطلحات علمية حديثة لا وجود لمرادف يعبر عنها في البناء اللغوي التقليدي، وثانيهما أن النص العلمي هو نصّ يعبر عن حقائق علمية محددة، مما يتطلب نقل محتوى النص ومعناه نقلًا أمينًا دون أي تعدي أو تعديل في محتواه،

لا بغرض تجميل النص بلاغيًا و لا لزيادة الشرح العلمي. وبذلك يواجه المترجم للمادة العلمية تحديًا قد لا يواجهه سواه، فهو مطالب بنقل المعنى من لغة إلى لغة أخرى، و هو أيضًا مطالب بعدم المساس بمحوى النص ومعناه، وهو فوق ذلك كلّه أمام مصطلحات حديثة لا وجود لها في المعاجم التقليدية! وهنا يطرأ السؤال: كيف يمكن لنا أن نعمل على تحسين مستوى الترجمة العلميةالعربية، وما الجهود التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق هذا الهدف؟

تتحمّل المعاجم اللغوية المتخصصة مسؤولية استثنائية في تيسير الترجمة العلمية العربية، فاللغة العلمية لغة متجددة وولاّدة، تنتج العديد من المصطلحات العلمية الحديثة سنويًا في شتى المجالات العلمية: الطبية و التقنية والفلكية والفيزيائية وسواهم، وإذا لم تتصدى المعاجم العربية لمسؤوليتها بمواجهة سيل المصطلحات الحديثة بتكييفها مع القواعد البلاغية العربية أو تعريبها تعريبًا  ميسّر وقابل للاستخدام، ثم بإعلان هذا التعريب وتعميمه على الوسط المتخصص الذي يبدأ منه تداول المصطلح بين الناطقين بالعربية، فسوف يجيء يوم نجد فيه أنفسنابكل أسفوسط سيل جارف من المصطلحات الأجنبية المتداولة قسرًا في النصوص العربية، وحينذاك لن يكون من المفيد أن تعاد ترجمة المصطلحات أو يعاد تكييفها مع القواعد البلاغية العربية لأن الشيوع سلطان اللغات. والشائع من الألفاظ أولى من صحيحها

ومهمة المعاجم اللغوية لا تنتهي بعد نقل المصطلح من لغته الأم إلى اللغة العربية، بل تمتد إلى نحت اشتقاقاته و تحديد سياقاته ودلالاته، لتكون مرجعًا لكل من يتولى مهمة الترجمة العلمية. ثم يكون من المهم للغاية أن تكون المعاجم اللغوية قابلة للاستخدام وذلك بتحقيق أهم شرطين لتحقيق هذه الغاية: أولاهما أن يتم توحيدها على امتداد الوطن العربي، فالقارئ العربي في المغرب هو القارئ العربي في الخليج٬ ومن المعيب أن تتعدد وتتضارب الآراء لترجمة المصطلحات إلى لغة واحدة.. فيحدث ارتباك لتعدد المصطلحات المشيرة لذات المصطلح. وثانيهما أن يكون الوصول للمعاجم المتخصصة سهلًا ميسرًا متاحًا للجميع٬ إذ لم تعد الترجمة اليوم عملًا  نخبويًا للمختصين فقط٬ بل هي هواية لدى البعض وجهد مسؤول يؤديه آخرين خدمة للعرب وإثراءً للمحتوى العربي. وربما تكون أسهل طريقة لاتاحة المعاجم للاستخدام هي أن تتوفر على شبكة الانترنت.

وعلى الرغم من مسؤولية المعاجم في تلبية حاجة اللغة العربية للتوسع باحتواء المعاني العلمية المتجددة٬ إلا أنه قد يكون على المترجم أحيانًا أن يتولى هذا الدور لتقصير المعاجم أو لتسارع وتيرة ظهور المصطلحات٬ وفي حالة كهذه يجب على المترجم أن يستشعر مسؤوليته في نحت وتوليد ألفاظ دالة وبليغة لتعبّر عن المعنى الذي يشير إليه المصطلح الأصلي بألفاظ مناسبة للسان العربي. أحيانًا يكون من الممكن أن يُنقل المصطلح من لغته الأم للغة العربية مع تهذيب حروفه بما يتناسب مع اللسان العربي٬ خصوصًا إن ظهر المصطلح كتسمية اشتهرت٬ فالأسماء المتداولة والمعروفة لا تُترجم. و أحيانًا أخرى يكون من الأصح أن يبحث المترجم عن أقرب الألفاظ العربية لدلالة المعنى فيشتق منه اصطلاح يعبر عن المصطلح المراد ترجمته. إذًا٬ فالترجمة العلمية تتطلّب إلمامًا باللغة العربية وألفاظها وأساليبها البلاغية كما تتطلب الإلمام باللغة الأخرى و بالاصطلاحات العلمية. فليس يكفي أن يفهم المترجم النص الأصلي ويتمكّن من معناه ليكون قادرًا على ترجمته٬ بل عليه أن يمتلك مقدرة لغوية عربية تمكّنه من نقل المعنى عبر التراكيب العربية الصحيحة.

أما الشرط الأهم للترجمة العلمية فهي أن تتم ترجمة النص العلميترجمة أمينة. والترجمة الأمينة هي نوع مميز من أنواع الترجمة يختلف عن الترجمة بتصرّف أو الترجمة التأويلية وسواهما من أنواع الترجمة٬ إذ يكون من المهم في حالة الترجمة الأمينة أن يبذل المترجم جهده لينقل المعنى من اللغة الأصلية إلى اللغة الأخرى دون المساس بالنص الأصلي أو تحريفه وتعديله٬ ولذلك يواجه المترجم بعض الصعوبات حين ينقل مصطلح جديد داخل النصّ العلمي ويعجز عن إدراج شروحات توضّحه وتنقل معناه للقارئ. و في هذه الحالة قد يكون من المناسب إدراج الشروحات في الهامش لتوضيح الاصطلاحات الجديدة وشرح معانيها٬ وهذه الخطوة تساعد في تطبيع المصطلح ونشره وتسهيل استخدامه٬ وهي للأسف خطوة مغيّبة في الدوريات العلمية العربية المترجمة. والتزام الترجمة الأمينة كأسلوب للترجمة العلمية لا يعفي المترجم من مسؤوليته اللغوية التي تفرض عليه صياغة النص المترجم صياغة عربية بلاغية رصينة٬ و لا تبيح له التساهل في القواعد البلاغية والنحوية العربية بحجة المحافظة على المعنى الأصلي للنص. فليس من المستحيل أن يحافظ النص على معناه ويصاغ بصياغة عربية واضحة وقويمة٬ وقد يكون من الأفضل في بعض الأحيان أن تتم عملية الترجمة على خطوتين: فيكون أولًا  نقل المعنى إلى اللغة العربية٬ ثم يأتي دور المراجعة اللغوية لإعادة صياغة النص بأسلوب عربي قويم.

وأخيرًا٬ يهمني أن آقول بأنه لا يكفي أن يتم نقل المعنى من لغة إلى أخرى لنقول بأننا أنجزنا الترجمة. بل يجب أن ينتقل المعنى بصياغة بليغة ممتعة سهلة على القارئ٬ فما قيمة النص المترجم الذي لا يلقى رواجًا بين الناس لركاكة ترجمته وضعفها؟ بل وجوده كعدمه!

نسخة مصدقة

Screen Shot 2015-12-07 at 5.34.27 AM

يتحدث برناردو آتشاغا عن فكرة الانتحال في الأدب باعتبارها أمرًا لا مناص منه ولهذا قام بتقديم نصائحه أو منهجه في الانتحال. النصيحة التي لا تزال عالقةً بذهني هي: لا تسرق من كاتب مغمور، والسبب: لأن أمرك سيفتضح حالما يلمع نجمه؛ فبمجرد أن يشتهر بأي عمل “أدبي أو غيره” سيهرع الناس إلى اقتناء جميع أعماله وعندها سينتبهون لما ارتكتبه. مالمخرج الذي يقترحه آتشاغا إذن؟ أن تنتحل من كاتب مشهور، شكسبير مثلًا أو دوستويفسكي! ورأيه يتلخص في أننا كلنا نعرف تاجر البندقية والجريمة والعقاب، لكن معرفتنا بها لا تتجاوز الاسم والخطوط العريضة، من المحرج أن تنكر معرفتك بهما؛ لهذا ربما ندعي أننا قرأنا أكثر مما نعرف. أضف إلى ذلك أن الأعمال الخالدة عمومًا تتناول مواضيع بشرية مشتركة، من الطبيعي أن يتم تكرار الحديث عنها وحتى بالأفكار أو بالأسلوب نفسه. قد يكتشف النقاد أمر انتحالك يومًا ما، لكنهم على الأقل يدركون أن الأدب بحر من الانتحالات، وأن التناص، وخزانة القارئ، ومصطلحاتهم الكثيرة ليست سوى مبررات لدوامة التكرارات هذه.

ماذا عن الأعمال الفنية حيث لا يحصل تداخل بين عملين إنما استنساخ كامل للعمل؟ يقدم عباس كياروستامي رؤيته حول الموضوع في فلمه “نسخة مصدقة Certified Copy”. الفلم يحكي قصة كاتب إنجليزي يروج لكتابه في لقاء صغير بإيطاليا. يبتدئ الفلم بمشهد اللقاء حيث يتحدث الكاتب جيمس ميلر عن مؤلفه “نسخة مصدقة” وإثارةً للجدل يضيف الناشرون عنوانًا فرعيًا: “دعك من الأصل، فقط احصل على نسخة جيدة”. يبتدئ ميلر بشكر زميله الذي قام بترجمة/ نسخ العمل من الإنجليزية إلى الإيطالية معلقًا بأنها ترجمة مثالية وأنه استطاع نقل روح الكتاب للغة الأخرى. وهذه مقدمة ذكية للدلالة على  انسجام الكاتب مع مُؤَلفه.

يوضح نظريته حول النسخ والتقليد في الفن؛ الفكرة أن القيمة الأهم لإعادة إنتاج صورة أو منحوتة تكمن في أنها توصلنا لفهم أفضل للعمل الأصلي. وفي حديثه حول الأصل والأصالة يقودنا إلى أصل كلمة Original والتي تعني: حقيقي، موثوق، أصيل، باق. الجذر اللاتيني للكلمة oriri يعني يشير للولادة. وهنا أخذ الفكرة لنطاق آخر إذ لا يرى الأمر منحصرًا في اللغة أو الفن، بل يتعداه لفكرة التناسل في الجنس البشري حيث أن ما يحصل لدينا بالضبط ما هو إلا عملية نسخ DNA الأجداد، وعليه يكون البحث ومساءلة الأصل بمثابة التغلغل واكتشاف حضارتنا. إثباتًا لنظريته يذكر قارئًا قام بشكره لأن كتابه كان بمثابة دعوة ساعدته للوصول لفهم أفضل لذاته، لكنه لا يعطي إيضاحات حول آلية حدوث هذا.

Continue reading →

الإسلام بين الشرق والغرب

الإسلام بين الشرق والغرب

قراءة الإسلام بين الشرق والغرب، أعطتني تصورًا جيدًا لحياة علي عزت بيجوفيتش، لقد كانت سلسلةً من النضال الفكري والروحي والجسدي. المراجع التي يحيل إليها بالاستناد عليها أو لتفنيدها، تعطي دلالة واضحة لحجم استيعابه للفلسفة الأوروبية، لا يقف هذا الاستيعاب عند فهم الفكر بشكل مجرد، إنما يعكس اهتمامه بالأخبار العالمية والإحصائيات الكثيرة، تتبعه لتأثير هذا الفكر على حياة الإنسان الغربي في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع. مما يجعله في موقع ممتاز لنقد هذه الفلسفة ومساءلتها. إلى جانب هذا، قضى بيجوفيتش فترتين من حياته في السجن، إذ سجن في أوائل العشرين من عمره بسبب نشاطه الفكري والسياسي، ثم سجن مرة أخرى عام 1980 وحُكم عليه بأربع عشرة سنة تقلصت فيما بعد لخمس سنوات ونصف ليخرج في عام 1988 وقد تجاوز الستين من عمره، حكى عن سنين السجن في كتابه هروبي إلى الحرية. وبعد خروجه من السجن ساهم في استقلال بلاده عن حكم يوغسلافيا الاتحادية. ووسط كل هذا، يعكس الكتاب استغراقه في تأملات روحية يوسع من خلالها أفكار بسيطة أو يقدم بها أفكارًا معقدة في شكل مبسط جدًا. أما عندما يلتفت هذا الرجل ليتأمل ماضيه فلا يملك إلا أن يقول: “لو أتيح لي الحق في أن أعيش مرةً أخرى لرفضت هذا العرض، أما وإن إن كان لا بد منه فسأختار حياتي هذه” هذا بالتحديد كان الدافع الأهم لي لأقرأ له وعنه. وما سأكتبه هنا أقرب للتلخيص منه إلى المراجعة.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب ويعود إليها في كل مرة هي مبدأ الوحدة ثنائية القطب، فهو يرى أن الإسلام”يعني أن نعرف ونعترف بالازدواجية المبدئية للعالم، ثم نتغلب على هذه الازدواجية.” هذه هي الخطوط الأساسية للكتاب، فهناك المادية الشرقية متمثلة في اليهودية كديانة والاشتراكية كفكر، وعلى الطرف الغربي توجد الروحانية المسيحية. وكلا الطرفين قام بإنجازات بشرية عظيمة، لكنه أيضًا انطوى على مشكلات خطيرة جعلت من التمسك به أمرًا مستحيلًا، هذه الاستحالة ترجع دائمًا لأن كلًا منهما أغفل شيئًا مهمًا من حقيقة الإنسان. وجهة نظر بيجوفيتش أن الإسلام كان الديانة الوحيدة التي استطاعت أن توفق بينهما تحت مبدأ الوحدة ثنائية القطب.

Continue reading →

على باب الصبر – قراءة لقصيدة السيّاب “سفر أيوب”

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد.

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر

وحده بدر شاكر السياب من يملك أن يصنع من الألم أغنية معجونة باللوعة وممزوجة بالجوى، ذلك أنه حين يحكي عن الألم.. لا يكتفي بأن يطوف على ظاهره من آلام الجسد، بل يدرك قرار آلام الروح، فيلمسها بأطراف أنامله لمس المشفق المتطفل، يجس كيانها و يميز بواعثها ويحاكي مبتدأها، حتى يألفها ألفة الخدن الرفيق، يؤنسه طول ملازمتها و يوحشه الغياب منها. فالوجع حين يضرب الروح، لا ينشر فيها ألمًا مجردًا كما تفعل أوجاع الجسد، بل ينشر فيها حزمًا من المشاعر لا تنحصر في كلمات اللغة.. وجع الروح يتمخض ألمًا وأملًا واضطرابًا وسكينةً وذلةً واستغناءً ورضا ويقينًا وزهدًا وتسليمًا واحتياجًا ورأفةً وقهرًا وحبًا وما يخطر أو لا يخطر على اللغة من سوى هذا وذاك. لذلك، حين هوى الألم من جسد السيّاب إلى روحه، تمّكن من بلوغ نبوة البيان ببلاغة المعنى الذي ابترى ثقله بأبسط الألفاظ العربية وبلا وزن ولا قافية.. فجاءت مجموعة “سفر أيوب” مخضرمة في فصاحتها، فلا تتوسل بناء الشعر وقافيته لتخلق وقارها، ولا تذعن لغرائب الألفاظ المتقعرة لتبرهن أنها قادرة على أن تكون معجزة لغوية.

Continue reading →

قتل الحسين مصيبة من أعظم المصائب

تكتب عبير القرني في سحارية عن حادثة كربلاء في ذكرى استشهاد الحسين بن علي سبط رسول الله و سيد شباب الجنة:

يأتي عاشوراء محملًا بثقل تاريخي وديني، ففضلاً عن كونه اليوم الفضيل الذي صامه محمد صلى الله عليه وسلم وصامه صحابته وسائر الأُمة من بعدهم، كان عاشوراء أيضاً هو اليوم الذي شهد مأساة كربلاء الحزينة التي قُتل فيها الحسين وآل بيته وشكلت منعطفاً تاريخياً فاصلاً في تاريخنا الإسلامي الحافل، فكل عاشوراء يقيم أصحاب المذهب الشيعي عزاءًا يعلوا فيه نياحهم وبكائهم ويخرج بعضهم في الشوارع ممارساً التطبير والضرب بالسيوف فتتناثر الدماء على حادثة قضت وانتهت منذ ما يزيد على الألف سنة.

بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه – ومبايعة ابنه يزيد بالخلافة خرج الحسين بن علي بن أبي طالب – رضي الله عنهما – بأهله من المدينة رافضاً مبايعة يزيد قاصداً مكة المكرمة ، وفي مكة وصلته دعوة من أهل الكوفة لمبايعته بالخلافة والمضي معه ضد الباطل، هنالك عزم الحسين على الخروج بأهله إلى الكوفة. وحاول الصحابة وبني هاشم ثنيه عن عزمه ولكنه أبى إلا الخروج ، فأشار عليه ابن عباس قائلاً : “لا تفعل ، والله إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان” فلم يقبل منه فبكى ابن عباس حزناً على القادم المر المجهول، فأهل الكوفة هم من قتلوا أباه (علي) وأخرجوا أخاه (الحسن)، ويزيد و ولاته من وراءه لن يتركوه في شأنه.

Continue reading →