أدب

النقد الثقافي، الحلقة المفقودة في فعل القراءة

فعل القراءة من أخطر الأفعال البشرية والتي تنضوي على مفاهيم متولدة في كل مرة يتم تكرار الفعل فيها. من هنا جاءت أهميته كوسيلة تكوين تنتج عنها ثقافة مشتركة ومعايير تحدد للقيم ما تبقى لها حتى تخرج أو تدخل لدائرة المباح أو المحرم.وعند نقطة الإباحة والتحريم، المقدسات والمصالح تأخذنا القراءة إلى أبعد من صفحاتها، لكن الحقيقة في الأمر أن هذا ينطبق حتى على فعل اللاقراءة. إذ أن نقيض العلم سيؤدي لخراب البشرية، لكن مكمن الخطورة هنا يكمن في أن يتم ترويج القراءة كحالة من الشح المعرفي والقيمي والفلسفي. حيث تصبح الأطروحات الفكرية، التجارب الخاصة، النظريات الفلسفية، النصوص الأدبية، بل حتى الدراسات العلمية، يصبح التعاطي معها نوعا من التخدير الموضعي غير أن هدفه لن يكون علاجيا هذه المرة.

كما أن لدينا نظريات في الجماليات فإنه لابد أن نوجد نظريات في القبحيات أي في عيوب الجمالي وعلله، وهي نوع من علم العلل-كما في مصطلح الحديث، الذي يبحث عن علل في المتن أو في السند أو فيهما معًا، وفي ذلك جهود ضخمة نحتاجها كمثال نقدي حي ومجرب.

من هنا كان لا بد من إعادة النظر في القراءة والمقروئية عبر تفكيك العلاقات القائمة بين القارئ والنص، النص والمؤلف، النص والتاريخ (ماضيه، حاضره، ومستقبله)ومن ثم إيجاد المداخل الممكنة لتشريحه ومحاكمته ثقافيا.

يجيء النقد الثقافي كنظرية تساعد العقل في الخروج من قمقم التقليدية في القراءة، وتساعده في إعمال حواسه لاستكشاف المبطن في النص بكل ما فيه من جماليات وعيوب. رغم أنها تبدو وللوهلة الأولى نظرية نخبوية بامتياز إلا أنها فعالة حتى على المستوى الشخصي في توجيه فعل القراءة ورفع فعاليته، أيا كان القارئ والمقروء والمؤلف.

يقدم الدكتور عبدالله الغذامي في كتابه: (النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية) دراسة في نظرية النقد الثقافي ويجعل منها مدخلا لفهم العيوب النسقية في الشعر العربي (بصفته ديواننا والخطاب الأبرز للأمة العربية) عبر تتبع منافذ هذه العيوب في كتب التاريخ ومدونات الشعر حتى ينتهي للشعر المعاصر وقضية الحداثة التي يحاكم بهافيها أبرز الشعراء المعاصرين: نزار قباني وأدونيس. ويشرح دورهما الذي قاما به في تحديث الشعر والذي أفضى بهما إلى جماهيرية ساحقة حرم منها السياب ونازك الملائكة رغم أحقيتهما بها بصفتهما رائدا هذا الفن والأكثر نجاحا فيه. وقد فصل في مسألة تحديث الشعر وتأنيث القصيدة في كتابه: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف.

مسألة تفكيك العلاقات وإعادة التعريف تزداد صعوبتها مع صعوبة الخطاب الذي تعمل على تحليله، وبسبب تنوع أشكال الخطاب ومسمياته صار لا بد من الاتفاق على ملامح بارزة لهذا الخطاب القابل للنقد نقدا ثقافيا. كذلك لابد من تحديد طريق للسلامة من الدخول في الأخطاء عند تطبيق النقد الثقافي (الحديث هنا شعبي غير نخبوي) عند نقده للأخطاء النسقية وهو التزام منهج علمي واضح المعالم، تمكنه علميته هذه من استحقاق “إحداث نقلة نوعية للفعل النقدي من كونه الأدبي إلى كونه النقدي” وهو كالتالي:

1-نقلة اصطلاحية:

الدلالة النسقية ترتبط في علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلًا، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنًا هناك في أعماق الخطابات وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلًا من أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولًا ثم لقدرة العناصر النقدية على الكمون والاختفاء. وهو ما يمكنها من الفعل والتأثير غير المرصود وبالتالي تظل باقية ومتحكمة فينا وفي طرائق تفكيرنا، ومهما جرى لنا من تغيرات ثقافية أو حضارية تظل هذه التغيرات تغيرات شكلية لا تمس سوى الجوانب الخارجية، بسبب تحكم النسق فينا.

يشمل توظيف الأداة المستخدمة للنقد الأدبي حتى تكون أداة في النقد الثقافي، وهذا التوظيف يؤثر على آليات التأويل وكيفية اختيار المادة المدروسة. هذه النقلة تشمل:

  • عناصر الرسالة (الوظيفة النسقية)
  • التورية الثقافية
  • نوع الدلالة
  • الجملة النوعية
  • المؤلف المزدوج

2-النسق الثقافي

السؤال النقدي يكون عن المقروئية بوصفها أساسا للاستهلاك الثقافي، وعن سبب جماهيرية خطاب ما أو ظاهرة ما مما هو في زعمنا ليس نتيجة خالصة لجمال المقروء أو الظاهرة، ولا لفائدتها العلمية، ولو كان الأمر كذلك لساد كل جميل ولشاع كل نافع. كما أن السبب ليس في البساطة والسهولة وإلا لساد كل بسيط. إن وراء ذلك في عرفنا أسبابًا ذات أبعاد نسقية، وهذه هي وظيفة النقد الثقافي.

يتحدد النسق الثقافي عبر وظيفته وليس عبر وجوده، هذا الوجود يتمثل في:

  • نسقان يحدثان معا وفي آن، في نص واحد أو فيما هو بحكم النص الواحد.
  • يكون المضمر منهما نقيضا ومضادا للعلني.
  • لا بد أن يكون جميلا ويستهلك بوصفه جميلا، بوصف الجمالية هي أخطر حيل الثقافة لتمرير أنساقها وإدامتها.
  • لا بد أن يحظى بمقروئية عريضة تدل على ما للأنساق من فعل عمومي ضارب في الذهن الاجتماعي والثقافي.
  • يتطلب هذا أن نقرأ النصوص السابقة صفتها قراءة من وجهة نظر ثقافية.
  • الدلالة النابعة من النسق ولكونها مضمرة فهي ليست من صنع المؤلف، إنما هي منغرسة في الخطاب ومؤلفتها الثقافة، ومستهلكوها هم الكتاب والقراء بكافة مستوياتهم.
  • النسق ذو طبيعة سردية يتحرك بحبكة متقنة، مما يعني أنه خي وقابل للإضمار ويستخدم أقنعة أهما قناع الجمالية اللغوية.
  • الأنساق الثقافية هي دائما أنساق تاريخية وراسخة ولها الغلبة دائما.
  • هذا يؤدي لوجود جبروت رمزي بطبيعة جماعية، يعمل كمحرك للذهن الثقافي للأمة وهو المكون لتفكيرها.
  • كل هذه الملامح تفضي بنا إلى التعامل مع الخطاب وليس النص. أي أن المقصود هو كل نظام تعبير وإفصاح

كلما رأينا منتوجًا ثقافيًا أو نصًا يحظى بقبول جماهيري عريض وسريع فنحن في لحظة من لحظات الفعل النسقي المضمر الذي لا بد من كشفه والتحرك نحو البحث عنه، فالاستجابة السريعة والواسعة تنبئ عن محرك مضمر يشبك الأطراف ويؤسس للحبكة النسقية.

3-وظيفة النقد الثقافي

نقد الحيل النسقية التي تتوسل بها الثقافة:

  • تغييب العقل وتغليب الوجدان
  • العزل بين اللغة والتفكير بسبب المبالغة و”أعذب الشعر أكذبه”
  • تبرير الأقوال والشخصيات الشعرية مما أدى لزرع أنماط تمر بدون نقد مما منحها الديمومة رغم عيوبها.

4-التطبيق

لعل من أبرز علامات النسق أن تختلط الأحكام الثقافية ليس لدى المؤسسة الثقافية الرسمية، بل لدى ممثلي التجديد والتحديث، حتى لتأتي تطلعاتهم التجديدية على صورة مشوهة ومحدودة المطمح، مما يعني أن النسق يصل في هيمنته حدًا لا يتحكم فيه بالخطاب الرسمي فحسب بل بالخطاب المعارض أيضًا.

بعد الملامح التي اتضحت ووظيفة النقد التي لخصناها، نصل لتطبيق ما فصلناه.
النسق الثقافي وبسبب كل خصائصه فإنه يعمل على إحداث تصورات مضمرة من مجموع الصفات المتوخاة. هذه الأنساق تنبثق عنها مجموعة من الأصول النسقية والتي أبرزها نسق الشخصية الشعرية والتي كانت محور هذا الكتاب والتطبيق.

بعد هذا الفصل يبدأ الدكتور الغذامي تطبيقه للنظرية على الشعر العربي ماضيه ومعاصره ومدلولات جمالياته على الأنساق المؤثرة فينا، والتي كانت السبب الأبرز لتأخرنا الحضاري.

مع أن الشعراء يقولون ما لا يفعلون، فإن اللافاعلية هنا هي إحدى عيوب الخطاب، لأنها تسلب من اللغة قيمتها العلمية إذ تفصل بين القول والفعل، كما أنها ترفع عن الذات مسئوليتها عما تقول، ولذا جاء ذم الشعر الذي هذه صفته في القرآن.

أحرض على قراءة الكتاب.

*الاقتباسات هي للدكتور الغذامي ومن كتابه النقد الثقافي. وضعتها حسب ما رأيت وليس حسب أماكنها التي وردت فيها.

مصدر الصورة

Advertisements

5 thoughts on “النقد الثقافي، الحلقة المفقودة في فعل القراءة

  1. النقد الثقافي هي صرعة نقدية عالية المستوى حالما يتوصل لها الشخص
    وذلك عبر إمتلاك إداوات النظرية..
    بحيث يستطيع حينها أن يفصل بين جماليات المقروء وبين الحقيقة
    وبين السلوك وبين نقيضه.. وبين العرف وبين نقيضه، وهلم جر

    كتاب الدكتور عبدالله الغذامي (النقد الثقافي، قراءة في الأنساق العربية)
    أزعم أنه مرجع مهم في هذا الباب..
    حيث نجد أن الغذامي أتخذ عدة أمثال في هذا الكتاب لتوضيح الفكرة
    ومن ضمنها وأبرزها مثال المتنبي، والذي وصفه بأنه شحاذ عظيم!
    فعظمة المتنبي تكمن في شعره وموهبته، ولكن في الأصل كان متسولا يبحث عن الحكم!
    .
    .
    .

    دمتِ بخير،،

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s