مالذي يميز جيفري لانغ؟

وهكذا تتبدى لنا غاية الحياة: علينا أن نوطن أنفسنا على الفضيلة والحكمة والعدالة والرحمة والعفو والصلاح، وأن نهتم بالناس وأن نحبهم، وعلينا أن ندرب أنفسنا على الشفقة والصبر والكرم، وذلك من خلال كفاحنا وجهادنا في سبيل العيش. وفي القرآن نجد أن هذه الخصال هي خصال الإيمان الصحيح. يجب علينا أن نتشرب من هذه الخصال وننميها في النفس ما استطعنا، ليس فقط لنجعل من الدنيا مكانًا أفضل للعيش، بل لأنها حالات سامية من الواقع الذي ينبثق عن الواحد الأحد الأزلي الأبدي وهو الله. وإذا ما نشأنا على هذه الخصال فإننا نكبر في الوقت نفسه بقدرتنا كي نتلقى ونشعر برحمة الله، وعفوه، وحنانه، وعدله ومحبته. وبهذه الطريقة فإننا نزداد قربًا من الله.

من بين قصص إسلام غير العرب تبقى قصة جفري لانغ الأكثر إلهامًا لي. والسبب في هذا أنها قصة ابتدأت ولم تقف عند نقطة معينة، أي أنها قصة حية تنمو بشكل مذهل وجدير بالتقدير. في البداية سمعت عن بروفيسور الرياضيات المتميز من خلال برنامج للدكتور محمد العوضي منذ ما يقارب 7 السنوات. أي أن الحكاية لم تكن لتورد في سبيل ما تورد فيه حكايات اعتناق الغربيين التي تساق في مجالس آخرين وبسند منقطع، وإنما جاءت كدلالة على تكريم العقل البشري؛ إذ من عادة د. العوضي أن يناقش مواضيع من شأنها أن تسهم في تطور الفكر وحث العقل على التدبر والاستنتاج. وتلك المرة كان الحديث عن مفهوم الزمن، وعن اختلاف علماء الفيزياء الكونية حول فترة الترك أي فترة عدم وجود أي شيء بالكون وكان السؤال هو: كم استمرت فترة العدم؟  إلى أن جاء عالم مسلم (نسيت اسمه) وتنبه لأننا نستدل على الزمن بآثاره: الشمس والقمر، وبما أن تلك الفترة لم تكن مشتملة على دلالات الزمن فهذا يعني أن الزمن لم يكن موجودًا في ذلك الوقت!

نسيت أجزاءً مهمة من القصة، لكن الفكرة الأهم في هذه الحكاية هي أن د.العوضي لم يكن ليحصر برنامجه في حكايات خرافية بل كان يتحدث دومًا بمنطق العقل الباحث المفكر، ومن هنا جاء حديثه عن كتاب الدكتور لانغ: حتى الملائكة تسأل. انتهت الحلقة وظل لانغ حاضرًا في ذاكرتي بشكل غريب. بحثت عن كتابه في كل مكتبة أزورها لكن دون جدوى. إلا أن هذا لم يقف حيال إعجابي بما يقدمه رغم أني لا أعرف مالذي قدمه بالتحديد! عنوان كتابه وما يتضمنه من تقدير الإسلام للعقل البشري وتساؤلاته كان سببًا كفيلًا لهذا الإعجاب. يكفي أنه لاحظ أن ديانتنا تسمح حتى للملائكة بالسؤال، سؤال الله مباشرةً!

قبل سنتين قرأت كتابه ضياع ديني والذي ظننت لأول وهلة أنه سيتحدث عن الضياع الديني الذي نعيشه، لكن اسم الكتاب بالإنجليزية بدد هذه الفكرة: “Losing My Religion: A Call For Help” إذن هو سيتحدث عن ضياع الدين وليس عن ضياع صفته دينية. فكرة الكتاب تبدو صادمة خصوصًا لو عرفنا أنه سيتحدث عن ضياع دين مسلمي أمريكا. هل يعني هذا أن ما نسمعه عن الالتزام الصحيح بالإسلام لمسلمي الغرب هو نوع من المبالغة الإعلامية والكلام غير المنهجي الذي اعتدنا سماعه من منابرنا؟ هذا ما يقوله لانغ للأسف! فهو يرى أن الإسلام يتفلت من الجيل الثاني من مسلمي أمريكا (أبناء لوالدين أمريكيين مسلمين). رغم ما يراه في كتابه الآخر الصراع من أجل الإيمان من أنه يرى أن هذه الفترة هي فرصة الإسلام.

وهذا يوصلنا لأن نكتشف أن الأسرة الأمريكية المسلمة تعاني من عدم القدرة على التواصل مع أبنائها فيما يخص تعاليم الإسلام وقيمه بسبب الفارق العمري والانفتاح التكنلوجي الهائل الذي يتدخل في تكوين فكر الأبناء. والفرق بين المسلم الباحث عن المسلم بالوراثة هو فرق السؤال، هذا السؤال الذي يعتبره الإسلام حقًا مشروعًا في حين يتم اعتباره من قبل أطراف عدة أمرًا محظورًا وطريقًا سريعًا للكفر.

ما يميز جيفري لانغ عن بقية معتنقي الإسلام الجدد هو:

  • أن قصة إسلامه كانت مباشرة من القرآن، وكما يصف معركته الأولى معه بأن القرآن كان يواجهه مباشرة ويجيب على أسئلته مباشرة ويفهمه بطريقة غير معقولة.

فهو لم يسلم بسبب معجزة محسوسة وكما يقول البرغوثي عن المعجزات “إن المعجزات فضيحة للعقل”، بل أسلم بسبب مباشر من كلمات القرآن التي استطاعت تحديه والإجابة على تساؤلاته الإلحادية الكثيرة. بل نستطيع أن نقول أن 10 آيات بسورة البقرة كانت هي محور تساؤلاته، وأن مفردة صغيرة كـ”أزلهما” كانت السبب في حل أهم أسئلته.

فقد كان لانغ على وشك تنحية القرآن وتركه تمامًا وعدم المضي قدمًا في إيجاد أي تفاهم معه، لأنه بعد الآية 36 من سورة البقرة رأى أن القرآن عاد للتحدث بصيغة تقليدية توضح أن الحياة على الأرض عقوبة. أي أن تساؤله حول صراع الخير والشر وحول لم خلق الله آدم في الجنة ثم عاقبه بالأرض؟ هل كان الغرض الرئيسي من الخلق هو المعاقبة؟ لم خلق الله كائنًا قابلًا للغواية ثم يعاقبه إن غوى؟ لن تجد إجابة شافية. كاد أن ينهي القراءة لولا تنبهه للصياغة الذكية في بداية الآية؛ فالقرآن بدل أن يصف أعظم خطيئة في تاريخ البشرية والتي أدت لخروج آدم من الجنة واستحقاقه لعذاب الأرض، بدل أن يصفها بالذنب العظيم، قال عنها بأنها مجرد “زلة”!

ومازاد الأمر تعقيدًا هو أنه قرأها بالإنجليزية “Slip” والتي تعني فقدان آني للتركيز، انزلاق مؤقت لموطئ القدم، خطيئة صغيرة لا يترتب عليها نتائج هامة أو خطيرة. حسب ما أورد في كتابه. عندها ظن أن هناك خطأ في الترجمة، لكنه قرر إمضاء البحث فوجد أن هذا معنى زلة بالعربية أيضًا.

بعدها بدأ التفكير في أن هناك خطأ من المؤلف أصلًا. لكنه عاد للتفكير حيث استطاع  القرآن بطريقة مدهشة أن يقلب إصبع الاتهام لقارئه؛ إذ فكر جيفري أنه قد يكون المخطئ وأنه هو صاحب التفكير التقليدي وليس القرآن؛ إذ أن مافعلاه (آدم وزوجته) كان مجرد الأكل من شجرة، هذا كل ما في الأمر، ولم تحصل جريمة شنيعة بمفهومنا عن الجرائم والأخطاء الكبيرة. ثم وجد أن هذه الكلمة مناسبة جدًا خصوصًا وأنها جاءت في سياق هادئ. وقبل أن تنتهي حكايته مع العشرة آيات، لاحظ جيفري أن هذه الزلة أدت إلى خروجهما من “الحالة” التي كانا فيها، والتي كانت حالة الامتثال التام لإرادة الله إلى حالة الاختيار وتقرير المصير بتحديد الخطأ من الصواب. ثم يمضي في تساؤلاته ويمضي في شرح إجابات القرآن له.

هذه النقطة تذكرني بفهم المفكر مالك بن نبي في الظاهرة القرآنية لمقولة : “لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها”، فمالك يرى أن أولها تكوَن وصلح عبر إدراكه “لبيان” القرآن وهذا ما يجب أن يحصل في القرن الواحد والعشرين أيضًا.

  • جيفري بدلًا من الاستسلام للإسلام الشرق أوسطي، قرر الاستسلام لله عبر القرآن

وهذه نقطة مهمة فيما يميزه؛ إذ أن عدم اكتفائه بالموروث الديني لشعوب الشرق الأوسط أدى إلى تساؤلاته الكثيرة حول بعض القضايا مما أدى بدوره لتأليف ثلاثة كتب تدور حول هذا الشأن وهي إضافة حقيقية للفكر الإسلامي، رغم ما يراه لانغ من أنها مجرد تساؤلات ومجهودات شخصية. لكن حجم هذه المجهودات والوقت والطاقة التي يصرفها عليها والأهم مدى صحتها وتطابقها مع كثير من الآيات بل ومع مفاهيم جوهرية في العقيدة الإسلامية يحدو بنا لاعتمادها وإكمال البناء عليها وتطبيقها.

لئن كنت ترفض بعناد أو تتحاشى مواجهة الحقيقة فإن هذا أمر مقبول، ولكن أن تكون عاجزًا عن رؤية الحقيقة لضيق أفقك فكريًا وثقافيًا فذاك أمر آخر، وخاصة إن كانت هناك محاولة جوهرية للقيام بذلك.

جدير بالذكر أن لانغ اصطدم بسلوكيات مسلمين كانت قد تسبب له انتكاسة خطيرة مثلما يحدث كثيرًا لمسلمي أمريكا حسب ما ذكره في ضياع ديني. هذه الصدمات بدأت منذ شاهد حفاوة العرب بإسلامه، هذه الحفاوة التي فاقت فرحهم بإعلان إسلام أمريكي أسود سبق جيفري في الحديث عن إسلامه! وكثير من الأمور التي يذكرها مثل العصبية، معاملة المرأة، تحويل الإسلام لديانة عربية (كأن يُطلب منه أن يغير اسمه وملابسه لتصبح عربية) لكنه وهو الذي كاد أن يأخذ إنذارًا بالرسوب بسبب عدم اقتناعه بخرافات أستاذ الدين بالثانوية، ليس من السهل أن تمر هذه الأمور عليه دون تمحيص وفرز ليتأكد من نسبتها وجدواها. لكن المشكلة أنها تمر وتتسبب في انتكاسات خطيرة لغيره وبسبب رئيسي منا!

Advertisements

8 Comments

  1. بذات الطريقة أيضاً تعرفت على جيفري لانغ من حديث د.محمد عنه وأظن أن كتبه الآن متوفرة بشكل أفضل مما سبق لأني أذكر أني لمحت قبل أشهر على عجل كتابه ضياع ديني وحين نويت شرائه لم أجده للأسف .
    قرأت الكتاب قبل شهر تقريباً لكن قراءتي كانت متقطعة جداً مما جعلني مشتتة حقاً فنويت إعادة قراءته قريباً ان شاء الله ، أذكر أنني وضعت اشارات على نقاط أخالفه فيها في فصل الرسول عليه الصلاة والسلام وفصل الأمة وكنت أنوي مناقشة الكتاب مع أي شخص قرأه وسعدت جداً حين رأيتكِ تقرأينه ، ألم تجدي نقاط تخالفينه فيها ؟
    كذلك شعرت أنه يتحتم علي قراءة كتبه كلها لأكون فكرة مترابطة عنه
    أسلوبكِ يزداد ترابطاً وتشويقاً يا هيفاء 🙂 ماشاء الله .

    رد

    1. أهلًا رحاب
      العوضي موسوعتي فيما يخص الأسماء الجديدة، تخيلي أني أحب المسيري جدًا رغم أني لم أقرأ له حرفًا واحدًا؟ فقط من كلام العوضي، حتى أن صديقتي تقول بأن تأثري بالمسيري واضح جدًا!!
      فيما يخص الصراع من أجل الإيمان، قرأته بمنهجيته وبهذا ااستطعت فهمه. اختلفت معه في ننقطة واحدة وهي تخص فصل أهل الكتاب.
      قرأت قبله ضياع ديني، واعترضت على كثير مما فيه، لكن ما قرأته بالصراع وضح لي وجهة نظره فأيدت كثيرًا منها.
      أفكر في إعادة قراءة ضياع ديني، خصوصًا أني قرأته منذ زمن طويل.
      أسعد بالنقاش معك، اختاري وسيلة لها وسأحضر نفسي.

      شكرًا للطفك

      رد

  2. :$ أعيش ذات حالتكِ ، أحببت المسيري جداً من حديث العوضي عنه فأمسيت ألاحق مقابلاته وإلى اليوم لم اقرأ له حرفاً واحداً لكنني أستحضر فكره وكل ماكان يقوله وكم أتوق لأقرأ له رحمه الله
    اذاً يبدو أنني بحاجة لأن اقرأ كل كتبه لأفهمه أكثر ، سأخبركِ حين أقرأ كتابه مرةً أخرى
    وشكراً لأنكِ تثرينني دوماً بحديثكِ ()

    رد

  3. السلام عليكم
    يبدو أني ساكون مضطرا لمتابعة وقراءة كل ما في هذه المدونة!
    الاسلوب المتبع في الكتابة والصياغة والتنسيق؛ هو احب الأساليب الي.
    بخصوص – جيفري- صراحة لم اسمع به، لكن اعجبت بما قدمه في كتاباته، طبعا من خلال ذكرك مضمونها لنا، والا فلست بمجيد للانجليزية – للأسف- وكذلك اعجبني ان وجدت في المقال اسم علم من اعلام بلادنا: مالك بن نبي، رحم الله الجميع.

    رد

    1. وعليكم السلام
      جيفري من مفكري الغرب المميزين، بالنسبة لي هو الأفضل حتى الآن. كتبه متوفرة بالعربية.
      مالك بن نبي علامة فارقة في تاريخنا وللأسف لم أقرأ له سوى كتابين.
      شكرًا لك يا أخي

      رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s