منعطفات في حياتي

تكمن قوة المعرفة في أنها تحميك من الوقوع في إحراج أمام نفسك كلما بادرت بالحديث. بالنسبة لي، الكتابة -غير الأدبية- أي في مدونتي وأوراقي الخاصة هي نوع من ترتيب الذات وإنعاش الروح. إذ أنه وبعد كم من القراءة والغوص المعرفي –مهما بلغت بساطته-، بعد الجدالات مع الآخرين، ونشرة أخبار التاسعة، بعد المذاكرة وبعثرة الأفكار على الأوراق والأجهزة، بعد انتعاش الحاسة النقدية وإزعاج الآخرين، بعد مواقف الحياة في الحافلة والشارع والمدرسة. أجد أني أحمل كومة أفكار وآراء، اعتراضات شاطحة وتأييدات مزعجة. كيف لي أن أعرف فيم إن كانت تستحق الإيمان أم لا؟ وفيم إن كنت مخطئة عندما اخترتها لي؟ بهذا أجد ألا شيء يعيد ترتيب النفس وتعرية الأفكار وتجريد المواقف مثل الكتابة.

هذا الصيف، خططت لكتابة العديد من التدوينات، لكني كنت أواجه أزمة متى ما بدأت الكتابة: أملك فكرة موحدة للموضوع الواحد وأستطيع اختيار اللغة المناسبة لكل موضوع (قد يسيء القارئ فهمها!) أستمتع بترتيب الأفكار وسلسلتها المنطقية وإيجاد العلاقات فيما بينها. لكن كل هذه المهارات تبدو أدبية جدًا ولا تجدي وحدها في كتابة تدوينة لإحدى مسوداتي العشرين! فأي خيبة تضعنا الحياة بإزائها ونحن نهم بالكتابة لنكتشف أننا مفتقرون للمعلومة! لا أقصد المعلومات التي نصل إليها عند البحث عبر محركات البحث أو ويكيبيديا، بل تلك التي تتطلب كتابًا وسيرة ذاتية وملف اقتباسات وملاحظات، وربما يصل الأمر لفيلم وثائقي. قد لا يحتاج القارئ لكل ما سبق، بقدر حاجة الكاتب للثقة أثناء الكتابة باستناده لرصيد جيد من المعلومات وأنه يعرف ما يقول بالضبط. ما تفعله المعرفة ببساطة، هو أنها تنتشلك من الوضع المزعج: إحراج نفسك أمام نفسك كلما هممت بالحديث!

لهذا السبب قررت أن تدوينتي ستكون عن المعرفة نفسها وحول بعض المواقف التي شكلت انعطافات في مسيرتي القرائية، على الأقل فتوفر المعلومات يجعلني أكثر استعدادًا للتدوين حوله. بدأت الحكاية من قبل المدرسة، حين كنت أرى أن القراءة والكتابة معجزتان تمنحان للكبار فقط. ومن باب رفض هذه الفكرة كونت الكثير من الرموز والتي تحمل دلالات محددة عندي وكتبت بها بعض القصص التي ما إن أعرضها على أمي حتى تمتدح ما فعلت. لكن المحرج في الأمر أنها كلما قرأت واحدة منها، خرجت بنص مختلف عن الذي كتبته؛ ومن ثم أصاب بالإحباط! في الحقيقة كان هذا الدرس الأول الذي علي حفظه.

بعدها، قررت والدتي أن تعلمني الأبجدية وبفضلها صرت أتقن القراءة والكتابة قبل المدرسة. حينها، كنت أستمتع بقراءة لوحات السيارات والتي بقدر ما كانت صادمة لي إلا أنها هيأتني بشكل جيد لتقبل الدرس الثاني. وكانت المتعة تبلغ ذروتها حين تظهر سيارة ما تحمل حروفًا مكونة لكلمة حقيقية! فحينها لا أكتفي بالقراءة وإنما أجمع هذه الحروف مع مواصفات سياراتها ومن ثم أدون كل هذه الملاحظات؛ فسيارات تحمل معان قابلة للقراءة هي بلا شك تستحق وقفة.

في الابتدائية، سألتنا المعلمة أثناء حصة جغرافيا كئيبة سؤالًا من خارج المنهج: ما اسم مجموعة الجزر القريبة من بعض؟ أجبت: أرخبيل! وما إن خرجت حتى سئلت عن مصدر المعلومة، ضحكت واعترفت: لعبة! كانت لدينا لعبة تشبه ورق الاونو. مع فارق وجود أسئلة عليها، فمثلًا لو وضع أحدهم ورقة حمراء برقم سبعة عليها الأسئلة. وجئت لأضع ورقة الأجوبة الحمراء برقم سبعة، فإنه يحق لي سؤاله وزيادة بطاقاته بقدر أخطائه. وهكذا حفظت العديد من المعلومات في الدين، التاريخ، العلوم، الجغرافيا، والسياسة. وحفظت معها درسي الثالث.

بعدها قررت خوض تجربة القراءة ولا أذكر سببًا لهذا القرار غير أني قررت أن أقرأ وقرأت. وقتها كانت موسوعة سين جيم لشريف العلمي بمثابة بوابتي الخفية للعالم: معلومات كثيرة من كل مكان، أدب وقصص قصيرة من التاريخ، أشخاص، أبطال، أساطير، مدن، أسماء، مقولات ورسومات جميلة. أذكر من تلك الفترة أيضًا: تزكية النفوس، أكثر كتاب روحاني أثر بي. ولا زلت أحب كتاب قصص الأنبياء وحكايا سيدنا عيسى الغريبة جدًا والملهمة جدًا.

في الصف السادس، احتلوا العراق، واختلت صور العالم عندي! ورغم أني عاصرت الانتفاضة وشراستها وعرفت معنى الحرب -عبر التلفاز على الأقل-. إلا أني كنت أتخيل دومًا أن العراق شيء أسطوري، شيء لا يمكن المساس به وبرمزيته الكامنة في معرفته غير العادية. أما أن تضرب رمزية المعرفة وتظل تتبجح بأنك تعرف، فهذه هي الخيبة وهذا هو اختلال الصور!

مع تقدم العمر، بدأت الحياة مهمة تذكيري بالدروس السابقة؛ إذ تترآى لي تلك الدروس عبر القراءة وبعض المواقف، تحمل المنهج نفسه مع اختلاف في بيئة التعليم والأستاذ. أول هذه المواقف، موقف قديم حصل مع أختي الصغيرة تمثل في أني كتبت:

“وليتها إذ فدت عمرًا بخارجةٍ…فدت عليًا بمن شاءت من البشر”

لكنها قرأت: عُمٓرًا بدلًا عن عمرو. وعندما صححت لها الخطأ قلت: “لو نطقتها عُمٓرًا لانكسر البيت، ولهذا فالصحيح أن نقول عمْرًا” ثم استدركت: “المقصود بالبيت هو عمرو بن العاص وليس عمر بن الخطاب رضي الله عنهما” بعد أجزاء من الثانية تنبهت لفداحة ما ارتكبت؛ إذ قدمت قواعد اللغة على حقائق التاريخ وصارت الأولى الأساس الذي سقت الثانية لمجرد إثباته. هذا الموقف رغم بساطته إلا أنه شكل أحد المنعطفات المهمة في قراءتي. أما ما جعلني أقع في هذا الخطأ فهو معيار خاطئ اعتمدت عليه وقتها؛ إذ كانت جودة النص تقاس بمقدار شاعرية لغته، والشاعرية تعتمد على ذائقتي المزاجية. مما أوقعني في فخ اللغة لاصطياد رأيي حول المقروء. وكان من السهل على الكاتب -أي كاتب- أن يقنعني بجدوى ما كتب لمجرد شاعرية لغته والتي اكتشفت فيما بعد أن كل الأعراب قادرون على الإتيان بها باعتبارها موهبة فطرية. وهكذا تعلمت أن أواجه أفدح أخطائي: تجاهل فكرة النص الناشئة من تكامل أفكار أجزائه في سبيل شاعريته الموهومة. من هذا الموقف تذكرت درس لوحات السيارات غير المفهومة، فهناك نصوص لا تفعل أكثر من رصف الكلمات، لكن هذا لا يمنحها صفة الأدبية، تمامًا كحروف اللوحات غير المنتظمة والتي لا تمنحها صفة الحروف، صفة المعنى.

لاحقًا جربت وللمرة الأولى أن أقرأ حول اللغة والأدب ولأكثر المؤلفين صعوبة بالنسبة لي في ذاك الوقت: الدكتور عبدالله الغذامي. المدهش أن القراءة له كانت بمثابة عزاء لصدمتي الأولى في الكتابة؛ الغذامي يؤمن بتعدد قراءات النص الواحد، أي أن من الطبيعي جدًا أن تحظى قصصي ذات الرموز غير المفهمومة بقراءة مختلفة في كل مرة! هذا الدرس لم يفدني على مستوى القراءة والكتابة فقط، بل كان درسًا في أخلاقيات التعامل وأساسًا في التفكير والتحليل. أستطيع القول بأن القراءة للغذامي حول النقد شكلت مفصلًا مهمًا في حياتي. فكما يرى ابن خلدون في قانونه للقراءة الثلاثية، بأن القارئ والمتعلم لا بد أن يمرا بثلاث مراحل هي على الترتيب: مرحلة سطيحة، مرحلة اكتشافيه لمحاولة فهم ما بين السطور، وأخيرًا مرحلة فهم كل شيء بألا يُترك مغلقًا إلا ويتم فتحه. فإني انتقلت للمرحلة الثانية بعد أن تناولت كتابًا لمؤلف لم يخطر ببالي أني سأفهمه يومًا.

هذا ما كان من الدرسين الأوليين، أما عن درس ورق اللعب، فيستحق تدوينة منفصلة. ماذا عن منعطفاتكم؟

Advertisements

9 Comments

  1. مقال جميل وفلسفي ممزوج بحكمة الفلاسفة وهدوء الرومانتيكية وعن نفسي وبدون مبالغة فالقرءة او المطالعة بدأتها مبكرا جدا إذ اتذكر ان الهدية التي طلبتها من احد اخوتي وانا ف الصف الثاني ابتدائي بمناسبة عطلة نصف العام كانت قصة ولازلت اتذكر تلك القصة وغلاف الكتاب -ليت الشباب يعود يوما- ولقد لاحظت انني كلما قرات اكثر كلما تبصرت بعيوب نفسي واخطائي وارى كثيرا من النرجسيين مصابين بهذا الداء بسبب كثرة الكلام وانعدام القراءة وكذلك ادرك مدى خور الهمة وانعدام العزيمة عندي عندما اطالع ما خطته انامل الاخرين واتخيل كم قرأ وطالع وسود وحرر مثل هذا ودائما ما يقفز الى ذهني الكاتب وول ديورانت ف كتاب قصة الحضارة واتخيل كم قضى هذا من الوقت ليقرأ فضلا عن ان يكتب ويؤلف ولكن لله در المتني
    على قدر اهل العزم تأتي العزائم

    رد

  2. بدون منعطفات هههه لكن لامست الجرح في الحديث عن المعلومات والثقة امام النفس
    صحيح لدي مشكلة كبيرة في كتابة التدوينة فضلا عن أنني لا أجد مصادر أعود إليها وإذا عرفت المصدر لا أجده متاح لللقراءة في مكان محدد إلا إذا أشتريته و السؤال الكبير من أين ؟؟؟؟؟ اذا لم يكن متوفرا هنا
    و تداخل المنقول والمفتري في الإنترنت لايترك لك مساحة لإختيار المعلومة التي تثقين بصدقها ., فضلا عن محدودية المصادر العربية على النت اذ يجب أن أقوم بعملية ترجمة ” طويلة عريضة”
    لدي الكثير من المسودات فوق 130 لحكي وكلام اتمنى ان يكون مفيد بعيد عن الكتابة الأدبية كما ذكرتي لكنها حبيسة لوحة التحكم حتى اتعلم كيف أجد معلومتي بطريقة موثوقة

    أضيفي نقطة مهمه ” جربتها انا ” حتى لو لجأنا لمن يملك هذه المعلومة فإنه غالبا يبخل عليك لو لم تكن لأغراض صحفية بحكم عملي لا احد يرد لمجرد الإستفسار إلا أذا قدمت أسم الجريدة وقلت انه موضوع سينشر

    رد

    1. أهلًا مشاعل
      هذه النقطة على كثرة مساوئها المتمثلة أساسًا في التسويف وربما (نسيان الكتابة)، إلا أنها نقطة مفيدة جدًا، ليس لما تمنحه من ثقة وإنما حتى لترتيب الأفكار والتأكد من منطقيتها وتجريدها من العاطفة للخروج بحكم بعيد عن التحيز، قريب من الحق.
      بإذن الله نكون بنكنا المعلوماتي الخاص لنكتب بعده ولا نلتفت كثيرًا.

      رد

  3. لا أدري لم ذكرتني هذه التدوينة بتدوينة أخرى ( لعنة الكتاب ) ذلك الأسلوب المشوق يعيد نفسه هنا , وإن كانت اللغة قد تشعبت أكثر .. هي نفس الكاتبة ونفس الأم – حفظها الله – نعم لكي تقنع الآخرين بما تكتب فعليك أن تقتنع أنت أولاً به , فالأسلوب الأدبي وحده لايكفي .. وكثير من القضايا أمسك قلمي عن الخوض بها عندما أشعر أنني لن أقدم جديداً أو أني لم استوعب خلفيات الموضوع فهناك يد تحرك القضية في الخفاء وعلي أن أعري الحقيقة .. أن اكتشفها كاملة قبل أن أكتب أي شيء …
    هيفاء لك ودي واشتياقي

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s