زواج الاقارب

 

في مجتمع قبلي كمجتمعنا السعودي (أو العربي بشكل عام) ، تترتفع معدلات التزاوج بين الأقارب لأعلى مستوياتها مقارنة ببقية دول العالم (57.7% في السعودية)*؛ بالتالي ترتفع أيضًا نسبة انتشار الأمراض الوراثية و نسبة ظهور أمراض نادرة جدًا و خطيرة جدًا، و المشكلة تتزايد و لا يزال المجتمع مستمر في تقديم أجياله الجديدة قرابين للأعراف و التقاليد القبلية، ضاربًا بمستقبل الأجيال و بمصيرها الصحي عرض الحائط، و لسان حال كل وليد مبتلى بمرض وراثي يشدو “هذا ما جناه عليّ أبي”

لا ذنب للطفل الذي يولد مصابًا بمرض وراثي سوى أنه ابن لأبوين تربطهما صلة قرابة في أغلب الأحيان، و لا ذنب لوالده الذي أجرم بحق ابنه سوى أنه لم يدرك مدى خطورة الزواج من الأقارب إلا بعد فوات الآوان، و اللوم كلّه يقع على العارفين و أهل الإختصاص في نقص توعيتهم المجتمع بهذه الخطورة التي ينتجها زواج الأقارب نقصًا يصل حد الإنعدام، و كل اللوم _هنا في السعودية_ على دائرة الطب الوقائي/ وزارة الصحة؛ التي لازالت تواجه المشكلة بمزيد من الصمت و مزيد من التجاهل، و لا ندري إن كانت تنتظر أن يتحول المجتمع إلى جماعة من المرضى العاجزين المتخلفين بعد أجيال من تزاوج الأقارب حتى تبذل مزيدًا من الجهد في توعية المجتمع بمخاطر مثل هذا النوع من الزيجات؟!

الخدعة الضخمة : فحص ما قبل الزواج 

مع كل الأسف، هناك مفهوم خاطئ منتشر في مجتمعنا حول ما يسمى بفحص ما قبل الزواج ، و اللوم يرجع مرة أخرى إلى وزارة الصحة التي تقدّم خدمة فحص ما قبل الزواج و تنسى أن تُكمل جميلها بتوضيح فائدة هذا الفحص المحدودة للشاب و الفتاة المقبلين على الزواج؛ خصوصًا إن كانوا أقرباء.

بدأت قصة الفحص الطبي قبل الزواج منذ أن لوحظ تفشي نسبة الإصابة بأمراض الدم الوراثية في السعودية؛ الثلاسيميا و الأنيميا المنجلية تحديدًا(7 مرضى من كل 1000 مواطن، تزيد النسبة في المنطقة الشرقية و منطقة جنوب المملكة حيث ترتفع معدلات زواج الأقارب)، و لأن ولادة طفل مصاب بمرض وراثي كهذا تعني مزيد من عبء التكلفة العلاجية التي تصرفها الدولة على المواطن، وجدت وزارة الصحة أن أفضل طريقة للحد من إنتشار هذين المرضين هي فرض الفحص الطبي للكشف عن إحتمالية توريث هذين المرضين إلى الأبناء، فنشأت فكرة مغلوطة في أذهان الكثير من أبناء المجتمع بخصوص هذا الفحص، حيث يظن الكثير أن نتائج الفحص الإيجابية تعني بالضرورة سلامة الأبناء من “جميع” الأمراض الوراثية، فيما هنالك أمراض أخرى كثيرة لا يتم فحص إمكانية توريثها، إضافة إلى استحالة الكشف عن جميع الأمراض الوراثية بحسب الإمكانات العلمية الموجودة في الزمن الحالي، و كم هو صادم و شنيع أن يفاجئ الوالد بإبن مصاب بمرض وراثي مزمن رغم سلامة الفحص الذي أجراه قبل الزواج، ليكتشف بعد فوات الآوان أن الفحص لم يكن ليشمل سوى مرضين اثنين من بين مئات الأمراض الوراثية النادرة أو المنتشرة، و يظل الحلّ الوحيد هو الحذر من زواج الأقارب و الإبتعاد عنه كمحاولة للحدّ من انتشار الأمراض الوراثية التي تفشّت بشكل مجنون لدينا و هي في إزدياد مع الأسف.

و أعود لأقول بأن مشكلة الفحص الطبي تكمن في أنه يوحي للمقبلين على الزواج بأنهم غير معرضين البتة لإنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية، و من المهم أن يعي المجتمع بأن الفحص الطبي لا يفي بالغرض و إنما هناك خيارين لتفادي نقل الأمراض الوراثية إلى الأجيال الجديدة، و هي إما بالإبتعاد عن زواج الأقارب أو استشارة طبيب وراثي خبير ليقوم بفحص التاريخ الوراثي للعائلتين (عائلة الشاب و عائلة الفتاة)، و تحديد إحتمال إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي.

صحيح أن قضاء الله تعالى و قدره نافذ فوق كل إرادة بشرية، لكن يظل الأخذ بالأسباب مطلب إسلامي واضح في قاعدة (إعقلها و توكل)، فمن غير المنطقي أن يتم التزاوج من أسرة واحدة و لأجيال دون ظهور مرض وراثي في آخر الأمر، و من غير المنطقي أن يتم الارتباط بين شخصين في عائلة تكرر فيها وجود أمراض وراثية دون أن يظهر المرض مرة أخرى في أجيال قادمة.

شرح طريقة إنتقال الأمراض الوراثية

كل الصفات البشرية، تنتقل عبر الأجيال بمورثات تعرف علميًا بالـ جينات، توجد هذه الجينات داخل الجسم البشري في هيئة أزواج، حيث يتكون كل جين من خيطين (كروموسومات) ، أحد هذه الخيطين يأتي من الأم و الأخر من الأب، و بذلك تكون كل صفة من صفات كل انسان سواء كانت ظاهرية أو باطنية قد أتت نصفها من الأم و النصف الأخر من الأب، هذه الصفات الوراثية تنتقل محمولة في الجينات، و في معظم الأحيان تكون الجينات سليمة مما ينتج فرد سليم، في بعض الأحيان يحمل الأب صفة مرضية في بعض جيناته، أي أنه في هذه الحالة لن يكون مصابًا بالمرض و لن تظهر عليه أعراضه، لكنه يستطيع توريث هذا المرض إلى أبناءه في حالة كانت الأم أيضًا حاملة لنفس مورث هذه الصفة المرضية، و المشكلة تكون هنا؛ أي إن كان كل من الأب و الأم يحملان نفس الجين المرضي، فيورثانه إلى ابنهما، فيظهر المرض فيه، فيكون طفل مصاب بالمرض.

علاقة زواج الأقارب بتوارث الأمراض

غالبًا؛ تكون الجينات متشابهه في الأقرباء، و كلما زادت درجة القرابة زادت درجة تشابه الجينات، فزواج الشاب من ابنة عمه أو خاله تعطي احتمالية إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي أكثر مما لو تزوج بإبنة ابن عم أبوه، و لو تزوج بإبنة ابن عم والده ستكون الاحتمالية أكبر مما لو تزوج بأخرى تشترك معه في الجد السابع أو العاشر و هكذا؛ وتقل الإحتمالية لحدّ كبير إن تزوج بأخرى لا تربطه بها علاقة قرابة أبدًا، فكلما ابتعد الشخص عن الزواج من أقاربه يقلل بذلك احتمال انجاب طفل مصاب، لكن هذا لا يعني أن احتمال إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي ينعدم في حالة الزواج من غير الأقرباء؛ إلا أن الإحتمال يقل بشكل كبير.

من الضروري أن يعي المجتمع ما لزواج الأقارب من أخطار تتزايد مع استمرار الأجيال في التزاوج من الأقرباء، و للأسف فمشاكل الأمراض الوراثية في مجتمعنا في تزايد بدلًا من أن تتناقص بتقدّم العلم، و من لا يعرف مدى معاناة أباء و أمهات الأطفال المصابين بأحد الأمراض الوراثية، عليه أن يدخل منتدى الوراثة الطبية و يقرأ عن تجارب الأباء و الأمهات هنالك مع أبناءهم، و يسمع عن معاناة المرضى _عافاهم الله و آجرهم_ مع الأمراض الوراثية المزمنة ، أو ليدخل أحد المستشفيات و يعرّج على أحد أقسام علاج أمراض الدم أو أمراض الاستقلاب الغذائي، أو يشاهد معاناة عائلة أبو نواف في مقطع اليوتيوب المرفق أدناه، في حوار مع الدكتور عبدالناصر الهلالي (في الدقيقة 24 تحديدًا ، المقطع يحوي موسيقى).

النقطة الأخيرة التي يجب أن نلتفت إليها، أننا ما دمنا من أكثر الدول التي تتفشى فيها أمراض كهذه، وجب علينا أن نهتم بالوقاية و بالعلاج، فنتقي ازدياد تفشي الأمراض الوراثية في الأجيال القادمة بالتوعية بأهمية تجنّب زواج الأقارب ما أمكن، و بتوفير أكبر عدد من مراكز الاستشارات الوراثية لتقديم الاستشارات الوراثية لكل من يقدم على الزواج خصوصًا في حالة الارتباط بشخص من نفس العائلة / القبيلة، ثم بإعداد أقسام أكاديمية لتخريج المعنيين بمعالجة مثل هذه الأمراض و متابعتها، فعلى سبيل المثال يجب أن يتم توفير عدد كافي من خريجي التغذية العلاجية لمتابعة المرضى، حيث تعتبر التغذية العلاجية من أهم وسائل المحافظة على استتباب صحة معظم المصابين بالأمراض الوراثية و خاصة المندرجة تحت مسمى أمراض الاستقلاب الغذائي، فمن غير المنطقي أن يكون هناك أخصائي تغذية علاجي واحد مقابل 200 مريض (مثلَا).

أخيرًا، نخلص إلى أن زواج الأقارب كارثة صحية تطال عواقبها المجتمع كلّه، و تزداد درجة كارثيتها كلما زادت نسبة التزاوج بين الأقارب لأجيال متتابعه (كأن يتزوج الأب ابنة عمه ثم يتزوج الابن ابنة خاله ثم يتزوج الحفيد بنت عمه..!)، و يظل الزواج من الأقارب جريمة في حقّ أبناء المستقبل يجب أن نتصدى لتفشيها لئلا نصحو في الغد على مجتمع من المتخلفين ذهنيًا و العاجزين و ذوي الاحتياجات الخاصة.

أمثلة لبعض الأمراض الوراثية

لا يمكنني أن أحصر هنا جميع الأمراض الوراثية و أعرضها، أولًا لشحّ المصادر بين يدي، ثانيًا لضخامة عدد الأمراض المورثّة (هناك المئات من الأمراض الوراثية المنتشرة، و مئات أخرى من أمراض وراثية نادرة) ، لكن هذه بعض الأمثلة على الأمراض الوراثية التي تنتجج في الغالب عن زواج الأقارب:

الهيموفيليا: ببساطة، هو خلل وراثي في المواد التي تتحكم في عملية نزف الدم، حيث يستمر الدم في النزيف في أي حالة جرح بسيط و ظاهري، أو في حالة حدوث نزيف داخلي في العضلات أو في أي من الأعضاء الداخلية، لا يوجد علاج نهائي له

الثلاسيميا (مشمول في فحص ما قبل الزواج): فقر حادّ في الدم، يسبب آلام و متاعب صحيّة للمريض،  يمكن أن تستتب صحة المريض بنقل الدم باستمرار إليه ( شهريًا أو اسبوعيًا) ، و قد يتم علاج المريض بعملية زرع لنخاع العظم شريطة إيجاد متبرع ينطبق عليه شرط التطابق النسيجي الخلوي التام، و هو من الأمراض الوراثية المتفشيه في السعودية و خاصة في المنطقة الشرقية.

الانيميا المنجلية (مشمول في فحص ما قبل الزواج): انتاج كريات دم حمراء مشوهه، سريعة التكسر، تتكدس حين تكسرها في الشعيرات الدموية مما يسبب آلالام مبرحة للمريض في عظام الأطراف و الظهر، له مضاعفات سيئة تطال صحة الأعضاء الأخرى كالقلب و الكلى و الدماغ، هناك علاجات مؤقتة للمرض، و العلاج التام يكون بزراعة نخاع العظم ، منتشر بشكل كبير جدًا في منطقة جنوب غرب المملكة ( يصاب به 30% من أبناء الجنوب).

أنيميا الفول  : انعدم افراز انزيم يلعب دور أساسي في عملية الأيض، يؤدي هذا المرض لمضاعفات خطيرة في حالة التعرض لبعض المؤكسدات (أنواع من البقوليات و بعض الأدوية)

التخلف العقلي: و هو في كثير من الأحيان ناتج عن أحد الأمراض الإستقلابية الوراثية، كـ (الفينايل الينين PKU  ، الجلاكتوزيميا، متلازمة سميث – لملي – أوبتز)، و المؤسف أن معظم حالات التخلف الذهني في الدول العربية ناتج وراثي عن زواج الأقارب! و لا من يتعظ

مرض كافان:  أبرز أعراضه التخلف العقلي و فقدان المهارات الحركية، لا يوجد علاج له.

مرض ساندهوف: يسبب تراجع في وظائف الجهاز العصبي المركزي، أمراض في الجهاز التنفسي، و ينتهي بموت الطفل المصاب في أغلب الاحيان

أمراض الجلد الفقاعي الوراثي:  أمراض وراثية تتركز معظم أعراضها على ظهور فقاقيع على الجلد تتحول إلى قروح، قد تصل المخاطر لإصابة الجهاز الهضمي أو البولي أو العضلي، تؤدي للوفاة في بعض الحالات !

داء هانتغتون: مرض عقلي، يسبب فقدان الذاكرة و تشنج الأطراف، ينتهي بوفاة المريض

مرض السكر

سرطان الثدي

العمى الوراثي

و يمكن الرجوع إلى رابط ويكيبديا (تصنيف: أمراض وراثية، هنـــــا ) لقراءة المزيد عن نماذج أمراض وراثية أخرى

و العاقل من اتعظ بغيره، و استوعب نصائح العلم و تفهمّ مدى خطورة المجازفة بمستقبل حياة إنسان يولد و يموت مريض مبتلى _عافانا الله و إياكم_ ، و الخطوة الأهم هي محاولة نشر الوعي المجتمعي بخطورة تزاوج الأقارب و وجوب الحدّ و منع التزاوج خصوصًا في العائلات التي تحمل تاريخ وراثي مرضي واضح.

______

* دائرة الاحصاء العامة الاماراتية

Advertisements

4 Comments

  1. موضوع جميل ذو أبعاد مختلفة
    بين القبيلة والعرف وتصادمهما مع العلم والواقع

    يبقى وعي الشباب من الجيل الحديث هو الامل في كسر العرف القبلي بالزواج من الآقارب

    قلم مبدع وفكر وضاء

    رد

  2. موضع مهم جداً …

    و المفترض ان يُتطرق له من قبل باحثين و استشاريين ..
    و أن تُنشر مطويات و أن تُنتج افلام قصيرة لتوعية المجتمع ..
    و تُقاد حملات عن طريق شبكات التواصل الإجتماعي و رسائل الجوال و غير ذلك ..

    لكن ,, بالـــــــــــ حكمة و الموعظة الحسنة ..

    للأسف فهذه العادات و التقاليد أغلال يرتديها المجتمع تُثقل كاهلهُ ..

    رد

  3. اعتقد من الصعب جداً الحذر من زواج الاقارب والبعد عنه
    ليس لسبب “البنت لولد عمها” او “لازم ما اخذ الا من قبيلتي” فهذا أعتبره عن نفسي تخلف وجهل

    لكن لسبب ان الاقارب اعرف الناس بأطباع بعضهم

    فإذا اردت الزواج ان شاء الله، اريد ان اعيش مع زوجة طباعها مثل او تشبه بشكل كبير طباعي وعاداتها مثل عاداتي وتفكيرها مشابه لتفكيري

    فلا اود الزواج من إمرأة أتعبها وأتعب معها

    وخاصة في الوقت الحالي اختلفت الاطباع بشكل كبيييير جدا وملحوظ
    ولا تخفى عليك هذه النقطة أختي

    جزاك الله الجنه على ماطرحتي في تدوينتك هذه
    وفقك الله لما يحب ويرضى

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s