اجتماعيات

علة الطفولة العربية

من يحاول عزل أطفاله عن هذا الانفتاح العالمي لا يفعل أكثر من حجب الشمس بغربال ورغم استهلاكية هذا التشبيه إلا أني أجدني مدفوعةً إليه لما يحمله كل من الغلاف الجوي، الأرض والشمس من مضامين. فحينما تجد من يدافع باستماتة عن ضرورة انفتاح الأطفال على الثقافات الأخرى، ثق تمامًا بوجود التطرف على الجهة الأخرى: من يعزل أطفاله تمامًا عن عوالم الآخرين وبينهما تضيع حقائق كان الأجدر بها أن تحظى بقبول جماهيري ولو حتى بأن تطرح للمناقشة. بين طرفي النقيض نجد أن سبب النزاع هو تغير الأدوات التي تساهم في بناء الطفل. وبالبنسبة لي، لا أجد فرقًا بين جلوس الطفل اليوم أمام شاشة التلفاز وبين جلوسه أمس أمام مسرح الدمى؛ فمالفرق بينهما سوى فرق طبيعي يحدثه عبور الزمان وتقدمه المستمر وهذا العمق التقني الذي يضرب في صميمه. هذا الزمان الذي ينسب إليه الطرفان فوارق مصطنعة بين الجلوسين؛ إذ يظن أحدهما أن تقدم الزمن وما يجلبه من مستجدات هو سبب تآكل العلاقات بين الأطفال وبين العالم وهو ذاته سبب ميلهم للكسل وقلة نشاطهم وهو وحده من حرمهم لذة المعرفة وبراءة السؤال! في حين يرى الآخر أنه وحده منقذ الأطفال من رجعية الأمة التي عانت منها لقرون. لكننا وبقليل من الإنصاف سنجد أنه ليس سبب التأخر الذي يعاني منه الطفل العربي فهذه المستجدات لا تسبب الضرر من تلقاء نفسها؛ أي أن علة الطفولة العربية لا تتعلق بالتلفاز وألعاب الفيديو بقدر ما تتعلق بصناعة هذه الأدوات وبالبيئة التي تتواجد هي و الطفل فيها: الأسرة، المجتمع، المدرسة. وبالتالي لا مجال للامتعاض من تعامل الأطفال مع مستجدات العصر وإنما يكون الامتعاض وتتوجه الأنظار بالنقد والتحليل لهذا السياق الذي توضع فيه أطروحات هذه المستجدات والتي تتعلق كما ذكرت بصناعة الأدوات وببيئة تفعيلها. بهذه المقدمة أريد أن أصل بالقارئ لضرورة استغلال الانفتاح من جهة وضرورة تجنب أخطاره من جهة أخرى ولن يتسنى لنا هذا الاستغلال مالم نتجه بأنظارنا نحو فهم العلة الحقيقية وفهم العثرات التي نكررها ونظن مع كل تكرار أننا على مشارف الحل.

لنقف على عثراتنا في إصلاح ما أفسدناه، نحن بحاجة لنعرف أولًا وبتفصيل نوع الفساد الذي يحدث وأن نفهم المنطلقات الفكرية لإصلاحه وإلا فستفشل كل محاولاتنا في النهضة بالطفولة وربما تضر أكثر مما تنفع كما سأناقش هنا. مبدئيًا يلحظ المتأمل في وضع الطفل العربي افتقاره لأمر جوهري، إنه يفتقر للهوية وكأن شيئًا ما سحبها منه وبطبيعة الحال، فإن هذا السحب تم أولًا عبر التغلغل لوعي الطفل ومن ثم تحديد مساره مما سهل المهمة وأغراها بالمضي قدمًا نحو الخطوة الأخيرة: استبدال الهوية وهذه بالضبط سبب صعوبة التواصل أو انعدامه بين جيل المربين سواء في الأسر أو المؤسسات التربوية وبين هؤلاء الأطفال حتى بات كل صنف لغته الخاصة مما يستحيل معها حصول التفاهم، ناهيك عن الإصلاح. وأنا إذ أتحدث هنا عن الهوية فلا أقصد بها سوى الثقافة من منظور مالك بن نبي. فالثقافة حسب نظريته النهضوية هي: “أسلوب حياة، الأسلوب المشترك لمجتمع بأكمله من علمائه إلى فلاحيه” وأفهمها أنا على أنها اسم آخر للهوية. وبما أنني بدأت الحديث عن عالم مفتوح ساهم كل من الإنترنت والتلفاز في إلغاء حدوده، فليس من المنطقي أن أتحدث عن ثقافة سعودية وأخرى مصرية وثالثة مغربية وما في هذه الدول من خلفيات سياسية واقتصادية تحدد المستوى التعليمي والتربية الأسرية وحتى الديانة وإنما سأتطرق فقط للثقافة العربية المشتركة، أي الإطار العام لهذه الثقافة وما يحتله كل من التاريخ واللغة في تشكيل هذا الإطار. هذا الإطار الذي أرى أن افتقاده هو جوهر علة الطفولة العربية. ولتكوينه علينا العناية بأربعة عناصر كما يراها مالك في نظريته:

  • العنصر الأول: التوجيه الأخلاقي ويعني به تفعيل الأخلاق في الواقع مما يساهم في إنشاء “عالم علاقات” مبني على أساس صلب وبالتالي مؤهل للمهمة التاريخية.
  • العنصر الثاني: الذوق الجمالي باعتباره المحرك الأول لتكوين الأفكار التي تُبنى عليها الأعمال فكلما حسنت الصور تحسّن التصور ومعه العمل.
  • العنصر الثالث: المنطق العملي والذي يعده بن نبي أهم ما نفتقر إليه في زحمة التنظير الأجوف الذي نعانيه.
  • العنصر الرابع: التوجيه الفني “الصناعة” وهي التي تشكل ما سبق وتجعل منه ثقافة ملموسة ومُعاشة باعتبار أن ما سبق يعد مفاهيم معنوية أكثر من كونه مظاهر مادية ووسائل صناعة. هذا العنصر يشتمل على جميع أنواع الفن، المهن والعلوم.

 

Continue reading “علة الطفولة العربية”

Advertisements
أدب

القراءة بين اليد واللسان

نحن لا نستطيع أن نتخذ عدد الكتب التي تخرجها المطبعة في عام دليلاً على الصحة العقلية في بلد معين، أو أن نعد الورم أمارة على الصحة البدنية، فهناك أورام عقلية وأجسام اجتماعية مريضة مثقلة بالأفكار.

من السهولة أن نتفق مع ما أوردت للمفكر النهضوي مالك بن نبي بسرعة، لكن من الصعب على البعض التفاق مع الناقد عبدالله الغذامي حول آرائه في القراءة والتي ضمنها كتابه “اليد واللسان“. الغذامي منزعج من الفكرة التي ترجع سبب تخلفنا للأمية إذ يقول في معرض حديثه عن القراءة بالنسبة لكل من: امرئ القيس، المعري وطه حسين في مقالة له بعنوان “القراءة مفاهيم أولية”: “إن القراءة هنا ليست سوى وسيلة إرسال واستقبال، وأي وسيلة في الدنيا لا تكون غاية في ذاتها، وسيحل غيرها محلها لأداء المهمة. وهذا ما جعل المعري وطه حسين ومن قبلهما امروء القيس يملكون ثقافة راقية مع فقدانهم لوسيلة القراءة وعدم تمكنهم منها. مما يعني أن القراءة هي مجرد صيغة من صيغ التفاعل وليست سر التفاعل ولا تصنع قيمته ولا تفترض خطورته في حال غيابها.” كما لا يفوته أن يبدي انزعاجه من الفكرة الأخرى القائلة بأنا أمة لا تقرأ، معللًا ذلك بأنها هواية” أصحاب المهنة” من مؤلفين ودور نشر والذين يعززون بدورهم هذه الفكرة ويرددونها. كما أنه مؤمن بوجود قراءة وقراءة فعلية عند شريحة عريضة من الناس. ومن الجيد التذكير بأن الغذامي يوفر جميع كتبه على موقه الخاص متحررًا بهذا من الرضوخ لهواية أصحاب المهنة. كما يتساءل في مقالة أخرى (الأمية: سؤال آخر) بطريقة كاشفة: “هل لو تعلم العرب كل العربالقراءة والكتابة وخلصوا من الأمية تمامًا..هل سنغزو المريخ من الغد؟!!!” ويختم إحدى فقرات موضوعه: “في كل مرة يتقوى العلم ويشتد يأخذ بإنسانية الإنسان وبشرطه الوجودي الأهم، وفي كل مرة يكون التعلم شبه تعلم فهو الكارثة، وهو التخلف، وما كانت الأمية هي سبب التخلف كما لن تكون قراءة الأبجديات وضرب لوحة الحاسوب هي الوعد التقدمي.” السؤال الذي ينطرح هنا: هل نهضة أمتنا مرتبطة أساسًا بالقراءة بحيث سقطنا بعد أن غرقت هي الأخرى بدجلة؟ و إن كنا نقرأ كما يرى الغذامي، فلم لم ننهض حتى الآن؟ هذا السؤال يجرنا لطريقين الأول مختص بالنهضة ومشاكل الأمة والثاني يتعلق بتفكيك المقروء وهو ما فعله الغذامي وما سأتحدث عنه.

في مقالة بعنوان “رأسمالية الثقافة” تطرق لظاهرة الأكثر مبيعًا وكيف أنها تعتمد على اقتناص اللحظات الأكثر مساسًا بالنفس البشرية حتى يكون الكتاب مجرد علاج ومواساة “لحظية” ينمو انتشاره ليكتب على غلافه “من أكثر الكتب مبيعًا” وما يصاحب ذلك من حيل دور النشر كتقليل نسخ الطبعة الواحدة وبالتالي إصدار طبعات أخرى لرفع سمعة الكتاب فقط. وتناول في هذا المجال كتاب عربي هو “لا تحزن” وكتابين غربيين هما “تصرفي كامرأة فكري كرجل” والآخر هو “الاستجابة الاسترخائية” مع مزيد من التحليل والنقد لهذه الظاهرة ومدلولاتها والصفات الجامعة لهذه الكتب. من هنا نخلص إلى أن النسب والإحصائيات التي تجرى _والتي نادرًا ما تجرى_ فإنها تقوم بمسح “عدد” المقروء ولا تهتم بتفكيك “محتواه” وهكذا نجد أن حتى القراء منا يقرأون موادًا تالفة أو لمؤلفين يندرج وعيهم تحت ما يسمى “وعي الشارع” وأنا هنا لا أنتقص من قدرهم بقدر ما أتحدث عن افتقار مقروئيتنا لوجود التجربة سواء كانت أكاديمية أو غيرها. مما يضعنا بإزاء حقيقة قاسية تقول بأن كثرة اهتمامنا بشيء ما يؤدي لاستغراقنا فيه ويساهم في رسم صورة عن العالم وبالتالي يحدد مسارات سلوكياتنا وتفكيرنا. هكذا نصل لضرورة إعادة النظر في ثلاث: ما قبل القراءة ، أثناء القراءة، وأخيرًا ما بعدها.

Continue reading “القراءة بين اليد واللسان”