القراءة بين اليد واللسان

نحن لا نستطيع أن نتخذ عدد الكتب التي تخرجها المطبعة في عام دليلاً على الصحة العقلية في بلد معين، أو أن نعد الورم أمارة على الصحة البدنية، فهناك أورام عقلية وأجسام اجتماعية مريضة مثقلة بالأفكار.

من السهولة أن نتفق مع ما أوردت للمفكر النهضوي مالك بن نبي بسرعة، لكن من الصعب على البعض التفاق مع الناقد عبدالله الغذامي حول آرائه في القراءة والتي ضمنها كتابه “اليد واللسان“. الغذامي منزعج من الفكرة التي ترجع سبب تخلفنا للأمية إذ يقول في معرض حديثه عن القراءة بالنسبة لكل من: امرئ القيس، المعري وطه حسين في مقالة له بعنوان “القراءة مفاهيم أولية”: “إن القراءة هنا ليست سوى وسيلة إرسال واستقبال، وأي وسيلة في الدنيا لا تكون غاية في ذاتها، وسيحل غيرها محلها لأداء المهمة. وهذا ما جعل المعري وطه حسين ومن قبلهما امروء القيس يملكون ثقافة راقية مع فقدانهم لوسيلة القراءة وعدم تمكنهم منها. مما يعني أن القراءة هي مجرد صيغة من صيغ التفاعل وليست سر التفاعل ولا تصنع قيمته ولا تفترض خطورته في حال غيابها.” كما لا يفوته أن يبدي انزعاجه من الفكرة الأخرى القائلة بأنا أمة لا تقرأ، معللًا ذلك بأنها هواية” أصحاب المهنة” من مؤلفين ودور نشر والذين يعززون بدورهم هذه الفكرة ويرددونها. كما أنه مؤمن بوجود قراءة وقراءة فعلية عند شريحة عريضة من الناس. ومن الجيد التذكير بأن الغذامي يوفر جميع كتبه على موقه الخاص متحررًا بهذا من الرضوخ لهواية أصحاب المهنة. كما يتساءل في مقالة أخرى (الأمية: سؤال آخر) بطريقة كاشفة: “هل لو تعلم العرب كل العربالقراءة والكتابة وخلصوا من الأمية تمامًا..هل سنغزو المريخ من الغد؟!!!” ويختم إحدى فقرات موضوعه: “في كل مرة يتقوى العلم ويشتد يأخذ بإنسانية الإنسان وبشرطه الوجودي الأهم، وفي كل مرة يكون التعلم شبه تعلم فهو الكارثة، وهو التخلف، وما كانت الأمية هي سبب التخلف كما لن تكون قراءة الأبجديات وضرب لوحة الحاسوب هي الوعد التقدمي.” السؤال الذي ينطرح هنا: هل نهضة أمتنا مرتبطة أساسًا بالقراءة بحيث سقطنا بعد أن غرقت هي الأخرى بدجلة؟ و إن كنا نقرأ كما يرى الغذامي، فلم لم ننهض حتى الآن؟ هذا السؤال يجرنا لطريقين الأول مختص بالنهضة ومشاكل الأمة والثاني يتعلق بتفكيك المقروء وهو ما فعله الغذامي وما سأتحدث عنه.

في مقالة بعنوان “رأسمالية الثقافة” تطرق لظاهرة الأكثر مبيعًا وكيف أنها تعتمد على اقتناص اللحظات الأكثر مساسًا بالنفس البشرية حتى يكون الكتاب مجرد علاج ومواساة “لحظية” ينمو انتشاره ليكتب على غلافه “من أكثر الكتب مبيعًا” وما يصاحب ذلك من حيل دور النشر كتقليل نسخ الطبعة الواحدة وبالتالي إصدار طبعات أخرى لرفع سمعة الكتاب فقط. وتناول في هذا المجال كتاب عربي هو “لا تحزن” وكتابين غربيين هما “تصرفي كامرأة فكري كرجل” والآخر هو “الاستجابة الاسترخائية” مع مزيد من التحليل والنقد لهذه الظاهرة ومدلولاتها والصفات الجامعة لهذه الكتب. من هنا نخلص إلى أن النسب والإحصائيات التي تجرى _والتي نادرًا ما تجرى_ فإنها تقوم بمسح “عدد” المقروء ولا تهتم بتفكيك “محتواه” وهكذا نجد أن حتى القراء منا يقرأون موادًا تالفة أو لمؤلفين يندرج وعيهم تحت ما يسمى “وعي الشارع” وأنا هنا لا أنتقص من قدرهم بقدر ما أتحدث عن افتقار مقروئيتنا لوجود التجربة سواء كانت أكاديمية أو غيرها. مما يضعنا بإزاء حقيقة قاسية تقول بأن كثرة اهتمامنا بشيء ما يؤدي لاستغراقنا فيه ويساهم في رسم صورة عن العالم وبالتالي يحدد مسارات سلوكياتنا وتفكيرنا. هكذا نصل لضرورة إعادة النظر في ثلاث: ما قبل القراءة ، أثناء القراءة، وأخيرًا ما بعدها.

ما قبل القراءة:

مرحلة ما قبل القراءة، أي ما قبل الشروع المباشر فيها تتمثل في نقطتين: المقروء والغاية. ولنبدأ بالغاية إذ أنها ستساهم في تحديد المقروء بصفتها مرحلة تأسيسية. يقسم ابن خلدون مراحل القراءة إلى ثلاث والاقتباس للدكتور خالص جلبي-: “
الأولى مرور الكرام سطحية، والثانية تنقيحية تعرفية اكتشافية في محاولة لفهم ما بين السطور وتحت الكلام، وفي الثالثة أن لا يدع مغلقا إلا وفتحه، ولا عويصا إلا وفك مغاليقه، ولا مبهما إلا ويعرف سره.” وتجد الغاية مكانها في أولى هذه المراحل ولا أقصد بها تحديد الاهتمام الذي نقرأ فيه، فهذا مرتبط بالمقروء وإنما أعني به المحرك الذي يشير على المرء بضرورة تناول الكتاب. هذه الضرورة قد تتمثل في إشباع الفضول وقد تأتي في صورة بحث لمادة دراسية ومن ثم يتم الوقوع في فخ القراءة. وفي جميع الأحوال لا تخرج الضرورة عن حقيقتها من كون أنها ضرورة وكلما ازداد تعقد العصر ازدادت معه الحاجة للقراءة. من المهم هنا أيضًا أن أذكر نقطة مهمة للفيلسوف برتراند رسل إذ يرى أن العلم معرفة عن طريق الاستدلال وهو على عكس المعرفة عن طريق العيان. ومن الضرورة بمكان أن يكون ضمن غاية القارئ تحقيق هذا.

نصل الآن للحديث عن المقروء وهو طريق شائك بقدر ما هو ممتع. فالوصول للمرحلة الثانية التي تحدث عنها جلبي، يتطلب اجتياز الأولى أي تنويع القراءات وتوسيع المدارك. وسيتأتى هذا الأمر بقراءة أهم الكتب العالمية والعربية في كل مجال والاطلاع على سير المفكرين وأخذ موجز بسيط عن أفكارهم. فخلاف ما يقوله كثيرون بوجوب القراءة للشخص وليس عنه إلا أن العمر لا يكفي لقراءة كل التراث الإنساني وسيكون من الأفضل القراءة عن أكبر قدر ومن ثم اختيار من سنكمل مشوارنا معه. لكن القراءة عن المفكرين وغيرهم تخضع لخلفية المؤلف وثقافته؛ لأجل ذلك ينبغي العناية بالمؤلف ودوافعه. أما إن خضع الكتاب للترجمة فمسألة التمحيص ستزداد صعوبة. بيد أن مرحلة الثقافة الأولية وحتى المتعمقةلا تعتمد على الكتب وحدها؛ فتنويع مصادر المعرفة مطلب ثقافي أيضًا. من صزر هذا التنوع دخول الشبكات الاجتماعية لهذا المجال، كشبكة Goodreads التي تعد بمثابة مجتمع قرائي نشط يتم فيه تبادل المعلومات والنقاشات حول الكتب مما يساهم في إثراء هذه الخلفية التي نحن بصدد تكوينها. بعد إتمام المرحلة يتضح للفرد مسار اهتمامه على وجه الخصوص فينتقل من القراءة العرضية للقراءة الطولية. حيث يبحر في التخصص الذي يناسبه مما يخلع عليه صفة مميزة.

أثناء القراءة:

منذ مدة قريبة انبثقت صيحة عن هوايات المهنة؛ إذ ادعى كثير من المحللين النفسيين والمثقفين أنهم اكتشفوا أسرار القراءة الناجحة والتي ترفع فعالية القراءة عند الفرد وتمثلت هذه الصيحة في عدد لا محدود من الكتب والدورات التدريبية والدراسات العلمية والتي قد تؤدي بدورها لتسريع القراءة وإتمام المذاكرة الدراسية في وقت أقصر، لكن لا يوجد شيء في الواقع يستطيع تحديد الطريقة المناسبة لرفع فعالية القراءة عند كل الناس. إذ أن القراءة بوصفها سلوكًا بشريًا أولًا ومظهرًا حضاريًا ثانيًا تخضع بشكل مباشر لعلاقة خاصة مع شخصية القارئ، مما يؤهلها للتفاعل مع طريقته الخاصة في التفكير ومعالجة معلوماته السابقة. أي أنها علاقة شخصية بحتة لا يحق لأي أحد فرض نمط معين منها وإلزام البشرية به بصفته المنقذ من الضلال! لهذا يبقى القارئ الشخص الوحيد القادر على اختيار طريقته في القراءة بدءًا بوضعية الجلوس وانتهاءً بسلوكياته مع المكتوب. لكني أريد مشاركة تجربتي في إحدى المشاكل التي واجهتني سابقًا والتي تتلخص في أن علاقتي بالمكتوب تنتهي بمجرد إعادته لمكانه. لهذا قررت أن أقوم بثلاثة أشياء مع كل كتاب: أخذ اقتباسات، كتابة ملخص، كتابة مراجعة. وبما أني ملت حديثًا للقراءة الإلكترونية باستخدام آي باد فإن الأمر بات أسهل وأكثر متعة وتحفيزًا للإتمام.

ما بعد القراءة:

رحلة القراءة لا تتوقف عند الانتهاء من المقروء وإنما تستمر لما بعده، متمثلة في تكوين الرأي حوله وتفعيله في الحياة. كتجربة شخصية كانت أفضل طريقة لتكوين الرأي هي كتابة مراجعة خاصة تسبقها رحلة استطلاعية سريعة على المؤلف وبقية مؤلفاته ومراجعات ما كتب حولها؛ إذ يعطي هذا خلفية جيدة عن الكتاب وصاحبه ومن ثم يزيد ثراء المراجعة مما ينعكس على تكوين الرأي. مشاركة المراجعة تعطي مؤشرًا جيدًا على جودة المقروئية بالاحتكام لقراءات الآخرين إذ لا يوجد معيار ثابت في المسألة. أما بشأن تفعيل المقروء، فتكفينا العودة لأحد المعاني المعجمي للثقافة حيث تعد صفةً للرمح الذي تم تقويمه وبذا نرى أنها تشمل فيما تشمل من معانٍ دلالية معناها الأهم في تقويم الفرد وتهذيبه.

بعد العناية بهذه النقاط الثلاث يكون وضع القراءة الفردية قد اعتدل وبصورة شخصية، مما لا يخدم وضع الأمة ولا يحل مشاكلها عدا بتثقيف فرد منها ليستعد لمواجهة واقعها وواقعه وهذا ليس بالأمر الهين؛ فكل نهضات العالم قام بها أفراد قراء.

*مصدر الصورة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s