علة الطفولة العربية

من يحاول عزل أطفاله عن هذا الانفتاح العالمي لا يفعل أكثر من حجب الشمس بغربال ورغم استهلاكية هذا التشبيه إلا أني أجدني مدفوعةً إليه لما يحمله كل من الغلاف الجوي، الأرض والشمس من مضامين. فحينما تجد من يدافع باستماتة عن ضرورة انفتاح الأطفال على الثقافات الأخرى، ثق تمامًا بوجود التطرف على الجهة الأخرى: من يعزل أطفاله تمامًا عن عوالم الآخرين وبينهما تضيع حقائق كان الأجدر بها أن تحظى بقبول جماهيري ولو حتى بأن تطرح للمناقشة. بين طرفي النقيض نجد أن سبب النزاع هو تغير الأدوات التي تساهم في بناء الطفل. وبالبنسبة لي، لا أجد فرقًا بين جلوس الطفل اليوم أمام شاشة التلفاز وبين جلوسه أمس أمام مسرح الدمى؛ فمالفرق بينهما سوى فرق طبيعي يحدثه عبور الزمان وتقدمه المستمر وهذا العمق التقني الذي يضرب في صميمه. هذا الزمان الذي ينسب إليه الطرفان فوارق مصطنعة بين الجلوسين؛ إذ يظن أحدهما أن تقدم الزمن وما يجلبه من مستجدات هو سبب تآكل العلاقات بين الأطفال وبين العالم وهو ذاته سبب ميلهم للكسل وقلة نشاطهم وهو وحده من حرمهم لذة المعرفة وبراءة السؤال! في حين يرى الآخر أنه وحده منقذ الأطفال من رجعية الأمة التي عانت منها لقرون. لكننا وبقليل من الإنصاف سنجد أنه ليس سبب التأخر الذي يعاني منه الطفل العربي فهذه المستجدات لا تسبب الضرر من تلقاء نفسها؛ أي أن علة الطفولة العربية لا تتعلق بالتلفاز وألعاب الفيديو بقدر ما تتعلق بصناعة هذه الأدوات وبالبيئة التي تتواجد هي و الطفل فيها: الأسرة، المجتمع، المدرسة. وبالتالي لا مجال للامتعاض من تعامل الأطفال مع مستجدات العصر وإنما يكون الامتعاض وتتوجه الأنظار بالنقد والتحليل لهذا السياق الذي توضع فيه أطروحات هذه المستجدات والتي تتعلق كما ذكرت بصناعة الأدوات وببيئة تفعيلها. بهذه المقدمة أريد أن أصل بالقارئ لضرورة استغلال الانفتاح من جهة وضرورة تجنب أخطاره من جهة أخرى ولن يتسنى لنا هذا الاستغلال مالم نتجه بأنظارنا نحو فهم العلة الحقيقية وفهم العثرات التي نكررها ونظن مع كل تكرار أننا على مشارف الحل.

لنقف على عثراتنا في إصلاح ما أفسدناه، نحن بحاجة لنعرف أولًا وبتفصيل نوع الفساد الذي يحدث وأن نفهم المنطلقات الفكرية لإصلاحه وإلا فستفشل كل محاولاتنا في النهضة بالطفولة وربما تضر أكثر مما تنفع كما سأناقش هنا. مبدئيًا يلحظ المتأمل في وضع الطفل العربي افتقاره لأمر جوهري، إنه يفتقر للهوية وكأن شيئًا ما سحبها منه وبطبيعة الحال، فإن هذا السحب تم أولًا عبر التغلغل لوعي الطفل ومن ثم تحديد مساره مما سهل المهمة وأغراها بالمضي قدمًا نحو الخطوة الأخيرة: استبدال الهوية وهذه بالضبط سبب صعوبة التواصل أو انعدامه بين جيل المربين سواء في الأسر أو المؤسسات التربوية وبين هؤلاء الأطفال حتى بات كل صنف لغته الخاصة مما يستحيل معها حصول التفاهم، ناهيك عن الإصلاح. وأنا إذ أتحدث هنا عن الهوية فلا أقصد بها سوى الثقافة من منظور مالك بن نبي. فالثقافة حسب نظريته النهضوية هي: “أسلوب حياة، الأسلوب المشترك لمجتمع بأكمله من علمائه إلى فلاحيه” وأفهمها أنا على أنها اسم آخر للهوية. وبما أنني بدأت الحديث عن عالم مفتوح ساهم كل من الإنترنت والتلفاز في إلغاء حدوده، فليس من المنطقي أن أتحدث عن ثقافة سعودية وأخرى مصرية وثالثة مغربية وما في هذه الدول من خلفيات سياسية واقتصادية تحدد المستوى التعليمي والتربية الأسرية وحتى الديانة وإنما سأتطرق فقط للثقافة العربية المشتركة، أي الإطار العام لهذه الثقافة وما يحتله كل من التاريخ واللغة في تشكيل هذا الإطار. هذا الإطار الذي أرى أن افتقاده هو جوهر علة الطفولة العربية. ولتكوينه علينا العناية بأربعة عناصر كما يراها مالك في نظريته:

  • العنصر الأول: التوجيه الأخلاقي ويعني به تفعيل الأخلاق في الواقع مما يساهم في إنشاء “عالم علاقات” مبني على أساس صلب وبالتالي مؤهل للمهمة التاريخية.
  • العنصر الثاني: الذوق الجمالي باعتباره المحرك الأول لتكوين الأفكار التي تُبنى عليها الأعمال فكلما حسنت الصور تحسّن التصور ومعه العمل.
  • العنصر الثالث: المنطق العملي والذي يعده بن نبي أهم ما نفتقر إليه في زحمة التنظير الأجوف الذي نعانيه.
  • العنصر الرابع: التوجيه الفني “الصناعة” وهي التي تشكل ما سبق وتجعل منه ثقافة ملموسة ومُعاشة باعتبار أن ما سبق يعد مفاهيم معنوية أكثر من كونه مظاهر مادية ووسائل صناعة. هذا العنصر يشتمل على جميع أنواع الفن، المهن والعلوم.

هذه إذًا مكونات الثقافة التي تم سحبها واستبدالها، وأي عملية إصلاح ثقافي لن تتم إلا بتكامل هذه العناصر. بعد هذه المقدمة نصل لاستعراض أبرز العيوب التي يتسم بها الخطاب الموجه للطفولة وبيان الخلل الذي وقع فيه تجاه هذه العناصر مما أدى بدوره لإضعاف الثقافة العربية لدى الطفل إن لم يكن إلغاءها نهائيًا. ولفهم عيوب خطاب ما، علينا أن نحصر وسائله؛ فالخلل -على عكس ما نظن- لا يصدر هذه المرة عن التلفاز والإنترنت فقط وإنما عن المنظومة الثقافية ككل : إعلام، إنترنت، أسرة، مدرسة ومجتمع إذ يشترك الكل في عملية العبث بوعي الطفل وإدراكه للعالم عبر تذويب ثقافته، وبطريقة غير مقصودة أحيانًا. وهذا يعني أننا بمواجهة مشكلة معقدة لاختلاف الأطراف المسببة لها مما يؤدي بدوره لوجود مشاكل على هيئة حلول تتلون وتتشكل حسب المصدر، فتارةً تكون أنشودة في كتاب مدرسي ومرة لعبة على جهاز وأخرى نصيحة تقليدية مكررة بدون أن يجرب مطلقها فحصها لعدة دقائق. بتدقيق النظر للحلول والمشاكل المتنوعة التي يحدثها الخطاب السابق بشأن ثقافة الطفل، نجد أنها إما أن تكون سطحية جدًا ولا تتماشى مع مستجدات العصر سواء المادية أو الثقافية أو أنها تحظى بعمق ودعاية جيدة لكنها تقدم مضمونًا سيئًا. سأحاول فيما تبقى أن أشرح هذه العيوب حسب وبيان عدم انسجامها مع شروط بن نبي لبناء ثقافة حقيقية:

التوجيه الأخلاقي
لئن كان مالك يرى أن قوة الأخلاق تكمن في تفعيلها، فإننا نرى افتقارنا الواضح لمفهوم الأخلاق حتى على الصعيد النظري المجرد. فالطفل الذي يعيش في بيت يتعلم فيه الكذب من قِبل والده، لن تجدي معه أغنية تربوية في محطته المفضلة؛ إذ أن هذه الأخلاق والمثالية ستسقطان عند أول محك وذلك حينما يتصرف فنانوها بتعصب ضدها بعد انتهاء عقد العمل وانتقالهم للمحطة الأخرى. مما يحدث تقسيمًا واضحًا بين الأشخاص والأخلاق وهذا يضطره لممارسة التحزب وتعصبه منذ وقت مبكر. وهكذا نجد أننا نتحدث عن الأخلاق في الوقت نفسه الذي نتصرف فيه بما يناقضها وهذا التناقض لم يكن من MBC3 التي تقابل برفض أسري وتربوي كبير وإنما من محطتين تتبنيان الاتجاه الإسلامي المعتدل في طرحهما. وقبل أن أنتهي من كراميش وطيور الجنة هناك نقطة لا بد من إثارتها، وهي استخدام الأطفال كسلع لعرض المواد، وأعتذر عن هذه الكلمة لكنها أقرب ما وجدت لتوصيف الوضع. فنحن نشاهد على هذه القنوات كيف يتم إرهاق الصغار عبر السفر والبرامج المباشرة مما يحرمهم من أبسط حقوقهم الطبيعية ناهيك عن ضرر تسليط الأضواء والذي يساهم فيه مالكو المحطات بطريقة سيئة ليس أشنعها إصدار منتجات تحمل صورهم! إنها الشهرة المبكرة بصبغة إسلامية مغلوطة حيث يتم التركيز على أشخاص وصور بطريقة تضيع معها المبادئ والقيم من حيث يُظن أنها تبنى. من أكبر الدلائل على هذه النقطة هو أن الأطفال الممثلين لا يدركون أهمية القيم التي يدعون إليها ففي إحدى الكواليس سئلت الطفلة المؤدية لأغنية عن فكرتها فأجابت بطريقة تنم عن فهم سطحي للمغزى، حصل هذا والأغنية تحمل فكرةً هذه المرة وليست كالمرات الأكثر حيث يتم التركيز على الأداء والإخراج وإن كانا بلا مضمون! وهذه ليست الحادثة الوحيدة فتصرف هؤلاء الأطفال بهذا الشكل الذي نراه والذي يُختصر في الركض خلف الأضواء والأزياء يدل على سوء التوجيه الذين يتلقونه بسبب أن القائمين على هذه المحطات يولون اهتمامًا بالشكل والمتعة المفرغة مما يوقع أطفالهم وأطفالنا ضحايا للخطأ المهذب. أما بخصوص الخطأ غير المهذب فهو ما يحدث في نيكولوديون فهذه المحطة تبذل جهدًا واضحًا في تنقية المحتوى الذي تعرضه. يكفي أن تشاهد أحد أفلامها لتكتشف أنك تسمع صوت “طووط” أكثر مما تستمع للأصوات البشرية وما كانوا مضطرين لهذا التصرف لو كان المحتوى صالحًا للتقديم للطفل.

ننتقل للضفة الأخرى، الضفة التربوية الحكومية حيث المناهج وتبديلها المستمر ولن أتكلم عن الأخطاء التي وقعت فيها فتفتيش كتب الابتدائية يتطلب وقتًا وجهدًا لا أملكهما. لكني سأتحدث عن الذي لم تقع فيه أو بالأصح لم تعلمنا إياه وهذا على مر ثلاث مراحل من التبديل. لم تتطرق كتب المطالعة رغم التطورات المظهرية التي حظيت بها لأي موضوع يتحدث عن أهمية التمسك بالقيم وسط العالم المتغير ولم تكتف المناهج بهذا إذ جعلت السلوك مادة منفصلة وبكتاب لا يتجاوز العشرين صفحة تدرس مرةً بالأسبوع لتصبح بهذا المادة الثانية بعد التربية الوطنية في قلة عدد ساعاتها وجدواها – ولا زلنا نتساءل عن سوء سلوكنا وضعف وطنيتنا!- فارتباط المادة بمرحلة دراسية محددة وقلة نصيبها من الوقت ليسا السبب الوحيد في الأزمة الأخلاقية، الأزمة تكمن في عدم التفعيل، عدم تفعيلها في بقية المواد أو الحياة المدرسية ككل. مناهجنا تفتقر أيضًا لمعانٍ نبيلة مثل: ضرورة التقصي والبعد عن سوء الظن، أهمية التعايش مع الانتماءات المختلفة دينيًا وعرقيًا وهذا سبب رئيس لمشاكل الأطفال في المدارس ونزاعاتهم على أتفه الأشياء؛ إذ لم يرتبط احترام الآخر بذهنهم مع المبادئ المقدسة له.

الذوق الجمالي
التصور انعكاس للصورة كما يحكي بن نبي والعناية بالصورة تأتي من منطلق فكري قبل أن يكون جماليًا، فالصورة الظاهرة هي أقوى مؤشرات تمكن ثقافة ما من مجتمعها. وأكثر من يدرك هذه النقطة هم الفنانون والأدباء إذ أنهم الأكثر إدراكًا لأثر المظهر العام على تفكير المجتمع وبالتالي نهضته ومن ثم حضارته. وهذا العنصر يواجه تطرفين كسابقه إذ أن بعض الأدوات ترسم صورة متقنة وتملك آليات تقنية متطورة لخدمة هذه الأهداف. لكنها وعلى أية حال تعطي ثقافة مغايرة للثقافة العربية من حيث مظاهر أبطالها وأزيائهم. في حين نرى على الجانب الآخر أدوات تتبنى الرأي المعتدل وتعطي أزياءً عربية لكنها لا تحظى بكمية قبول معقولة؛ الأطفال لا يشعرون أنها جاءت لمخاطبتهم خصوصًا في ظل تحوير ذوقهم الجمالي عبر أدوات أخرى وعلى أقل تقدير بسبب تغير الزمن وتغير الأزياء واكتساح العولمة. أذكر في هذا الصدد، صورة من كتاب مدرسي تعرض رجل إطفاء سعودي يعمل بالزي السعودي! أطفالنا ليسو بالسذاجة الكافية لتمرير هذه الغلطة فهي برأيهم مجرد مبالغة مقيتة. هذا التطرف في فهم الهوية ومظهرها وطرحها بهذا الشكل يجعلهم يرفضون فكرة التمسك بالقيم ويفضلون الصوت الذي يخاطب عصرهم وذوقهم الحالي ولعلهم يستطيبون صوت مقص الرقيب في الفقرة السابقة لأنه يخاطبهم مباشرةً بعد أن منحهم الهوية التي يريد. تستطيع إدراك الخلل الذي لحق بذوق الأطفال بمراقبة سلوكياتهم في الأماكن العامة واختياراتهم لأزيائهم والهيئات التي يظهرون بها ولو استطعت الاقتراب أكثر فستجد أنهم يملكون أسلوبًا غريبًا في الحديث، حتى أن الطرائف التي يروونها والمواقف التي يأنسون بها فيها الكثير من “السخف” وقد تشاهد مع طفلك فيلمًا كوميديًا فيغرق في الضحك بينما تظل بلا انفعال، ويحدث أن تشاهدا مسرحية مصرية ويظل يسألك عن مغزى كل تصرف ويستغرب بدوره من ضحكك. حتى في ملكة النقد، هناك تغير واضح على مستوى النقد عند الصغار وستلحظ هذا مثلًا في آرائهم حول النظم العمرانية في البلدان العربية.

المنطق العملي
حلولنا ينقصها دومًا المنطق العملي الذي يشرح كيفية ارتباط العمل بوسائله ومقاصده والوصول لأقصى فائدة من هذه الوسائل مما يؤدي بدوره للشلل وعدم الفاعلية كما يقول بن نبي. وهذه النقط مغيبة تمامًا في ظل الثرثرة والتركيز على القشور اللتان تشكلان الناحية الأهم عند المربين. علاوة على هذا، نجد سوء استخدام لهذه الوسائل إذ تصبح وسائل ترفيه مجردة من أي قيمة عملية فعالة. اكتساب الصغار للمنطق العملي ليس بالصعوبة التي تظهرها المؤسسات فالمدارس تقدر على استغلال اللافاعلية التي تتصف بها وتحولها لفاعلية باستثمار الأوقات التي تفرضها على طلابها في حشو أدمغتهم بالكلام المفرغ أو في عرض تجارب وحكايات نسيها الزمن. لا أدري لم لا يحصل انقلاب في مفهوم التعليم تحدث به نقلة نوعية في استغلال العلم وأدواته المتاحة في إنتاج وسائل أكثر ابتكارًا. وأول ما يقف في وجه هذه النقطة هو الفصل الشنيع بين العلم الحقيقي والعلم في المناهج والواقع العملي، فالمناهج تحكي معلومات منقطعة الصلة عن سياقها إذ لا تذكر شيئًا عن واقع صاحب النظرية وعصره وظروف تطويره للفكرة مما يعني أن المعلومة تكون محاط بهالة من الغموض بالنسبة للطفل الذي يكبر ويظل يعيد اختراع العجلة في كل مرة يصنع فيها سيارة. بالمناسبة هذه النقطة تذكرني بالمصادر المفتوحة!

التوجيه الصناعي
ولأنه هذا العنصر يصوغ كل العناصر السابقة ويحولها لواقع معاش فهو أكثرها شمولية وتعددية غير أنا قتلنا شموليته بحصرنا للنجاح في تخصص أو تخصصين مما يساهم في خلق فجوة بين التخصصات وبالتالي بين ميول الأطفال ومن ثم تعاملهم مع بعض أو مع العالم بما فيه أسرهم وتاريخها المهني أو الحرفي. هذه النقطة تعني فيما تعنيه أن هناك فوقية تؤدي بدورها لضعف في أحد النواحي على حساب تضخم الآخر بلا جدوى. يقول بن نبي: ” من المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه واستمرار نموه؛ وعليه فيجب أن نلاحظ في كل فن هذين الاعتبارين” وعدم ملاحظتهما في الخطاب الطفولي واضح جدًا ولعل من أبرز الدلائل عليه ثقافة الاستنساخ المستشرية بين الصغار وتوجه اهتماماتهم لناحية أو اثنتين بطريقة لا تناسبهم ولا ترفع قدر مجتمعاتهم وإنما فقط تتناسب مع ذوق المربين.

بهذا ننهي العناصر الأربعة ونلاحظ تمركز التاريخ فيها، سواء كان تاريخ الفرد أو المجتمع أو الأمة. لكن ماذا عن اللغة؟ مالك لم يتطرق لها تحت أيٍ من العناصر السابقة وهذا يضعنا بإزاء افتراضين الأول: أنه تجاهلها لعدم أهميتها والثاني: أنه تجاهلها لبديهيتها، وهذا الافتراض أقرب للصواب لأننا نتحدث عن ثقافة صفتها العربية ويضيف مالك أنها إسلامية ولا تفوتنا مكانة العربية من الإسلام. مما يوضح أهمية اعتمادها لغةً أساسية في التخاطب والتعلم ومن ثم إدراجها تلقائيًا بداخل مكونات الثقافة.


مخرج
بعد الاستعراض السريع لأنواع من الخلل الذي نقع فيه في كل مرة، لا بد أن نتساءل: مالحل إذًا؟ الحل هو إيجاد
ثقافة متكاملة العناصر، تراعي شروط العصر ومستجداته بدون تقليد واستنساخ لنموذج غربي أو شرقي كما يكرر مالك من أن الحضارة ليست منتجًا يمكن استيراده على عكس مخرجات هذه الحضارة. والثقافة هي الخطوة الأولى في السير نحو حضارة مرتقبة. ولن يكون بناء الحضارة بغير الأخذ بالعناصر الأربعة لإنشاء ثقافة مستقلة. ورغم صعوبة العملية إلا أنها غير مستحيلة وهي متحققة في عدد من المشاريع مع اختلاف نسب تجانس هذه العناصر. من هذه المشاريع التي يجدر بنا تشجيع أطفالنا على معرفتها والتعامل معها:

    محطة الجزيرة التي تملك دعمًا قويًا وتعمل على عدة صعد لتطوير الطفل العربي
    محطة سنا رغم افتقارها المادي لكنها على الأقل أحدثت انقلابًا فكريًا عند الطفل فيم يخص نظرته لنفسه عندما أخبرته أن الإنسان يتفوق على العصفور لا لأنه قادر على تقييد حريته -كما درسنا- وإنما لأنه يكتب ويفكر
    من المشاريع الجيدة على الإنترنت: موقع الهدهد

بقي أن أقول بأن هناك العديد من الأفكار في مجال النهضة بالطفولة ومهما بدت فردية إلا أنها ستشكل جزءًا قويًا من الحل ما دامت مشتملة على العناصر السابقة.

__________________________
*أفكار بن نبي مقتبسة عن كتابيه: شروط النهضة ومشكلة الثقافة

Advertisements

9 Comments

  1. تفكير وتحليل جميل ، ولكن حتى تُبنى الثقافة بالشكل المطلوب بتصوري يجب ان يتسم بالبساطة ، ما كتبتيه يصلح للأكاديمين ، ولكن ليس هينا على صعيد الافراد البسطاء ، ولن يكون ناجعا ان نتركهم مع هذه القنوات فقط ، هنالك أدوات بديهية بحسب فهمي كان يمارسها الاباء قبلا بمعرفة او صدفة كانت تودي بالضرورة الى تربية من نوع أخر برغم تدني التحصيل الاكاديمي او حتى عدمه في كثير من الاحيان ،
    هذا لا يعني نقدا لفكرتك ، هو فقط تنويه لما يمكن ان يضاف في الموضوع ، استمتعت بالقراءة .

    رد

    1. الأخ nicenick6
      لست أول شخص يقول هذا بخصوص توجه تدويناتي، سأتدبر الأمر لاحقًا رغم أني لم أقصده إطلاقًا.
      صحيح أن المحطات لا تكفي لوحدها، لكنها تشغل حيزًا كبيرًا من وقت الأبناء وتوجيهها بطريقة صحيحة سيساهم بشكل فعّال في تهذيب سلوكهم وتنمية قدراتهم. أما عن التربية الصحيحة التي تحدثت عنها، فهي كما قلت “في السابق” ونحن اليوم نملك أدوات جديدة وعلينا توظيفها، خصوصًا لو انشغل الأهالي -رغم أنهم الأصل في العملية التربوية- ولعل الإشارات التي وردت هنا تكون مفيدة لهم.
      شكرًا للمرور والإضافة

      رد

  2. ما اسهل التنظير و أصعب التطبيق ……..موضوع شيق بل وملح ولكن هل يؤدي الى النتائج المرجوة منه ؟؟؟؟؟؟لا أظن لان البداية تنشا من البيت والبيت لاه عن التربية الان ثم في المدرسة والمدارس صارت كلها تجارية ونوادي لاجتماع الاطفال وثالثا طريقة تدريس المناهج حتى لو كانت ركيكة فهناك دائما هدف لكل درس على المدرس ان يجيد توصيل الهدف التربوي والاخلاقي ,,,,,,ورابعا الرقابة على طريقة التدريس وهي سبب كل المصائب والعوائق …….حيث انهم يهتمون بالشكليات ويرفضون اعطاء العلامات للتفكير الفردي بل العلامة تعطى كاملة للببغاوات حيث ان اي اختلاف حرفي عن نص الكتاب تعتبر خطأ وان كانت تعني نفس مضمون الفكرة ……وهكذا نجد ان الامر لا يعدو كونه تنظييييييييير لا أكثر ……..سمعت عن نظام الثانوية العالمية حيث لا يعطى الطلاب اي كتب لدراستها بل هم من يصنعون كتبهم و ذلك من خلال البحث في النت وارائهم الشخصية التي يناقشونها مع المدرس ……….ان حذف مرحلة من مراحل تقسبم الكسور مثلا يحذف عليها علامات وان كان الناتج صحيحا …….بالله عليكم ابذأوا بالمدرسين وانتهوا الى الاعلام …….طرح جميل ولكن……….تحياتي …….

    رد

    1. الأخ nicereader
      هذه التدوينة ليست موجهة للمؤسسات مباشرة وإنما للأفراد الذين يكوّنون سيكوّنون أسرًا أو لديهم اهتمام بالعملية التربوية والطفولة. معك حق في وجوب اتحاد الجهود بدءًا من البيت وهذه التدوينة جاءت لهذا الغرض والتنبيه على بعض النقاط والتي وإن جاءت أمثلتها عن الإعلام فهي تتحدث أيضًا عن فكرة المثل، مما يعني إمكانية تطبيقه على غير الإعلام.
      المدارس تتحمل جزءًا كبيرًا أيضًا خصوصًا وأنها تحمل على عاتقها هذه المهمة (أقصد التربية).
      أعجبتني فكرة الكتب ذات المعلومات الشخصية، هل تستطيع إرشادي لمصدر المعلومة؟
      شكرًا للإضافة

      رد

  3. قادتني بعض الروابط من موقع الهدهد الى هذه المقالة ..
    اذن هي مقالة ضمن واحدة من مقالات شحيحة في كل اطراف الشبكة العناكبية حول أطفالنا العرب

    ما أود قوله هو شيء من تجربتي العملية :
    في أول هذا العام شاركت ضمن في المعرض التعليمي المقام على هامش احد المؤتمرات الخاصة بالمدارس الخاصة
    احدى المحاضرات في المؤتمر دلفت الى جناح الهدهد وقمت باطلاعها على اعمالي – سلسلة ادم والأصدقاء – تطبيق حروفي المرحة وغيرها من الاعمال القادمة
    شردت السيدة لوهلة ثم قالت لي : تعرفين كان يجب ان تكوني معي في محاضرتي كي تكوني التطبيق العملى للطرح النظري الذي تقدمت به .
    لم أعلق على ذلك .. فتحت حاسوبها المحمول ثم اطلعتني علىرسومات لمشروع رائد تقوم به للاطفال ..
    قلت لها : اعيدي كل هذه الرسومات انها ضارة بالطفل وعلى الاقل لن أسمح لابنائي بالاطلاع عليها ..

    ما أريد قوله ان التنظير والكتابة والتحليل سهل جدا وليس أدل على ذلك من أوراق العمل والتوصيات
    ولكن العمل الفاعل على أرض الواقع هو أمر في غاية الصعوبة
    على سياق التدوين كمثال
    كم مدونة عربية تهتم بالاطفال ؟
    كم مدونةعربية تطرح تجارب الاباء والمربين مع اولادهم ؟
    كم مدونة عربية تهتم بأدب الاطفال ؟
    الطريف ان المدونة الوحيدة التي تهتم بادب الطفل العربي هي مدونة باللغة الانجليزية 🙂
    ما اريده هو القاء حجر في ماء راكد ..
    ما أريده هو انحياز نحو السياق العملي وماراثون لافكار ومشاريع نحو الطفولة العربية
    وأن تستمر هذه التدوينات ..
    الطفولة العربية رائعة ونقية .. العلة في رعاة الطفولة
    أتمنى أن تستمر مقالاتكم حول الطفولة العربية لتصل الى ألف جزء وجزء .. ولعلها تكون جزءا من مشروع ريادي قادم
    مع التحية

    رد

    1. شيماء
      بالنسبة لي، فأنا لا أعرف أننا نعيش مستوى جيدًا حتى على الصعيد النظري! لست متشائمة لكني فعلًا لا أشاهد اهتمامًا بهذه الناحية ولا حتى من قبل وزارات التعليم.
      العمل الفاعل سيبدأ لو التفتنا لتصحيح أخطاء التنظير الكثيرة -رغم قلتها!- وأظن أن هناك وعيًا بهذه المسألة وإن بدا في مجهودات شخصية متفرقة، لكنها مجهودات فعالة ومؤثرة ولنا فيكم أسوةٌ حسنة.
      تشرفنا بزيارتك ورأيك

      رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s