اجتماعيات

كيف تتغير الآراء بهذه البساطة؟

كيف تغيّر رأي المفتي بشأن مشاركة المرأة في مجلس الشورى؟

بعد أن كان (الأمر أبعد بكثير من مشاركة المرأة في الشورى أو المساواة ونحو ذلك من الدعاوى، الأمر يدور حول السعي لهدم الدين في معقله ومئرزه)

أصبحت القرارات التي تسمح للمرأة بالترشح في الإنتخابات و المشاركة في مجلس الشورى (كلها خير) !

هذا التناقض على ذمة موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء، و موقع صحيفة عكاظ !

فإن كان الوارد في موقع الرئاسة خاطئ، فهذا يعني أننا أمام موقع يضلل الأمة بأراء غير موثوقة منسوبة إلى علماء كبار، أما إن كان صحيحًا تمامًا فالمطلوب أن يتقدم لنا سماحة الوالد المفتي بتبرير واضح و منطقي لهذا التناقض الغريب!

هل تتغير الفتاوى تبعًا لسياسة الحكم أم أن العكس هو المفترض؟

لا أريد أن يفهم أحد أني استحقر المفتي أو ألمزه، لكن من حقي أن أستوضح الأشياء الغريبة و غير المفهومة في هذا العالم، و من أبسط حقوقي الإنسانية أن انتقد أي تصرف لا أجده موافقًا للمبادئ التي ينادي بها صاحبها، و من حق الجميع في هذا الوطن أن يتعرفوا إلى طبيعة التطور في فكر سماحة المفتي حين أصبح يرى الإختلاط في مجلس الشورى خير، و مشاركة المرأة السياسية خير، و انتخابها بعد ترشحها في الانتخابات البلدية خير آخر، بعد أن كان يعلمنا أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم لمّا قال: “ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء”، دليلًا على أن ما يروجه الأعداء من مفاهيم كـ حقوق المرأة ليست أكثر من مكائد لمعاداة الإسلام في معقله.

ليتني استطيع أن استوعب كيف كانت مشاركة المرأة في مجلس الشورى و الانتخابات (باب شر*) ؛ و أصبحت اليوم كلّها خير؟

لست معارضة لقرار الملك، و لا أجد حرجًا حتى من قبل أن يصدر القرار في أن تشارك المرأة في مجلس الشورى أو في الانتخابات أو حتى في أن تتولى الوزارة أو أن تقود السيارة، و لا أقف ضدّ القرار أبدًا كما أني لم أجد فيه حماسًا مجنونًا كهذا الذي أجده لدى الآخرين، و ربما أستطيع أن أقول بأني محايدة بشأن هذه المشاركة، و لا أراها ستقدّم أو تؤخر من الأمر شيء، لولا اعتقادي بأن تغيير ما قد يحدث (و يبدو لي إيجابيًا) في فكر المجتمع تجاه المرأة كشخص منجز.

كل ما في الأمر أني أستغرب فعلًا كيف كان المفتي معارض بشدة و ها هو اليوم أصبح من المعجبين بهذا القرار !

___________________

* (فأنا أحب من أخواتي أن يكن واعيات بصيرات بواقعهن، مدركات حجم المسؤولية عليهن، وألا يفتحن على أهل الإسلام باب شر) مفتي المملكة

Advertisements
اجتماعيات

مع ميسي، درسٌ في الانتماء

20110923-044403.jpg

قبل فترة كنت في الحرم النبوي وفي الساحة تحديدًا سمعت صبيًا لا يتجاوز السبع سنوات يقول لوالده: “ميسي لعّيب يا رجل” ذهبا في اتجاه معاكس لسيري وبقيت أفكر في ثلاثتهم: الصبي، ميسي والانتماءات الضائعة! حاولت أن أبعد عن ذهني فكرة ضياع الانتماءات والتكون الجديد لها، لكن حصل موقف أقوى في دلالته من الذي سمعته؛ فإذا فهمنا أن الحرم هو المكان الأقدس لأداء العبادة وأخذنا بعين الاعتبار أنهما تحدثا عن ميسي وقت خروجهما من الحرم أي وقت الانتهاء المجازي من أداء شعيرة دينية واستقبال صخب الحياة واستطعت ألا أحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، فإن الموقف الثاني -في هيكله الخارجي- على نقيض الأول تمامًا.

في المرة الثانية حصل تمثيل الانتماء بطريقة يتوازى فيها المقدس الموروث مع المبدأ الجديد، حيث يحتل كلا الطرفين قيمة عليا في تكوين الفرد وصهره في جماعة أكبر تدين بالولاء والانتماء لهذين الطرفين. في رمضان الماضي شاهدت برنامجًا تلفزيونيًا على محطة الفرات العراقية، يهدف لمساعدة الأسر التي تعيش تحت ظروف صعبة ويقدم لهم المعونات بطريقة إنسانية؛ حيث يقدمون لهم وجبة إفطار بالمشاركة مع فريق عمل البرنامج. في تلك الحلقة، كانت الأسرة تعيش بمنطقة صحراوية منعزلة، داخل منزل طيني متواضع. وبطبيعة الحال كان المنزل مؤثثًا بطريقة بسيطة جدًا. أثناء تجول المذيعة، وقفت كاميرا المخرج على ملصق كبير يعرض بورتريه تخيلي للحسن والحسين عليهما السلام. قوة الانتماء هذه وسط الظروف التي يمر بها العراقيون وهذه الأسرة تحديدًا، كانت دليلًا على تجذر المبدأ بداخلهم وتغلبه على كل شيء يحاول تهديده. وقتها سبحت في التفكير بلحظة تركهم لمنزلهم الأول قبل الظروف التي أجبرتهم على تركه وغرقت أكثر في اللحظة التي بحثوا فيها عن هذه الملصقات وعن عنايتهم بها طوال الطريق حتى استقر بها الحال على ما هي عليه. لم يعكر صفو هذا التأمل سوى ملصق آخر وضع بجانب الأول وعليه صورة لفريق كرة قدم عالمي!
Continue reading “مع ميسي، درسٌ في الانتماء”

حول الدين

لمحة حول “الله والإنسان في القرآن”

عند الحديث عن كتاب كـ“الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم” فإن القارئ يواجه حيرة في اختيار بداية مراجعته؛ فهو إما أن يستفتح المراجعة بالحديث عن المؤلف، كتابه أو الموضوع الذي اتخذه فكرةً لهذا الكتاب وجميع هذه العناصر تملك ما يؤهلها لرفعها للمقدمة. سأختار الخيار الثالث؛ ففكرة الكتاب علاوةً على تفردها فهي تصلح بشكل أساسي كمدخلٍ للمراجعة.

من بين العديد من المقاربات التي تصح قراءة القرآن في ضوئها والتي تتراوح حداثتها وتوجهات أصحابها وبالتالي مدى اقترابها من الحقيقة التي يهدي إليها القرآن؛ اختار إيزوتسو المقاربة غير المطروقة من قبل ساعده في هذا ذكاؤه اللغوي الملفت واهتمامه بالشعر العربي وتاريخه. توشيهيكو إيزوتسو هو باحث ومستشرق ياباني كرس وقته لدراسة القرآن ليقدم بهذا رؤية جديدة تضاف لمحصلة العقل البشري.

عنوان الكتاب يحمل جاذبية خاصة نظرًا للإبداع في اختيار موضوعه؛ إذ يتكلم عن العلاقة بين الله والإنسان ويأتي لفظ الإنسان ليدل على شمولية هذه العلاقة وعالمية الكتاب باستهدافه لأي إنسان. هذه العلاقة هي الرؤية الفلسفية التي يقدمها القرآن للعالم والتي يحاول إيزوتسو الحديث فهمها وشرحها لنا.

في البداية لا بد أن يطرأ سؤال عن طبيعة علم الدلالة وعن إسقاطه على الرؤية القرآنية للعالم. علم الدلالة هو العلم الذي يهتم بدراسة المعنى وتعريف الكلمة، وبناءً على هذه الحقيقة، يقوم إيزوتسو بوضع “معنى” لعلم الدلالة حسب فهمه وتصوره هو. إذ يفهمه على أنه فلسفة من نوع جديد تقوم على تصور جديد للكينونة والوجود ويتسع هذا التصور ليتغلغل في نواح عديدة من العلم التقليدي وبالتالي لتفاصيل أكثر في حياة البشرية. علم الدلالة بهذا التعريف يكون بمثابة “دراسة تحليلية للمصطلحات المفتاحية الخاصة بلغة ما، تتطلع للوصول في النهاية إلى إدراك مفهومين للرؤية للعالم الخاصة بالناس الذين يستخدمون تلك اللغة كأداة ليس للكلام والتفكير فحسب بل الأهم كأداة لمفهمة العالم وتفسيره.” Continue reading “لمحة حول “الله والإنسان في القرآن””

لغويات ونقد

شعراؤنا و القذافي!

كان القذافي حكاية الموسم، تعامل الكثير معها بفكاهية رغم واقعيتها الدامية، حتى يكاد الناس لا يذكرون عن القذافي إلا تهريجه و كوميديته المضحكة دون أن يسجلوا في الذاكرة حقيقة كونه متسلط مجرم سفك الدماء و أفسد في الأرض ليُبقي على عظمته المزعومة.

و على الجانب الآخر، يبدو من اللافت/ المستفز/ المضحك في شخصية القذافي حجم الغرور الذي يسكنها، مع كثير من تمجيد الذات، و نسف الآخرين/المخالفين حتى يصل الحال به إلى أن يسلبهم إنسانيتهم و يصفهم بالجرذان! كل هذا لمجرد أنهم لا يقفون في صفه، فمن لا يحب القذافي يستحق الموت، و من لا يعترف بأمجاده الشفافة مختل عقليًا أو متعاطي للمسكرات، و من يتجرأ ليثور على القائد الأعظم ملك ملوك إفريقيا و زعيم الحكام العرب و أمير المؤمنين فهو مأجور يستلم الثمن على ثورته من المخابرات الأجنبية!

أعرف بأن القذافي شخصية سيئة تستحق المقت و إدراجها في قائمة التاريخ السوداء، لكن يظل في رأسي سؤال محيّر: كيف نكره القذافي لأخلاقه السيئة المستبدة هذه و نحن نصفق لمن ينشدها من الشعراء منذ قرون؟ كم يبدو علينا التناقض و نحن نحيي جرير بحماس حين يقول: (أنا الدهر يفني الموت و الدهر خالد..) أو المتنبي ( أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي..) ، و نستنكر في الحين ذاته كلمة القذافي لمّا يقول (أنا الثورة*)، نرى القذافي مستبد ديكتاتور لا يقيم لسواه وزنًا و هو القائل (من أنتم؟ يا جرذان*)، لكننا نطرب جدًّا لما يقول القائل (و ما عليّ إذا لم تفهم البقر) !

هناك مشكلة حقيقية في خواص الوعي/ اللاوعي في عقولنا، فمن غير الممكن أن نقبل بوعي تام في قصائد شعراءنا العرب كل الأفكار الديكتاتورية الرافضة للآخر و التي تصور صاحبها و كأنه كائن سماوي أُنزل للأرض إكرامًا لها (… أنا الثريا وذان الشيب و الهرم) (…و إذا نطقت فإنني الجوزاء) ، و تنسف الآخر حدّ وصفه بكل الصفات القبيحة غير المقبولة (..فكأنه قرد يقهقه أو عجوز تلطم، و تراه أصغر ما تراه ناطقًا و يكون أكذب ما يكون و يقسم)، ثم نستهجن خطابًا يحوي هذه الأفكار ذاتها للقذافي الذي تربى معنا في بيئة ثقافتها العربية تمجّد هذا النوع من أبيات المديح المستحيل و تطرب للهجاء المقذع!

خطاب القذافي أثار ضجة قلما يثيرها خطاب، ربما لأنه الواثق بنفسه حدّ تقزيم العالم كلّه أمامه، أوليس الذي قال (كان الليبي بالأمس ليس له هوية، فعندما تقول ” ليبي” , يقولون لك ” ليبيريا ؟، لبنان ؟ “، لا يعرفون ليبيا. أما اليوم فعندما تقول ” ليبيا”، يقولون لكم آه ليبيا القذافي؛ ليبيا الثورة.*) ، إنه يذكرني بالذي قال (إذا قلت قولًا أصبح الدهر منشدًا) ، ولو حاولنا أن نبحث عن أسباب نشوء هذا النوع من المستبدين في مجتمعاتنا نجد أننا شعوب متأثرة بكل القيم الثقافية المعطوبة التي تتوارثها الأجيال العربية، فمن الطبيعي أن ننتج مستبد طاغية يتغنى بنفس الأبيات التي نصفق لها مذ كنّا بحماسة بل و يحاول تطبيق مضامينها فعليًا بجبروته، و ليس من الغريب أن نجده مستعملًا _كما نحن أيضًا_ كل ما يملك من خيال لصناعة لغة بلاغية تحميه من النقد و توحي لمن يسمع ما يقوله بأنه شخص خارق لقوانين الطبيعة التي تجري على بقية البشر، فهو كبقية الحكّام العرب منذ عصور الأمويين؛ لا يخطئ أبدًا بل دائمًا على حق، و تصرفاته ليست موضع نقد بل هي أسمى من أن تُنتقد، لا يصح أن يوجه إليه غير المديح، و من غير المقبول أن تهتف له الجماهير بغير هتافات مؤيدة تمجيدية تضعه مع الله و الوطن في زوايا مثلث ما يُفتدى بالروح، و من المرفوض تمامًا أن يأتي من يتجرأ ليشير إلى معايبه أو يوجهه لإصلاح أخطاءه، فهو المصيب وإن اخطأ، و هو المجيد و إن أفسد!

Continue reading “شعراؤنا و القذافي!”

علوم الحاسب والتقنية

في الاعتزال التقني

20110903-064852.jpg

لطالما تحدثت عن ضرورة الاعتزال وجدواه رغم أني لم أجربه فعليًا سوى مرتين. الأولى كانت في رمضان ما قبل الماضي، وقد اقتصرت على استخدام تويتر وخرجت منها برؤية -قد تكون شخصية- جسدتها في ثلاث تدوينات شرحت من خلالها ما خرجت به من هذه التجربة. أما الثانية، فقاربت الثلاثة أسابيع وابتعدت فيها عن الإنترنت كليةً بسبب انقطاعه عن الحي وكانت أبرز نتائجه: عودتي للقراءة الجادة. هذه المرة كررت التجربة وابتعدت فيها عن الإنترنت وبقيت برفقة جهازي اللوحي والتطبيقات المثبتة عليه.

بالنسبة لي، لا يشكل الإنترنت ولا أدوات الوصول إليه أدنى مشكلة لطبيعتها التقنية وإنما تكمن مشكلتي معه في الوقت الضائع بلا جدوى. في الوقت الذي يمضي في التنقل بين الصفحات والروابط والدخول في تفاصيل الآخرين التي لا تضيف لي فائدة فكرية ولا تزيد قوة علاقتي بهم، لأجدني بنهاية اليوم قمت بتخزين كميات كبيرة من الروابط لقراءتها لاحقًا وقائمة مهام تزداد طولًا وفروض جامعية لم تتم ورؤوس أقلام ما انتهيت من تسويدها. لهذا فمفهوم الاعتزال التقني عندي مقتصر على قطع العلاقة مع الشبكة بما فيها وقضاء وقت لإنجاز المهام المكدسة والتي لم يتسنى لي إتمامها مع الإنترنت. بالرغم من هذا، لا زلت أتمنى فرصة اختيارية أبتعد بها عن كل الأمور المتصلة بالتقنية، طبعًا بعد إتمام مهامي وإلا سأظل منشغلة الذهن بها!

Continue reading “في الاعتزال التقني”