لمحة حول “الله والإنسان في القرآن”

عند الحديث عن كتاب كـ“الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم” فإن القارئ يواجه حيرة في اختيار بداية مراجعته؛ فهو إما أن يستفتح المراجعة بالحديث عن المؤلف، كتابه أو الموضوع الذي اتخذه فكرةً لهذا الكتاب وجميع هذه العناصر تملك ما يؤهلها لرفعها للمقدمة. سأختار الخيار الثالث؛ ففكرة الكتاب علاوةً على تفردها فهي تصلح بشكل أساسي كمدخلٍ للمراجعة.

من بين العديد من المقاربات التي تصح قراءة القرآن في ضوئها والتي تتراوح حداثتها وتوجهات أصحابها وبالتالي مدى اقترابها من الحقيقة التي يهدي إليها القرآن؛ اختار إيزوتسو المقاربة غير المطروقة من قبل ساعده في هذا ذكاؤه اللغوي الملفت واهتمامه بالشعر العربي وتاريخه. توشيهيكو إيزوتسو هو باحث ومستشرق ياباني كرس وقته لدراسة القرآن ليقدم بهذا رؤية جديدة تضاف لمحصلة العقل البشري.

عنوان الكتاب يحمل جاذبية خاصة نظرًا للإبداع في اختيار موضوعه؛ إذ يتكلم عن العلاقة بين الله والإنسان ويأتي لفظ الإنسان ليدل على شمولية هذه العلاقة وعالمية الكتاب باستهدافه لأي إنسان. هذه العلاقة هي الرؤية الفلسفية التي يقدمها القرآن للعالم والتي يحاول إيزوتسو الحديث فهمها وشرحها لنا.

في البداية لا بد أن يطرأ سؤال عن طبيعة علم الدلالة وعن إسقاطه على الرؤية القرآنية للعالم. علم الدلالة هو العلم الذي يهتم بدراسة المعنى وتعريف الكلمة، وبناءً على هذه الحقيقة، يقوم إيزوتسو بوضع “معنى” لعلم الدلالة حسب فهمه وتصوره هو. إذ يفهمه على أنه فلسفة من نوع جديد تقوم على تصور جديد للكينونة والوجود ويتسع هذا التصور ليتغلغل في نواح عديدة من العلم التقليدي وبالتالي لتفاصيل أكثر في حياة البشرية. علم الدلالة بهذا التعريف يكون بمثابة “دراسة تحليلية للمصطلحات المفتاحية الخاصة بلغة ما، تتطلع للوصول في النهاية إلى إدراك مفهومين للرؤية للعالم الخاصة بالناس الذين يستخدمون تلك اللغة كأداة ليس للكلام والتفكير فحسب بل الأهم كأداة لمفهمة العالم وتفسيره.”

بهذا نجد أن الكتاب يتحدث عن الرؤية القرآنية للعالم عبر تفصيل المصطلحات وتقسيمها وتحديد المنهجية المتبعة في هذا التقسيم. ويتضمن آخر الكتاب قائمة للتعريف بالمصطلحات الواردة والمستخدمة في علم الدلالة كرؤية العالم، الشبكة المفهومية، المعجم…إلخ والتي ستعطي قراءتها مفاتيح جيدة لفهم الكتاب وتتبع معانيه. كذلك فإن مقدمة الكتاب بقلم الدكتور هلال محمد الجهاد ومراجعة فضل الرحمن ستشكلان مدخلًا غنيًا لهذا الكتاب.

الكتاب مقسم على تسعة فصول:
علم الدلالة والقرآن
المصطلحات المفتاحية القرآنية في التاريخ
البنية الأساسية للرؤية القرآنية للعالم
الله
العلاقة الوجودية بين الله والإنسان
العلاقة التواصلية بين الله والإنسان: التواصل غير اللغوي
العلاقة التواصلية بين الله والإنسان: التواصل اللغوي
الجاهلية والإسلام
العلاقة الأخلاقية بين الله والإنسان

هذا الفهم الذي يخلص إليه إيزوتسو هو نتيجة دراسة متعمقة للشعر العربي الجاهلي وللطبيعة العربية والثقافية السائدة في ذاك الوقت والتي يتخذها منطلقًا لتفسير ردود أفعالهم على الرؤية القرآنية. ومن ثم ما أحدثته هذه الرؤية لدى معتنقيها وبالتالي ما يجب علينا إزاءها. قراءة الكتاب تعطي انطباعًا جديدًا بإثرائها للثقافة العربية عند قارئه. بالإضافة للفت نظر القارئ لأفكار في غاية الأهمية مما سيغير علاقته بالقرآن.

_______________
*إلى جانب الأمور الكثيرة التي تعلمتها من الكتاب، تعلمت ألا أقطع قراءة أي كتاب وألا أؤجل كتابة مراجعته!

Advertisements

One Comment

  1. بالفعل، لو كتبت أنا مراجعة عن هذا الكتاب لكنت صدرتها بالحديث عن المؤلف، جزء من جاذبية الكتاب كما أقدر أن كاتبه ياباني، ذات جاذبية كتاب نوبوكي نوتوهارا (العرب.. وجهة نظر يابانية)، تعودنا كعرب ومسلمين على أن يتناول مثل هذه المواضيع مستشرقون شقر، ذوي خلفية مسيحية، فلذا نشعر بالفضول لكيف سيبدو الأمر من وجهة نظر يابانية – ما أذكى عنوان نوبوكي، عنوان يبيع كما يقال -، على أي حال لنترك المستشرق الياباني – حتى وصفه بكلمة مستشرق غير دقيقة 🙂 -، ونركز على الموضوع.

    الله والإنسان في القرآن، هل الكتاب معني برؤية القرآن حول العلاقة بين الله والإنسان؟ أي أن المؤلف ركز على العلاقة مستخدما ً علم الدلالة كمنهجية؟

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s