اجتماعيات

مع ميسي، درسٌ في الانتماء

20110923-044403.jpg

قبل فترة كنت في الحرم النبوي وفي الساحة تحديدًا سمعت صبيًا لا يتجاوز السبع سنوات يقول لوالده: “ميسي لعّيب يا رجل” ذهبا في اتجاه معاكس لسيري وبقيت أفكر في ثلاثتهم: الصبي، ميسي والانتماءات الضائعة! حاولت أن أبعد عن ذهني فكرة ضياع الانتماءات والتكون الجديد لها، لكن حصل موقف أقوى في دلالته من الذي سمعته؛ فإذا فهمنا أن الحرم هو المكان الأقدس لأداء العبادة وأخذنا بعين الاعتبار أنهما تحدثا عن ميسي وقت خروجهما من الحرم أي وقت الانتهاء المجازي من أداء شعيرة دينية واستقبال صخب الحياة واستطعت ألا أحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، فإن الموقف الثاني -في هيكله الخارجي- على نقيض الأول تمامًا.

في المرة الثانية حصل تمثيل الانتماء بطريقة يتوازى فيها المقدس الموروث مع المبدأ الجديد، حيث يحتل كلا الطرفين قيمة عليا في تكوين الفرد وصهره في جماعة أكبر تدين بالولاء والانتماء لهذين الطرفين. في رمضان الماضي شاهدت برنامجًا تلفزيونيًا على محطة الفرات العراقية، يهدف لمساعدة الأسر التي تعيش تحت ظروف صعبة ويقدم لهم المعونات بطريقة إنسانية؛ حيث يقدمون لهم وجبة إفطار بالمشاركة مع فريق عمل البرنامج. في تلك الحلقة، كانت الأسرة تعيش بمنطقة صحراوية منعزلة، داخل منزل طيني متواضع. وبطبيعة الحال كان المنزل مؤثثًا بطريقة بسيطة جدًا. أثناء تجول المذيعة، وقفت كاميرا المخرج على ملصق كبير يعرض بورتريه تخيلي للحسن والحسين عليهما السلام. قوة الانتماء هذه وسط الظروف التي يمر بها العراقيون وهذه الأسرة تحديدًا، كانت دليلًا على تجذر المبدأ بداخلهم وتغلبه على كل شيء يحاول تهديده. وقتها سبحت في التفكير بلحظة تركهم لمنزلهم الأول قبل الظروف التي أجبرتهم على تركه وغرقت أكثر في اللحظة التي بحثوا فيها عن هذه الملصقات وعن عنايتهم بها طوال الطريق حتى استقر بها الحال على ما هي عليه. لم يعكر صفو هذا التأمل سوى ملصق آخر وضع بجانب الأول وعليه صورة لفريق كرة قدم عالمي!

ولئلا أدخل في متاهات تتعلق بتاريخ هذا الملصق وتاريخ تثبته على الحائط، افترضت أنها وضعت لمجرد التزيين باعتبارها إحدى وسائله في منزل بتلك البساطة. إلا أن وضعها بجانب صورة العلمين الأكثر قداسة لدى الشيعة هو مؤشر على قوة الانتماء الحديثة ومدى موازاتها للانتماء القديم حتى اتخذت هذا الشكل الملفت. هذا الانتماء يعمل على تكوين الفرد اليوم كما كونه الانتماء القديم سابقًا. ورغم ما احتاجته الأفكار والمبادئ القديمة من زمن ومواجهات فكرية وعسكرية لإثبات جدارتها، إلا أننا نجد أن منظومة الأفكار والمفاهيم الجديدة التي تحملها لنا ثقافة كرة القدم (الدين الكروي كما يسميه الدكتور مصطفى حجازي) تمكنت من التغلغل لأذهان الناس والتأثير فيها لحد قد يوازي التعبير عنه، التعبير عن الانتماء الديني والمذهبي. بعد هذه الحلقة، لم يعد من المستغرب أن يكون ميسي مادة للحديث داخل أسوار الحرم، منافسًا بهذا المواضيع الدينية والأحاديث العامة بين الناس والتي مهما تشعبت إلا أنها تظل محتفظةً بطابعها الديني.

هذان المشهدان يعكسان بجلاء مدى تأصل الانتماء وارتباط الفرد برموزه ويعلنان بشكل قاطع الدلالة: أن الكرة نجحت فيما فشلنا فيه؛ إذ كونت مجتمعًا عالميًا تربطه روابط شبه موحدة إلا أنها قوية وقادرة على التحكم في علاقات الناس بطريقة تحدد لهم تعريفات المفاهيم التي تحكم هذه العلاقات. هذا المجتمع استطاع لحدٍ كبير تجاوز الاختلافات البسيطة والمشاكل القائمة بين الثقافات المختلفة، كما استطاع جسر الهوة بين العوالم المختلفة في مستوياتها الاجتماعية. ولم تكن الكرة الناجح الوحيد في تكوين مجتمع والحفاظ على ولائه لمبادئه وانتماءاته بهذه الطريقة، وإنما نجحت الشركات في لعب هذا الدور أيضًا؛ إذ نجد أنها تستطيع تكوين علاقة بين شخصين لمجرد أنهما يملكان المنتج نفسه وهذه نقطة تفخر بها الشركات حتى أن بعضها يعرض إعلاناتٍ تجارية قائمة على هذه الفكرة.

كل هذا يضعني بمواجهة سؤال لطالما تجاهلته حول طبيعة الانتماء السعودي ومدى تجذره لدينا. إذ نعاني مشكلةً تتمثل في تهميش الانتماء الوطني وتضخيم الانتماءات الأخرى. ولا يعني الولاء للانتماء الأول ضرورة القضاء على الانتماءات الأخرى لترسيخه؛ فالحاجةُ للانتماء حاجةٌ فطرية لا يشبعها الولاء لانتماء واحد. وكما تُفرض على الإنسان ألوانٌ من الانتماءات، سواء كانت ربانية أو أسرية إلا أنه يملك الخيار في انضوائه تحت جماعات أخرى يستطيع من خلالها التعبير عن آرائه وتكوينها؛ حيث تضمن له هذه الجماعات حصانةً تمكنه من التفكير والتقرير بشكل طبيعي. لكن الذي يحصل لدينا هو التعصب لهذه الانتماءات بطريقة تلغي الآخر، ولم يكن من العدل جعله آخرًا في حين تصر اللغة على جمعنا بضمير “نحن”. بهذا، بدل أن يكون هناك ولاء للوطن، نجد أن هناك ولاءات عدة تتنافس معه: للمنطقة بثقافتها العامة، للمدينة بأساليب الحياة ومهنها، وأخيرًا للأصل حيث تبدأ أزمة الاحتكاكات فيما بين القبلي وغير القبلي وداخل كل منهما توجد عدة تصنيفات أسستها أزمات تاريخية وصار تجاوزها انتهاكًا للقيم الثقافية التي تربى الفرد عليها وبالتالي فأي مواجهة لها هي بمثابة خيانة عظمى للمنظومة التي عملت على تربية هذا الفرد وتثقيفه. وجدير بالذكر أن هذه التقسيمات طبيعية، لكن المشكلة هي أننا فشلنا في التعايش الطبيعي معها، حتى أصبحت بمثابة مهدد لأمن واستقرار الوطن والتي تأخذ بدورها أشكالا عدة مدعية الفرح مرة في العام وبطرق أخرى طوال العام. لكني لازلت مؤمنةً بأن تهميش الانتماء جاء كنتيجة لتهميش أصحابه. أي أنه حتى لو كان ميسي سعوديًا، فلن يتم حل أزمتنا مع الوطنية ما دمنا نعامل أنفسنا بناءً على الاختلافات والأفكار الموروثة حولها وما دامت قضية الانتماء خارج اهتمامات الإنسان على هذه الأرض.

Advertisements

One thought on “مع ميسي، درسٌ في الانتماء

  1. مقارنتك موضوعية، أي عقلانية إلى حد كبير.. تشكرين عليها.
    لكن الحلول المطروحة للانتماء (في بلدكم) لا ترقى للمشكلة..
    أختي الانتماء الوطني يكون إما برابطة الدم (وبالتالي تتجسد القومية، وهي العروبة لديكم)
    وإما برابطة الأرض (وتتشكل قومية من وجهة النظر الفرنسية والأمريكية)
    … والواقع أنه لا بد من حدود معينة لتداخل الشكلين.
    لكن في بلدكم حيث كان شيوخ الدين الوهابيين وزعماء نجد آل سعود يخططون ويوسعون السيطرة، فإن الدين كان هو ما اقترحوه ليكون هو الوطن.
    والانتماء الروحي (أي الدين) مختلف عن الانتماء الوطني اختلاف الانتماء الكروي عنهما.

    فما هو الحل برأيك؟؟؟؟؟
    أليس واضحاً؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s