كيف عبر السعوديون 2011 ؟

كلنا نعرف حقيقة أن المجتمع السعودي يعاني من “فوبيا التغيير”، إذ نجده يتمسك بأدق التفاصيل التقليدية لنمط الحياة الاجتماعية فيه و يحارب أي تطور قد يهزّ ثبات تقليديته، بدءًا من محاربته للتعليم النظامي ثم تعليم البنات مرورًا بمشاكل القبول بالراديو ثم التلفزيون وصولُا إلى الخوف غير المبرر من الانترنت أو تقنية البلوتوث مثلاً.  هنا؛ قد تطرق أذهاننا أسئلة مستفسرة عن ردة الفعل داخل هذا المجتمع المعقدّ و الرافض للتغيير تجاه الثورات التي غيّرت المنطقة تغييرًا جذريًا، هل تطوّرت تركيبته الثقافية؟ و هل شكلت أحداث 2011 المتزاحمة انعطافًا في ثقافة التغيير فيه؟

في الحقيقة، كانت بدايات (2011م – 1431 هـ) مفاجئة للجميع داخل الوطن العربي و خارجه، حيث تصاعدت وتيرة الثورة الشعبية في تونس قبل بدايات هذا العام حتى وصلت ذروتها في 14 يناير، و تناقل الناس خبر “هروب” بن علي من تونس على متن طائرة طافت به حول العالم لتستقر به أخيرًا في السعودية، مثل بقية رؤساء العالم المخلوعين، و حدث هذا بترحيب حكومي ضاربًا عرض الحائط رفض الشعب لهذا الاستقبال .

بدأت ثورة تونس في ديسمبر من عام 2010 و استمرت لأكثر من شهر، حاول خلالها بن علي أن يحافظ على استقرار حكمه بالوعود و العطايا، و كان العالم يراقب حينها تلك المظاهرات ضدّ البطالة و غلاء الأسعار _كما وصفت_  بروتينية، معتقدًا أنها ستنتهي بهدوء مشابه لهدوء وسائل الإعلام خلال تغطيتها لهذه المظاهرات.

نجحت تلك المظاهرات/ الثورة في تونس، و بنجاحها في استبعاد أحد المستبدين العرب، اشتعل الأمل في الشعوب العربية و آمنت بعد كفرها بـ

إذا الشعب يومًا أراد الحياة      فلابدّ أن يستجيب القدر

 بدت الشعوب حينها و كأنها اكتشفت فجأة أنها وحدها من تملك حق تقرير مصيرها، و تتالت بعد ذلك انتفاضات الشعوب رافضًة الظلم و القمع و الفساد و الاستبداد حالمًة بكثير من العدل و الحرية، و بسرعة غير معقولة تفشّى مفعول هذا الأمل في الشعوب العربية الأخرى فانتفضت ليبيا و مصر و اليمن و سوريا ضدّ طغاتها، كما طالبت كثير من الشعوب الأخرى بكامل حقوقها بعد طول صمت.

رد الفعل السعودي تجاه الثورات : ثورة حنين (1)

اللافت حقًا، أني منذ بداية الثورات العربية إلى اليوم لم أجد من التفت إلى تأثير هذه الاهتزازات على المجتمع السعودي، و على الرغم من أن كتّابنا حللوا و انتقدوا و بالغوا في استشفاف ما خلف الموقف العربي، إلا أن أيّ منهم لم يخرج لنا بقراءة نقدية لردة الفعل للشعب السعودي تجاه أحداث 2011، و مدى تأثيرها عليه!

و يبدو أننا كنّا _هنا في السعودية_ خلال سير الأحداث نراقب الثورات ثم نباركها و نحاربها في آن واحد؛ نباركها نحن الشعب طمعًا بانتصار المستضعفين، في حين تحاربها حكومتنا السعودية خوفًا من أن تفقد بعض حلفاءها (مصر و اليمن مثلًا) أو أن تصل لها عدوى المطالبة الشعبية.

و يبدو أن هذا ما حدث فعلًا، و لا أظن أن دولة عربية عبرت 2011 دون أن تصلها عدوى الانتفاضات الشعبية؛ و كذلك الدولة السعودية، إذ ظهرت في منتصف فبراير _تقريبًا_ من عام 2011 دعوة على المواقع الاجتماعية تدعو للاحتشاد ثم التظاهر للمطالبة بمطالب مبهمة و غير واضحة، عُرف التنظيم باسم (ثورة حنين) و اختار المنضمون يوم الجمعة 11 مارس موعدًا لاحتجاجاتهم.

لاقت ثورة حنين رواجًا نسبيًا في العالم الإلكتروني فيما فشلت فشلًا ذريعًا على أرض الواقع، و يبدو أن أبرز مسببات هذا الفشل هو غموض المطالب المنشودة من هذا الاحتشاد، إذ قد يتفق مواطن و آخر على المطالبة بإيجاد حلول للبطالة و زيادة الأسعار مثلًا، في حين يكون من الصعب أن يتفقوا على أكثر القضايا الحقوقية الأخرى، خصوصًا و نحن ندرك حجم المسافة المكهربة الفاصلة بين التيارات الثقافية، الطبقات الاجتماعية، الفئات العمرية… هنا في السعودية.

و يبدو أن المجتمع السعودي اعتاد على أن يخوّن كل من روّج لهذه الثورة أو مثيلاتها، ربما يكون خوف المجتمع _كما أسلفنا_ من التغيير سببًا للرفض الشعبي لفكرة الاحتجاج، ثم لأن مصطلح “الثورة” وحده قد يسبب حالة من الهلع داخل أفئدة الشعب المعتاد و المطمئن على حالة الهدوء و الركود التي تعيشها المملكة، زد على هذا كلّه الحماس الطائفي الذي اشتعل داخل المجتمعات الشيعية في السعودية مما زرع ألف ظن و ظن في النوايا التي قد تكون خلف التنظيم هذا، إضافة إلى تفشّي وباء الطائفية _أصلًا_ داخل المجتمعات السنّية في السعودية. النتيجة؛ أنه في نهار الجمعة الموعود لم يخرج أحد من بيته، إذ خلت الشوارع تقريبًا و اتضح فشل الخطة! و بذلك اندثرت فكرة الثورة السعودية تمامًا كما يبدو.

دولة الحقوق و المؤسسات (2)

أما بيان دولة الحقوق و المؤسسات،  و الذي وقعّ عليه عدد كبير من الشخصيات السعودية البارزة في مجالات مختلفة، ما بين إعلاميين و أكاديميين و دعاة؛ إضافة إلى كثير من الشباب السعودي. فقد استند إلى مطالب واضحة، منطقية، شعبية، و توجّه بطريقة تقليدية إلى الحكومة السعودية التي قابلت البيان بكثير من التجاهل في محاولة لإسقاط أهميته و ركنه إلى النسيان، في حين تبدو المطالبة ببنوده و كأنها لازالت مستمرة.

النخبة الدينية في السعودية

هاتان الحادثتان كانتا خلاصة رد الفعل الشعبي على موجة التغيير التي عبرت الوطن العربي خلال 2011، أما النخبة الدينية في السعودية، فقد ماشت المصلحة السياسية السعودية بذكاء ملحوظ عبر الفتاوى الفقهية، في البدء أثناء الثورة المصرية على نظام حسني مبارك “الصديق المقرب لحكومة السعودية”، حين عبّر المفتي العام للسعودية عن رؤيته تجاه الثورة المصرية باعتبارها نوع من الإفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا، بتخطيط من أعداء الأمة الذين يوهمون الشعوب بقدرتهم على الوصول إلى حكم عادل فيما هم يقودون مجتمعاتهم إلى الهلاك؛ فـ” امسك قردك لا يجيك أقرد منه” بالإضافة إلى أن طاعة وليّ الأمر في منظوره واجبة “ولو ضرب ظهرك و أخذ مالك”.

ثم في المرحلة الثانية من دعم النخبة الدينية للحكومة و إثبات الوفاء لها، حيث كانت في الفترة السابقة لجمعة 11 مارس، فخلال هذه المرحلة أصدر المفتي العام للمملكة بيانًا يتضمن فتوى فقهيه تنص على تحريم المظاهرات بخيرها و شرها، و اعتبارها نوعًا من الإفساد في الأرض و الذي يستحق فاعلة عقوبة التعزير شرعًا.

و بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع مضمون الفتوى، لازلنا نتساءل لليوم عن عقوبة المفسدين في الأرض المتسببين بحادثتيّ سيول جدة الأولى و الثانية، بعد مرور أكثر من سنتين على إنشاء “لجنة التحقيق في قضية سيول جدة و معاقبة المتسبب بها كائنًا من كان”!. اللافت للنظر؛ هو قوة الأمل داخل نفوس الشعب السعودي، مما يجعلهم مترقبين إلى هذه اللحظة؛ رد فعل من لجنة التحقيق في سيول جدة و نتيجة لمحاكمة المتهمين فيها.

Continue reading →

المرأة، المتن والهامش

20111104-093307 PM.jpg

لا زالت الثقافة تمارس دورها التهميشي للمرأة وبمباركة أولية منها. هذه المباركة تتخذ أشكالًا عدة لعل أسوأها ذاك المتمثل في نضالها الموسوم بـ”قضية المرأة”. فمجرد ارتباط وجودها وفعالية هذا الوجود بكلمة مثل قضية، يعني أننا أمام أزمةٍ تقول بأن المرأة كائنٌ مزعجٌ للحضارة ومجتمعها التقدمي، تمامًا كأي قضية سيئة نحاول تخليص البشرية منها. لهذا وبدل أن تستجدي الرجل والثقافة الذكورية حل معضلتها التي نزلت بهم وإعادة متنها المسلوب، عليها الاهتمام بذاتها وما تطمح إليه هذه الذات. وإلا ستنتهي بها وصايا هؤلاء إلى تحويلها لكائن آخر (رجل أو آلة) أي سلبها قيمها الأنثوية والإنسانية.

ولا شيء يسلب المرأة قيمتها كأنثى وقيمها كإنسان فاعل له حرية التفكير والتقرير، غير رضاها بدور الرجل السلطوي في حياتها. وهو دور يمكن تفاديه، لو أن المرأة أدركت أهمية الانتقال من تجاهل أمر قضيتها لأمر تفعيل وجودها. إلا أن فشل الأنثى في التعبير والتأثير كان الدافع الأقوى لاحتلال الرجل كل هذه المساحات في حياتها وفرض قوانينه عليها وجعلها مجرد هامشٍ على هذه المساحة. وفي هذه المساحة الهامشية تقف المرأة أمام ثلاث خيارات: الرضا بهذا الهامش، بناء مساحة خاصة مصبوغة بالتمرد السطحي مما ينقل الحياة مع الرجل لمرحلة المعارك بين هذه المساحات وقوانينهما، والثالث هو أن تستعيد مساحتها المسلوبة وتعيش عليها وفق شروطها هي.

لكن المرأة ما إن تبدأ باستعادة هذه المساحة/المتن والعيش عليها، حتى ترتكب أفظع أخطائها على الإطلاق: الاكتفاء بالتعبير والمطالبة بفعل الكلام! بحيث يتجاوز عدد الناشطات والحقوقيات، عدد الفاعلات وتكتظ الصحف وصفحات الإنترنت بكلام لنساء وفتيات “قاعدات”. وعلاوةً على الصورة السلبية التي ينقلها هذا الخطأ، نجد أنه ينضوي على خطأٍ أكبر حيث يحمل هذا التصرف اعترافًا بفوقية الرجل وتغدو المرأة مجرد كائن يطالبه بإرجاع حقوقه. وهذه المطالبة رغم أشكالها العديدة، إلا أننا نستطيع تلمس ملامح فارقة فيها وهي ملامح تعطي صورة نمطية عن الناشطات والحقوقيات بل وحتى أي أنثى رافضة لهذا التهميش الذي يقع عليها. هذه الصورة تتسم بنقطتين كلتاهما تحكيان ارتباط المرأة بثقافتها المحلية: التمرد والانتماء. ولو أردنا توضيح هذه النقطة من ناحية سعودية فلنا أن نرى إصرارها على الخروج عن النمط العام لمجرد أنه نمط ارتبط بالسلطة الذكورية. وهي من جهة أخرى تصر على انتمائها لهذا النمط وثقافته السائدة وتعلن أنها “بنت البلد” لتثبت أن هذه آراؤها الخاصة والتي لم تتدخل فيها الأيدي الخارجية! وهاتان السمتان متكررتان في الثقافات الأخرى مع فارق الشكل، مما ينبي بوجود أزمة إطار عام وافتقار للمنطلق الراسخ. وغني عن القول أن ضعف المنطلقات يؤدي لضعف الأفكار المنبثقة عنها ولهذا يبحث المرء تلقائيًا عن أرضية صلبة ينطلق منها.

والسؤال الذي جرني لكتابة الموضوع هو هل يشكل الإسلام المنطلق المناسب بقوته وصحته؟! وهو سؤال لا يقتضي اللجوء للإمام، بل إن إجابته سابقة للفقه. فهو سؤالٌ يبحث في أصل رؤية القرآن للمرأة وطبيعة دورها على الأرض. فهل تحظى المرأة بتقدير الرؤية القرآنية؟ وهل يعطيها الإسلام متنها غير منقوص؟
Continue reading →