المرأة، المتن والهامش

20111104-093307 PM.jpg

لا زالت الثقافة تمارس دورها التهميشي للمرأة وبمباركة أولية منها. هذه المباركة تتخذ أشكالًا عدة لعل أسوأها ذاك المتمثل في نضالها الموسوم بـ”قضية المرأة”. فمجرد ارتباط وجودها وفعالية هذا الوجود بكلمة مثل قضية، يعني أننا أمام أزمةٍ تقول بأن المرأة كائنٌ مزعجٌ للحضارة ومجتمعها التقدمي، تمامًا كأي قضية سيئة نحاول تخليص البشرية منها. لهذا وبدل أن تستجدي الرجل والثقافة الذكورية حل معضلتها التي نزلت بهم وإعادة متنها المسلوب، عليها الاهتمام بذاتها وما تطمح إليه هذه الذات. وإلا ستنتهي بها وصايا هؤلاء إلى تحويلها لكائن آخر (رجل أو آلة) أي سلبها قيمها الأنثوية والإنسانية.

ولا شيء يسلب المرأة قيمتها كأنثى وقيمها كإنسان فاعل له حرية التفكير والتقرير، غير رضاها بدور الرجل السلطوي في حياتها. وهو دور يمكن تفاديه، لو أن المرأة أدركت أهمية الانتقال من تجاهل أمر قضيتها لأمر تفعيل وجودها. إلا أن فشل الأنثى في التعبير والتأثير كان الدافع الأقوى لاحتلال الرجل كل هذه المساحات في حياتها وفرض قوانينه عليها وجعلها مجرد هامشٍ على هذه المساحة. وفي هذه المساحة الهامشية تقف المرأة أمام ثلاث خيارات: الرضا بهذا الهامش، بناء مساحة خاصة مصبوغة بالتمرد السطحي مما ينقل الحياة مع الرجل لمرحلة المعارك بين هذه المساحات وقوانينهما، والثالث هو أن تستعيد مساحتها المسلوبة وتعيش عليها وفق شروطها هي.

لكن المرأة ما إن تبدأ باستعادة هذه المساحة/المتن والعيش عليها، حتى ترتكب أفظع أخطائها على الإطلاق: الاكتفاء بالتعبير والمطالبة بفعل الكلام! بحيث يتجاوز عدد الناشطات والحقوقيات، عدد الفاعلات وتكتظ الصحف وصفحات الإنترنت بكلام لنساء وفتيات “قاعدات”. وعلاوةً على الصورة السلبية التي ينقلها هذا الخطأ، نجد أنه ينضوي على خطأٍ أكبر حيث يحمل هذا التصرف اعترافًا بفوقية الرجل وتغدو المرأة مجرد كائن يطالبه بإرجاع حقوقه. وهذه المطالبة رغم أشكالها العديدة، إلا أننا نستطيع تلمس ملامح فارقة فيها وهي ملامح تعطي صورة نمطية عن الناشطات والحقوقيات بل وحتى أي أنثى رافضة لهذا التهميش الذي يقع عليها. هذه الصورة تتسم بنقطتين كلتاهما تحكيان ارتباط المرأة بثقافتها المحلية: التمرد والانتماء. ولو أردنا توضيح هذه النقطة من ناحية سعودية فلنا أن نرى إصرارها على الخروج عن النمط العام لمجرد أنه نمط ارتبط بالسلطة الذكورية. وهي من جهة أخرى تصر على انتمائها لهذا النمط وثقافته السائدة وتعلن أنها “بنت البلد” لتثبت أن هذه آراؤها الخاصة والتي لم تتدخل فيها الأيدي الخارجية! وهاتان السمتان متكررتان في الثقافات الأخرى مع فارق الشكل، مما ينبي بوجود أزمة إطار عام وافتقار للمنطلق الراسخ. وغني عن القول أن ضعف المنطلقات يؤدي لضعف الأفكار المنبثقة عنها ولهذا يبحث المرء تلقائيًا عن أرضية صلبة ينطلق منها.

والسؤال الذي جرني لكتابة الموضوع هو هل يشكل الإسلام المنطلق المناسب بقوته وصحته؟! وهو سؤال لا يقتضي اللجوء للإمام، بل إن إجابته سابقة للفقه. فهو سؤالٌ يبحث في أصل رؤية القرآن للمرأة وطبيعة دورها على الأرض. فهل تحظى المرأة بتقدير الرؤية القرآنية؟ وهل يعطيها الإسلام متنها غير منقوص؟

إذا سلمنا بأن الإنسان هو أشرف خلق الله فهو وحده من منح مزية الاستخلاف، فإننا سنكون أمام مفاضلة جديدة بين بني آدم، يصطفي الله فيها ما يشاء من عباده ويمنح بعضهم مزايا استثنائية. قصة سيدنا موسى تحمل العديد من النقاط الاستثنائية التي خصه الله بها ولعل أكثرها بروزًا هو كونه كليم الله. ولو عدنا إلى الوراء لنفهم كيف تيسر له الحصول على هذا الشرف فسنجد أنه الكائن الوحيد الذي قال الله في حقه: “وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي” مما يعني أن حياته محاطة تمامًا بشرفٍ عظيم هيأه ليكون كليم الله. اختاره الله ليصنع على عينه، فأي مسار أرضي يقدره الله لكليمه؟ لم يكن مسارًا سهلًا أبدًا، إنه مسار يجابه فرعون في عدة مراحل! ويتساءل العقل مندهشًا: كيف لكائن قدر الله له أن يصنع على عينه ويترك لمواجهة فرعون؟ أي مخلوق غيبي هذا الذي سيرافق موسى في معركته الأهم؟ وتستحضر الذاكرة اسم البراق، وسرعته التي تتجاوز سرعة الضوء، عندما يخلق الله الطبيعة ويخلق كائنًا يتجاوز هذه الطبيعة لأجل رجل واحد، لمهمة واحدة. الاسراء والمعراج تطلبا كائنًا بعظمة البراق، فأي قوةٍ غيبية يتطلبها الوقوف بمواجهة فرعون؟!

“أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي”
طه-39

الخطاب موجه لأنثى! الآيات لا تتحدث عن كائن خارق للطبيعة، الآيات تتحدث عن كائن طبيعيٍ تمامًا، بالأدق كائن طيني مثلنا. وفي أكثر الحالات التي يحتاج المرء فيها قوةً غيبية لتحميه، نجد أن الله يتحدث عن امرأة. والملفت أنه حتى الرجل محذوف من هذا الخطاب، القرآن كله لم يشر -مثلًا- لوالد سيدنا موسى! الآية تدور بالكامل حول المرأة وبالتحديد حول أسوأ ما يمكن أن يحل بامرأة: تهديد ابنها بالقتل. بل إن الآية توغل في إدهاشنا وتبتدئ بأكثر الخيارات استحالةً وصعوبة؛ إنها تعطي أمرًا بأن تقذف ابنها في اليم وهو خيار أشد هولًا من رؤية ابنها مقتولًا على يد جنود فرعون؛ حيث ستصير قاتلة بدل أن تظل شاهدًا على الجريمة. فهل ترضخ للأمر؟ يزداد رعب الموقف عندما نتذكر أنها امرأة عادية، لم تكن رسولًا يوحى إليه حتى تطمئن لهذه الفكرة. بل إن القرآن لا يحدثنا عن ديانتها وفيما إن كانت على التوحيد أم لا. كل هذا غائب عنا ليحل محله رعب الموقف وعظمة المرأة. ونعلم أنها انقادت لتلك الفكرة التي لا نزال نتساءل عن ورودها إليها وننبش في الإسرائيليات علنا نقع على شيء معقول وننسى “يقين الأمهات”، حيث القوة الغيبية التي تحل محل المعقول وحيث يجلي لنا الله كيف يُصنع موسى على عينه!

وتمضي الآيات ساردةً حكايا موسى ومعها تتضح أدوار المرأة وما تنطوي عليه من رؤية قرآنية. ولا تتوقف عند دور الأم (وهو دور تختزله الثقافة في مفهوم التفريخ)، فحياة موسى كلها حافلة بمواقف جوهرية أنقذته فيها المرأة بكل أدوارها: أختًا وزوجة تتوسطهما مربية هي في الحقيقة زوجة طاغية هم بقتله! وهكذا كما شكل سيدنا موسى نقطةً فارقة في حياة البشرية كاد لأجلها أن يذهب بثلث القرآن، نجد أن الله يحيطه بالمرأة من كل الجهات، أي بإعطاء المرأة عدة أدوار فاعلة دون أن يجبرها هذا على التنازل عن هويتها.

وهكذا نجد أن رؤية الإسلام تضمن الأرضية الأقوى التي تنطلق منها المرأة. فهي رؤية لا تتنكر لها ولا تستغلها وإنما تعاملها بناءً على أدائها هي، فإما أن تكون ابتلاءً يحل ببيت النبوة وإما أن تصير الكائن الوحيد القادر على حمايته. وهذه الرؤية هي الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه أي فكرة تخص المرأة وترى في الإسلام مرجعيتها الأولى. باختصار، الإسلام يقول لنا بأن الحياة بثقافاتها ورجالها لن تقدر المرأة ولن تمنحها المتن الذي تستحق، مالم تقدر ذاتها وتثبت أنها قادرة على الحياة بفاعلية لا تسلبها هويتها.

Advertisements

8 Comments

  1. تدوينة ملهمة والمفضلة حتى الآن.
    اقتراح وطلب في ذات الوقت، أن تدرجي خاصية الإشتراك البريدي كي تسهل المتابعة لي ولغيري 🙂

    رد

  2. لا أحب قراءة المواضيع الطويلة..
    لكنني استغربت ردك ع مدونة يوسف
    هيفاء القحطاني تعان من جحود الانترنت؟!!
    ماذا تريدين لها اكثر من زاوية اسبوعية و مقالات تنشر هنا وهناك و متابعين بالمئات وهي ايضا لاتقصر في التسويق لنفسها كما رأيت..
    تابعي بقيه المدونات بقائمة يوسف ع الاقل لتعرفي كم حولك مبدعات سعوديات لااحد يلتفت لهم ولن يلتفن احد لهم ان لم يسوقوا لأنفسهم

    رد

    1. ريما

      أهلًا ريما
      ما قلته بالضبط كان جملة اعتراضية “-متجاهلتين كل ما يتصف به الإنترنت من جحود-” وهو لا يعني أن الجحود يطالهما فقط أو يمسهما طوال الوقت. وإنما قصدت الإنترنت في العالم العربي وتقدير النشر فيه؛ فأنا أرى أنه فعلًا يعاني من جحود. وهما يكتبان في هذه البيئة متعاليان على هذه الحقيقة التي تزعجني شخصيًا والتي أعتبر تدويني محاولةً لإيقاد شمعة في سبيل مجابهتها.

      ماذا أريد لها -ولغيرها من المبدعين-؟ أريد أن نؤمن بالإنترنت كبيئة صالحة لنشر الأفكار ومناقشتها، بيئة خصبة للإبداع بكافة أشكاله وعدم حصره في شكلٍ واحد. وأن يحظى الكاتب والموضوع بما يستحقانه (شخصيًا لا أجد أن كتابات هيفاء ويوسف تحظيان بما تستحق).

      بمناسبة الحديث عن “مبدعات سعوديات لا أحد يلتفت لهم”، سأكون شاكرة لو أرشدتني لهن، فأنا في رحلة مستمرة للبحث عن مدونين يؤمنون بالإنترنت كما أسلفت. وبمناسبة “التسويق لأنفسهم” فلست أدري ماذا أقول، أنا وحنان فاشلتان في التسويق لمدونتنا، رغم هذا أرى أن الكتابة في الإنترنت تتطلب” نوعًا” من التسويق ولا أعتبر التسويق بحد ذاته خطوةً سيئة -كما يظهر من إنزعاجك-.

      مرحبًا بك دومًا

      رد

  3. السلام عليكم، عودة لهذه التدوينة المُلهمة.
    في الجزئية التي تحدثتِ فيها عن أم موسى توقفتُ طويلًا منذ قرأت التدوينة أول مرة وعدتُ إلى هنا كثيرًا، لفتتني نقطة “يقين الأمهات”، سابقًا كنت أستمع للآخرين وهم يصفونه بـ”حدس الأم” واليوم صديقة لي كانت تقرأ كتابًا علميًا وفيه نقطة عن قوة حدس الأنثى فقلت لها أن الحدس صفة تُنسب دائمًا للأم دونًا عن الأنثى، وتذكرت كتابًا للغنوشي نقل فيه أراء قالت بنبوة المرأة وأحد الأمثلة كانت أم موسى (فتذكرت تدوينتك) لأن الله أوحى لها ومن تعاريف النبوة أن يُوحى للإنسان من الله. فتساءلت ما الفرق بين النبوة والحدس وأجابتني إحداهن أن الأولى قطعية صادقة لأنها من الله بينما الثانية قد تصيب أو تخطئ.
    ما سبق أعلاه مجرد مشاركة أفكار لا أكثر.

    رد

    1. وعليكم السلام أيتها القارئة الملهمة..بالمناسبة، كتبت ملهمة دون أن أنتبه لذكرك إياها في السطر الأول!
      أظن ظنًا يقارب الجزم، بأن حدس الأمهات يفوق حدس الأنثى ويقارب اليقين في أجمل تجلياته.
      تحمست لكتاب الغنوشي، ما اسمه؟ وما اسم الكتاب الذي حدثتك عنه صديقتك؟>>مشروع اكتشاف كتب
      شكرًا رحاب لقراءاتك ووفائك للمكان رغم تقصيرنا معه

      رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s