اجتماعيات

كيف عبر السعوديون 2011 ؟

كلنا نعرف حقيقة أن المجتمع السعودي يعاني من “فوبيا التغيير”، إذ نجده يتمسك بأدق التفاصيل التقليدية لنمط الحياة الاجتماعية فيه و يحارب أي تطور قد يهزّ ثبات تقليديته، بدءًا من محاربته للتعليم النظامي ثم تعليم البنات مرورًا بمشاكل القبول بالراديو ثم التلفزيون وصولُا إلى الخوف غير المبرر من الانترنت أو تقنية البلوتوث مثلاً.  هنا؛ قد تطرق أذهاننا أسئلة مستفسرة عن ردة الفعل داخل هذا المجتمع المعقدّ و الرافض للتغيير تجاه الثورات التي غيّرت المنطقة تغييرًا جذريًا، هل تطوّرت تركيبته الثقافية؟ و هل شكلت أحداث 2011 المتزاحمة انعطافًا في ثقافة التغيير فيه؟

في الحقيقة، كانت بدايات (2011م – 1431 هـ) مفاجئة للجميع داخل الوطن العربي و خارجه، حيث تصاعدت وتيرة الثورة الشعبية في تونس قبل بدايات هذا العام حتى وصلت ذروتها في 14 يناير، و تناقل الناس خبر “هروب” بن علي من تونس على متن طائرة طافت به حول العالم لتستقر به أخيرًا في السعودية، مثل بقية رؤساء العالم المخلوعين، و حدث هذا بترحيب حكومي ضاربًا عرض الحائط رفض الشعب لهذا الاستقبال .

بدأت ثورة تونس في ديسمبر من عام 2010 و استمرت لأكثر من شهر، حاول خلالها بن علي أن يحافظ على استقرار حكمه بالوعود و العطايا، و كان العالم يراقب حينها تلك المظاهرات ضدّ البطالة و غلاء الأسعار _كما وصفت_  بروتينية، معتقدًا أنها ستنتهي بهدوء مشابه لهدوء وسائل الإعلام خلال تغطيتها لهذه المظاهرات.

نجحت تلك المظاهرات/ الثورة في تونس، و بنجاحها في استبعاد أحد المستبدين العرب، اشتعل الأمل في الشعوب العربية و آمنت بعد كفرها بـ

إذا الشعب يومًا أراد الحياة      فلابدّ أن يستجيب القدر

 بدت الشعوب حينها و كأنها اكتشفت فجأة أنها وحدها من تملك حق تقرير مصيرها، و تتالت بعد ذلك انتفاضات الشعوب رافضًة الظلم و القمع و الفساد و الاستبداد حالمًة بكثير من العدل و الحرية، و بسرعة غير معقولة تفشّى مفعول هذا الأمل في الشعوب العربية الأخرى فانتفضت ليبيا و مصر و اليمن و سوريا ضدّ طغاتها، كما طالبت كثير من الشعوب الأخرى بكامل حقوقها بعد طول صمت.

رد الفعل السعودي تجاه الثورات : ثورة حنين (1)

اللافت حقًا، أني منذ بداية الثورات العربية إلى اليوم لم أجد من التفت إلى تأثير هذه الاهتزازات على المجتمع السعودي، و على الرغم من أن كتّابنا حللوا و انتقدوا و بالغوا في استشفاف ما خلف الموقف العربي، إلا أن أيّ منهم لم يخرج لنا بقراءة نقدية لردة الفعل للشعب السعودي تجاه أحداث 2011، و مدى تأثيرها عليه!

و يبدو أننا كنّا _هنا في السعودية_ خلال سير الأحداث نراقب الثورات ثم نباركها و نحاربها في آن واحد؛ نباركها نحن الشعب طمعًا بانتصار المستضعفين، في حين تحاربها حكومتنا السعودية خوفًا من أن تفقد بعض حلفاءها (مصر و اليمن مثلًا) أو أن تصل لها عدوى المطالبة الشعبية.

و يبدو أن هذا ما حدث فعلًا، و لا أظن أن دولة عربية عبرت 2011 دون أن تصلها عدوى الانتفاضات الشعبية؛ و كذلك الدولة السعودية، إذ ظهرت في منتصف فبراير _تقريبًا_ من عام 2011 دعوة على المواقع الاجتماعية تدعو للاحتشاد ثم التظاهر للمطالبة بمطالب مبهمة و غير واضحة، عُرف التنظيم باسم (ثورة حنين) و اختار المنضمون يوم الجمعة 11 مارس موعدًا لاحتجاجاتهم.

لاقت ثورة حنين رواجًا نسبيًا في العالم الإلكتروني فيما فشلت فشلًا ذريعًا على أرض الواقع، و يبدو أن أبرز مسببات هذا الفشل هو غموض المطالب المنشودة من هذا الاحتشاد، إذ قد يتفق مواطن و آخر على المطالبة بإيجاد حلول للبطالة و زيادة الأسعار مثلًا، في حين يكون من الصعب أن يتفقوا على أكثر القضايا الحقوقية الأخرى، خصوصًا و نحن ندرك حجم المسافة المكهربة الفاصلة بين التيارات الثقافية، الطبقات الاجتماعية، الفئات العمرية… هنا في السعودية.

و يبدو أن المجتمع السعودي اعتاد على أن يخوّن كل من روّج لهذه الثورة أو مثيلاتها، ربما يكون خوف المجتمع _كما أسلفنا_ من التغيير سببًا للرفض الشعبي لفكرة الاحتجاج، ثم لأن مصطلح “الثورة” وحده قد يسبب حالة من الهلع داخل أفئدة الشعب المعتاد و المطمئن على حالة الهدوء و الركود التي تعيشها المملكة، زد على هذا كلّه الحماس الطائفي الذي اشتعل داخل المجتمعات الشيعية في السعودية مما زرع ألف ظن و ظن في النوايا التي قد تكون خلف التنظيم هذا، إضافة إلى تفشّي وباء الطائفية _أصلًا_ داخل المجتمعات السنّية في السعودية. النتيجة؛ أنه في نهار الجمعة الموعود لم يخرج أحد من بيته، إذ خلت الشوارع تقريبًا و اتضح فشل الخطة! و بذلك اندثرت فكرة الثورة السعودية تمامًا كما يبدو.

دولة الحقوق و المؤسسات (2)

أما بيان دولة الحقوق و المؤسسات،  و الذي وقعّ عليه عدد كبير من الشخصيات السعودية البارزة في مجالات مختلفة، ما بين إعلاميين و أكاديميين و دعاة؛ إضافة إلى كثير من الشباب السعودي. فقد استند إلى مطالب واضحة، منطقية، شعبية، و توجّه بطريقة تقليدية إلى الحكومة السعودية التي قابلت البيان بكثير من التجاهل في محاولة لإسقاط أهميته و ركنه إلى النسيان، في حين تبدو المطالبة ببنوده و كأنها لازالت مستمرة.

النخبة الدينية في السعودية

هاتان الحادثتان كانتا خلاصة رد الفعل الشعبي على موجة التغيير التي عبرت الوطن العربي خلال 2011، أما النخبة الدينية في السعودية، فقد ماشت المصلحة السياسية السعودية بذكاء ملحوظ عبر الفتاوى الفقهية، في البدء أثناء الثورة المصرية على نظام حسني مبارك “الصديق المقرب لحكومة السعودية”، حين عبّر المفتي العام للسعودية عن رؤيته تجاه الثورة المصرية باعتبارها نوع من الإفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا، بتخطيط من أعداء الأمة الذين يوهمون الشعوب بقدرتهم على الوصول إلى حكم عادل فيما هم يقودون مجتمعاتهم إلى الهلاك؛ فـ” امسك قردك لا يجيك أقرد منه” بالإضافة إلى أن طاعة وليّ الأمر في منظوره واجبة “ولو ضرب ظهرك و أخذ مالك”.

ثم في المرحلة الثانية من دعم النخبة الدينية للحكومة و إثبات الوفاء لها، حيث كانت في الفترة السابقة لجمعة 11 مارس، فخلال هذه المرحلة أصدر المفتي العام للمملكة بيانًا يتضمن فتوى فقهيه تنص على تحريم المظاهرات بخيرها و شرها، و اعتبارها نوعًا من الإفساد في الأرض و الذي يستحق فاعلة عقوبة التعزير شرعًا.

و بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع مضمون الفتوى، لازلنا نتساءل لليوم عن عقوبة المفسدين في الأرض المتسببين بحادثتيّ سيول جدة الأولى و الثانية، بعد مرور أكثر من سنتين على إنشاء “لجنة التحقيق في قضية سيول جدة و معاقبة المتسبب بها كائنًا من كان”!. اللافت للنظر؛ هو قوة الأمل داخل نفوس الشعب السعودي، مما يجعلهم مترقبين إلى هذه اللحظة؛ رد فعل من لجنة التحقيق في سيول جدة و نتيجة لمحاكمة المتهمين فيها.

موقف الشارع السعودي من الثورات العربية

و عودًا إلى ثورة مصر المباركة، فيبدو أنه قد بدا على الشعب السعودي أثر صدمة حضارية أحدثتها النتيجة المذهلة للثورة الشعبية في مصر، فمن الصعب على شعب فوقيّ كالشعب السعودي أن يتخيّل أن شعبًا من شعوب الأرض المستضعفة؛ و التي طالما كانت محلّ سخرية و تندر في المجتمع السعودي، استطاع أن يثور على الظلم و يهزمه بكل قوته ثم يمهد إلى مستقبل جميل لبلاده، و من كان يرصد ردود الأفعال في الشارع السعودي أثناء ثورة مصر، يلاحظ أنها كانت تتميز بدعم شعبي عريض للثورة، إذ لا يكاد يختلف اثنان على أن الشعب المصري يملك كامل الحق في فعل ما فعله، و هذا الدعم و التضامن الشعبي، استمر مع ثورة ليبيا ثم سورية لكنه اختل “قليلًا” عند ثورة اليمن!

و كحادثة مرتبطة بالموضوع، نذكر أن تسلّم الناشطة اليمنية توكل كرمان جائزة نوبل للسلام كان بابًا للاتهامات التي أطلقها عليها و على الثورة اليمنية كثير من المحسوبين على الشعب السعودي، الغريب أن اتهام المرأة بسبب فوزها بهذه الجائزة صدر عن عدد من الأشخاص المنتسبين إلى تيارات مختلفة بل و متضادّة حدّ العداوة! ، مما يجعلنا نسأل فيما إذا كانت آراء هؤلاء تستند إلى مبادئهم حقًا أم تخدم أشياء أخرى؟

و بالأصح، فإن الثورة اليمنية هي من ضمن الثورات التي أُلصقت بها اتهامات لا تحتملها، فالحوثيين في اليمن شكّلوا مصدر قلق غير مبرر “للشعب السعودي” قبل الحكومة، إضافة إلى القلق الحكومي أيضًا من تنظيم القاعدة في اليمن، و الذي قد يتمتع بفرصة انتشار أكبر في حالة غياب حكم نظام علي عبدالله صالح. و هذا ما قد يبرر الدعم الملحوظ من الرياض و بقية العواصم الخليجية لهذا النظام الذي ظل لفترة لا يرتكز على سوى الدعم الخارجي له من دول الخليج،  يمكن أن نسوق العناية العلاجية للحكومة السعودية بعلي صالح كمثال على الدعم الواسع له.

دعم السعودية الحكومي لليمن هو دعم سياسي بالتأكيد، و الأهداف من وراءه لن تكون إلا أهداف سياسية كما هو الحال مع الدعم السابق لنظام حسني مبارك، و هذا أيضًا هو السبب الرئيسي لدعم السعودية الملحوظ  _و لأول مرة_ لثورة شعبية هي ثورة الشعب السوري المباركة، و بغض النظر عن الاحتياطات السياسية و الطرق الدبلوماسية التي “قد” تبرر مواقف الحكومة السعودية، يبدو من الواضح على الشعب السعودي أن نسبة كبيرة منه تبدو و كأنها لا تتفق مع السياسة الحكومية في كل حين.

مقتل القذافي و أسامة بن لادن و وفاة الأمير سلطان

ففي الوقت الذي كانت الحكومة السعودية تلتزم الصمت الحيادي بشأن ثورة ليبيا، بدا من الواضح أن الشعب السعودي بأكمله _تقريبًا_ كان متعاطفًا مع الشعب الليبي، تعاطف ظهر حتى منتهاه في يوم إعلان خبر مقتل الدكتاتور معمرّ القذافي، و كان خبر مقتله قد هزّ الأوساط الثقافية و الشعبية في السعودية في آن واحد، و بدا الخبر و كأنه تتمة لسلسلة المفاجئات التي ما انتهت منذ بداية 2011 / 1432 إلى نهايته.

فمقتل أسامة بن لادن على سبيل المثال؛ كان حدثًا من أهم الأحداث العالمية التي حدثت خلال 2011، و للحدث تأثيره على الساحة السعودية، فعلى الصعيد الشعبي أصبح بن لادن بطلًا من أبطال الحقبة الحاضرة، مجّده الشعب و أصبغ عليه ألقاب الثناء (الشيخ / المجاهد/ البطل…) ، فيما رفضت الحكومة السعودية تسلم جثمانه ! باعتباره غير سعودي منذ عام 1994م، العام الذي سُحبت فيه الجنسية السعودية منه.

الحق يُقال، أن ابن لادن كان يمثّل أجمل الأساطير الجهادية في فترة الجهاد ضد السوفييت، كان بطلًا قوميًا و ظل كذلك حتى نبذته السعودية بعد أن خرج عليها بفكرة وجوب التوقف عن التماس دعم الصليبيين “أمريكا”، و هذا يذكرني _لسبب أجهله_ برأي شخص ما (محسوب على تيار سعودي ما) ، يرى بأن استعانة المجاهدين في ليبيا بالناتو لإسقاط نظام القذافي المستبد كان خطيئة لا تجيزها الشريعة الإسلامية! إذ يعتبر هذا في نظره نوع من أنواع الاستعانة بالعدو الكافر، مما يفقد الثورة الشعبية كثير من معانيها السامية!

http://www.an7a.com/here-and-there/7117-2011-11-19-04-37-18.html

أما ثالث شخصية سياسية هامة توفيت خلال 2011، فجاء خبر وفاتها بعد وفاة القذافي بيومين فقط، إذ أعلنت الحكومة السعودية وفاة ولي العهد السعودي سلطان بن عبدالعزيز، بدا الخبر مألوفًا في الوسط الشعبي السعودي، ذلك أن خبر وفاة الأمير سلطان كان قد تردد كشائعات كثيرًا من قبل، مما جعل البعض ينفي الخبر بشكل شخصي، و البعض الأخر يكذبه، اعتقادًا بأنه حلقة من سلسلة الإشاعات الماضية.

لا يمكن القول بأن وفاة الأمير سلطان كانت حادثة روتينية، فالشعب السعودي كان طوال الفترة الفاصلة بين إعلان الوفاة ثم الدفن، إلى يوم الإعلان عن ولي العهد الجديد و شاغلي المنصب الشاغرة برحيله رحمه الله، كان الشعب يترقب و ملء أنفسهم الفضول، من سيكون ولي العهد؟ و كيف سيتم تطبيق نظام هيئة البيعة بفاعلية؟ و يبدو بأن الإعلان عن نايف بن عبدالعزيز وليًا للعهد جاء مطابقًا للمتوقع، و كذا الإعلان عن تسليم سلمان بن عبدالعزيز مهام وزارة الدفاع.

وفاة ستيف جوبز

و كما كان عام 2011 عام الثورات بلا منازع، كان أيضًا عامًا لتأبين شخصيات هامة و مؤثرة على مستوى العالم، فسوى بن لادن و القذافي و سلطان بن عبدالعزيز جاءنا خبر وفاة ستيف جوبز بطل التقنية و سيّد أبل كالصدمة المحزنة. و أعتقد أن الجميع كان حزينًا لرحيل شخص نافع و منجز بحجم ستيف جوبز، إلا أنه و كعادتنا نحن السعوديين، لم نستطع أن نعبر الموقف دون أن نحدث فيه حِراك و “أكشن” ثقافي.

 إذ جاءت قضية جواز الترحم على ستيف جوبز كأزمة الخبر الأولى، بعدها كانت معضلة : “هل سيدخل ستيف جوبز الجنة أم سيخلد في النار؟” ، و هنا لم يتوقف أي من الفريقين _ مدّعي صلاحه و استحقاقه الجنة و قبل ذلك الترحم عليه، أو لاعنيه و الجازمين بأنه من المخلدين في جهنم_ لم يتوقف أي منهم عن شتم الفريق الآخر و نبذ حقه في حرية الرأي و الاعتقاد، و بدا كل منهم و كأنه يجلس على كرسي شاهق في السماء، يراقب العالم و يكشف حجب الغيب الإلهية و يصدر أحكامه بناء عليها!.

فالقائلين بأن ستيف جوبز قدّم للبشرية من الخير ما لم يقدّمه أي مسلم آخر، لم يفكروا فيما إذا كان ستيف جوبز قد بذل جهده هذا لمطامع شخصية تخصه وحده أم لنوايا طيبة مهتمة بمساعدة الآخرين و تحسين مستوى المعيشة و الرفاهية في العالم، و في هذا الصدد قرأت عن أنظمة عمل لا إنسانية كانت تطبق داخل شركات أبل، حيث يعمل العاملون فيها في أماكن غير مناسبة للعمل و لساعات طويلة مقابل مبالغ زهيدة!

لكن هذا بالتأكيد لا يجعلني أجزم بأن ستيف جوبز “خص نص” سيدخل جهنم و يخلّد فيها، فبأبسط فكرة؛ قد يكون جوبز قضى ليلته الأخيرة على سجادة صلاة بعد أن أعلن لربه إيمانه به و بكتابه و برسوله الكريم، بل ربما كان ستيف جوبز يصنف ضمن الجاهلين برسالة الإسلام و الذين لم يسمعوا بحقيقة الإسلام، إنما سمعوا بأنه دين للعرب فقط يُلزم الداخل إليه بتغيير اسمه لاسم عربي و ارتداء ثوب عربي قد لا يناسب ذوقه الخاص!

دخول المرأة لمجلس الشورى

قضية الخلافات التي لا تنتهي حتى تبدأ من جديد في الأوساط السعودية، لم تنحصر على وفاة جوبز بل شهدنا أشد منها في اليوم الذي أعلن فيه عبدالله بن عبدالعزيز ملك المملكة العربية السعودية أن للمرأة حق الترشح في الانتخابات البلدية، و حق الانضمام إلى مجلس الشورى و تمثيل الشعب بصفة قيادية غير معهودة في الثقافة السعودية، كان الخبر باب أمل ضخم فُتح على مصراعيه لآمال النساء السعوديات بتطور الثقافة الاجتماعية في نظرتها إلى المرأة، ككائن بشري “كامل” رغم “اختلافه” عن الرجل، قادر على التفكير و التحليل و النقد و الإبداع و حلّ المشكلات، متأملين أن يصل المجتمع السعودي أخيرًا إلى يقين بأن بعض النساء قد تجاوزن _فعليًا_ بعض الرجال في نسبة الذكاء أو في الكفاءة الوظيفية!

و جاء الخلاف هذه المرة من تيار واحد في السعودية؛ التيار السلفي. ففي حين أيّد المفتي هذا القرار بعد أن رفض مبدأه في فتوى سابقة له، أفصح اللحيدان عن رفضه القاطع للقرار، و عن غضبه العميق لأن الحكومة لم تستشره شخصيًا قبل أن تعلن القرار، و هو أقدم عضو في هيئة كبار العلماء، و أغير الشعب السعودي على وطنه!، و لا نعلم منذ متى كانت الحكومة السعودية تستشير أحدًا من الشعب قبل تقرير أحد قراراتها؟.

مونوبولي و ملعوب علينا  

في خضم هذا الصراع بشأن دخول النساء لمجلس الشورى أبدى البعض عدم اهتمامه بهذا الموضوع كليًا، معبرًا عن فقدانه الأمل في أي تغيّر في تأثير مجلس الشورى على الواقع، سواءً دخلت المرأة إليه أم ظلت بعيدة عنه، و أعلن البعض الآخر كفره بالمؤسسات الحكومية كوسائل فاعلة في التغيير، و إيمانه بجهود الشباب و أنشطتهم.  و سأسوق قضية اعتقال فريق عمل ملعوب علينا ، و فيلم مونوبولي؛ كأمثلة لأنشطة شبابية مؤثرة و فاعلة رغم بساطة الأدوات المستخدمة فيها :

و لنبدأ بـمونوبولي، و هو فيلم أخرجه بدر الحمود، يخلط بين السخرية و الحقائق، خلاصته تحكي قصة الشباب و المشاكل التي تواجههم و على رأسها ارتفاع أسعار الأراضي و صعوبة تملّك منزل في ظل هذه الظروف، بل و صعوبة الحصول على مسكن مستأجر بسعر مناسب، يناقش الفيلم أيضًا أسباب غلاء أسعار الأراضي و يفترض حل بسيط و سهل قد يساهم بخفض أسعار الأراضي إلى 50% أو أكثر بحسب ما يقوله عصام الزامل_ أحد المتحدثين في الفيلم_، و هذا الحل ليس سوى فرض رسوم/ ضرائب على الأراضي البيضاء.

وجد الفيلم أصداء واسعة و قابله الشباب بحماس كبير، حاول البعض أن يبادر مبادرة فردية لحل الأزمة بعد تأثره بهذا الفيلم؛ الدكتور عبدالله الغذامي مثلًا بادر بفكرة تدعو التجار إلى التبرع ببعض الأراضي البيضاء التي يملكونها للمساهمة في حل أزمة السكن، مُطلقًا على هذه المبادرة مسمى (مسكني)، و قد نجح إلى حدّ ما في الوصول إلى نتائج فعلية للمبادرة.

أما “ملعوب علينا”، فهو برنامج يناقش قضايا اجتماعية تهتم بالمجتمع السعودي بشكل خاص و يذاع على موقع اليوتيوب، يعمل فيه الشباب أيضًا بأدوات بسيطة و بدون دعم. و الحق يُقال، فإن الفريق القائم على البرنامج يملك رسالة هادفة و همّ حقيقي، و يبدو أن فراس بقنة و أصحابه يسعون من خلال هذا البرنامج إلى إفادة المجتمع؛ لا غير.

المهم، أن الحلقة الرابعة من البرنامج _و كان موضوعها “الفقر في السعودية”_، تكلّمت عن كذب الإعلام و تزييفه الواقع بنشره لشعارات مغلوطة لا تمثل حقيقة الشارع السعودي بقدر ما تعتبر مضللة و خادعة للمسؤول. فشعار “دامك بخير إحنا بخير” و الذي دعمته و سائل الإعلام بعد عودة الملك عبدالله من رحلة علاجية في الخارج؛ لم يكن شعار حقيقي و واقعي قدر ما كان شِعرًا نفاقيًا، بدأت الحلقة بزاوية جميلة من زوايا مدينة الرياض ينعم ساكنيها بحياة الرفاهية و لا ينقصهم _ وهم أبناء الوزراء و المسئولين و الطبقة الجيدة من المجتمع_ إلا عودة الملك عبدالله صاحب الشعبية الكبيرة في المجتمع السعودي سالمًا إلى الوطن.

في حين أن هناك في نفس المدينة و في زاوية أخرى منها، عائلات تعاني شدة الفقر و الحاجة، لا يأمل أحدهم بأكثر من سلامة الملك عبدالله و طول عمره بعد منزل يأويه و أبناءه أو مصدر دخل جيد يضمن له و لأبنائه حياة كريمة.

لاقت الحلقة رواجًا جيدًا في الشبكات الاجتماعية، و كانت ردود الأفعال عليها قوية نسبيًا، إلا أن شهرة البرنامج و مقدّمه (فراس بقنة) و فريق العمل؛ لم تصل إلى ذروتها إلا حين انتشار خبر اعتقال فريق العمل على خلفية هذه الحلقة، سبّب الاعتقال هذا ردود أفعال عنيفة في المجتمع السعودي تندد بالاعتقال التعسفي و ترفضه لشباب صالح قدموا لفتة نظر كريمة إلى مشكلة اجتماعية موجودة فعلًا و معترف بها رسميًا، و ما زيارة الملك عبدالله قبل سنوات للأحياء الفقيرة في الرياض و وقوفه بنفسه على حال المعدمين فيها إلا اعتراف رسمي بالمشكلة!

قيادة المرأة للسيارة

و على الناحية الأخرى، نشطت في هذا العام الفتيات السعوديات في المطالبة بحقهنّ بالسماح لقيادة المرأة للسيارة، و برزت في هذه القضية منال الشريف، المرأة التي قادت سيارتها في شوارع المنطقة الشرقية لتثبت للمجتمع أن قضية قيادة المرأة للسيارة لن تكون بعد اليوم قضية اجتماعية، فخلال قيادتها السيارة في شوارع إحدى المدن السعودية لم تتعرض منال لأي خطر. بل انتهت جولتها و عادت سالمة إلى بيتها، لولا اعتقالها بعد ذلك من قبل وزارة الداخلية. و تأييدًا لمنال الشريف، مارست عدد من النساء السعوديات قيادة السيارة في بعض مدن المملكة، مستحضرات حديث الملك عبدالله لوسائل الإعلام الخارجية حين صرّح بأن المرأة ستقود السيارة هنا في السعودية في يوم ما، إذ أنها تقود فعليًا في البادية و القرى، و أن القرار بيد المجتمع وحده، إذ لا يوجد أي نص قانوني ينص على “منع” قيادة المرأة للسيارة.

و بغض النظر عن اختلاف الأولويات بيني و بين منال الشريف، أجدني أدعم حقها في “المطالبة بحقها”، و أرفض مقابلة أي نشاط شبابي بالاعتقال، ما دام يمثل نوعًا من أنواع التعبير عن الرأي.

براعم الوطن

و أخيرًا، قد تكون حادثة حريق براعم الوطن هي آخر حادثة هزّت المجتمع السعودي خلال عام 2011 إلى لحظة كتابة هذه السطور، فالحريق _كما يروى_ شبّ بسبب عبث و استهتار بعض الطالبات؛ العبث الذي قادهن إلى إشعال النار في مجموعة من الأوراق و الصحف لتمتد النار بعد ذلك و ينتشر الحريق البسيط، حتى خرج عن السيطرة. في حين لم تعمل خلاله أي من أجهزة الإنذار “إن كانت موجودة أصلُا” مما سبب كارثة إنسانية في المدرسة، هذا سوى افتقار المبنى المدرسي إلى مخارج طوارئ تخدم الطوابق العلوية، حيث يعتمد المبنى على باب واحد للطوارئ يخدم الطابق الأرضي فقط “ككثير من المباني النموذجية لمدارس التربية و التعليم”، إضافة إلى سوء التدريب الفعليّ و الجاد على طريقة الإخلاء في حالات كهذه، و افتقار عمليات الإخلاء التدريبية التي تقيمها المدارس إلى أي نوع من الواقعية، أذكر على سبيل المثال أن خطة الإخلاء في مدرستي الثانوية كانت توصي بإخلاء طالبات عدد من الفصول الدراسية الموجودة في الطابقين الثاني و الثالث عبر سلم “ضيق” ينتهي في الطابق الأرضي أمام بوابة قاعة التدبير المنزلي؛ و هي إحدى القاعات المفترض تجنّب المرور بها في حالة حدوث حريق!.

  كل هذه العوامل و ربما غيرها الكثير كان من الواجب أن يتنبه المسئول لها قبل أن تقع الكارثة و يكسر الفأس الرأس، فالآن لن نستطيع أن نعيد أرواح الوفيات، و لن نملك القدرة على محو آثار التشوه من على ملامح  الطالبات، أو أن نقيم عظامهن المسحوق أو أن نمحو أثر الواقعة النفسي من الذاكرة، و المشكلة أعظم و أشد لأنها حدثت للمرة الثانية خلال أقل من عشر سنوات فقط بعد فاجعة حريق مدرسة مكة (عام 2002م)!

 المؤسف و المؤلم حقًا، أن يستغل البعض حادثة مأساوية إنسانية كهذه ليسوقها حجة يدعم بها أفكاره و أراءه بلا حياء أو قليل من الإحساس بأن الكوارث البشرية تمحو الفروقات المذهبية و الفكرية، فلا يعقل منطقيًا أن تجد “مطوعًا” يأمر امرأة بالبقاء في النيران لتحترق لئلا تخرج أمام الرجال بدون حجاب! أما الذين يدّعون بأن الحادثة ما كانت لتكون بهذا السوء لولا أن المجتمع صمم مدارس البنات لتكون سجون، فنظرة بسيطة لأقرب مدرسة للبنين ستخبره بأنه مخطئ!

 سبعة مليار نسمة

أخيرًا، يبدو من المميز لهذا العام الفريد وصول عدد سكان الأرض خلاله إلى الرقم سبعة مليار نسمة، و بحسب سعود العمر فإنه  “على الرغم من أن تعداد البشر وصل ٧ مليار في عام ٢٠١١ فإنهم لم يصلوا للمليار الأول إلا في عام ١٨٠٤، أما الستة مليار الباقية فقد وجدوا خلال ٢٠٠ سنة فقط”، و الله أعلم كم سيكون عدد سكان الأرض في عام 2211 أي بعد 200 سنة أخرى 🙂

Advertisements

3 thoughts on “كيف عبر السعوديون 2011 ؟

  1. مايجري ف المنطقة العربية تسونامي لن ينجو منه احد ومازلنا ف طور الموجة العاتية موجة المد ستتبعها موجة الجزر والثورات المضادة او الثورات التصحيحية ثم ستمتد فترة التوابع والتسونيميات اللاحقة
    وهذا التسونامي لم يقف عن حدود السياسة بل الامر ابعد من ذلك اذ ضرب التشكيلات العرقية والعقائدية والايدولوجيات سواءا المنمطة ضمن اطر حزبية او فكرية او مذهبية دينية او حتى تلك التي تغرد خارج السرب ضربها ف الصميم
    من خلال متابعتي للازمة عندنا ف اليمن وكشخص عادي لا املك حس السياسين او شم الصفحيين وغيرهم من تمرسوا على الخوض ف معمعة السياسة والثورة لكنني وجدت ان الثورة قد كشفت عوار وعيوب الكل واقول الكل. ابتدء بالاسلاميين بشكل عام بكافة تيارتهم ومنهم الى الاحزاب العلمانية وانتهاءا بالافراد
    ووجدت اننا جميعا غابت عنا صفتين هامتين كانتا كفيلاتان بتقويض اركان المجتمع اليمني برمته والصفة الاولى غياب العدل وحضور الجور والظلم ف احكامنا وعواطفنا وتعليقاتنا وتبريراتنا
    لم اجد احد يبحث عن الحقيقة انطلاقا من انه المخطئ وانه يريد الحق بالعكس وجدت من يبحث عن الدليل الشرعي او الاثبات الوثائقي يبحث عما يؤكد له ماقد تشربته وآمنت به نفسه مسبقا مما يجعل مسار البحث عن الحقيقة قد انحرف من اول نقطة او من قبل ان يبدأ اصلا وما فائدة البحث اذا كنت اؤمن انني المصح وغيري مخطئ؟
    الصفة الثانية غياب التثبت واشد ماكان واضحا لدى خطباء الجمعة حيث الاغلب منهم يردد ماتتناقله وكالة انباء قالوا ويلبسه ثوبا شرعيا مطعم بالايات والاحاديث وجنى ع الدين والشرع اعظم جناية وهو لا يعلم
    ف الايام الاولى للثورة سمعت خطيبا يلحف بالله وتالله ووالله ان الثورة المصرية موآمرة صهيونية امريكية ايرانية فامسكته بعد الجمعة وقلت له ياشيخنا لا شكت انك ماحلفت هذا اليمين المغلظ الا عن ادلة دامغة تؤكد لك فهل لك ان تنونرنا بالادلة التي وقعت ف يدك والوثائق التي جعلتك تغلظ اليمين وتحينا ع مراجعك فسكت صاحبنا ولم يحر جوابا
    واليوم آخر وليؤكد لنا ان اسامة بن لادن كان عميل لامريكا يقول ان يوم ١١سبتمير غاب عن مركز التجارة اربعة الف يهودي لم يحضروا الدوام فسئلته يامولانا هل اطلعت ع حافظة الدوام لذلك اليوم؟ وهل عمل بهذا التخطيط المتقن ويعرفه اربعة الف شخص عادي وليس من المخابرات سيظل سرا طول هذه الفترة فقال سمعنا الناس يقولون هذا الكلام
    آسف ع الاطالة شكرا لكم

  2. تعليقك أثرى من تدوينتي يا أخي و أعمق، ملاحظتك جيدة جدًا و لسنا في السعودية مختلفين عنكم
    فانعدام الإدراك الحقيقي لمفهوم العدل يجعلنا نحاول دائمًا أن نبرر أخطاءنا و نبحث عن الأعذار للظلم الذي نمارسه دون وعي، إضافة إلى أن المجتمع السعودي من أكثر المجتمعات _حسب ما أتخيل_ قابلية لنشر الإشاعات.. دون محاولة التفكير حتى فيما إن كانت الشائعة منطقية و مقبولة عقلًا أو لا
    لكن أعتقد أن هناك كثير من المفاهيم الخاطئة الأخرى ، إضافة إلى كثير من القيم المشوهة التي نحتاج إلى ثورة فكرية _أو تصحيحية كما تسميها_ للفت النظر إليها و دراستها و تعديل فهمنا المجتمعي لها
    شكرًا لك تعليقك كان عميق جدًا

  3. اعجبني مقالك وتحليلاتك لاحداث العام الحافل

    واعتقد ان2011 كان عام انطلاقة تميز واختلف عن الاعوام التي سبقته ولن يكون كذلك للاعوام اللاحقة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s