صيد الخاطر

إعادة نظر

معروفٌ أن اليوم الواحد فيه أربع وعشرون ساعة، والساعة الثانية عشرة صباحًا (وهي تأتي ليلاً في الحقيقة) هي بداية اليوم الجديد، والفجر هي الصلاة الأولى في كل يوم، ونبدأ سنة جديدة بعد مرور ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا من الآن، وهكذا نعرف الزمن واعتدنا على سيره بهذه الطريقة. مع طرح اسئلة أكثر دقة تتعلق بالثواني وأجزائها سنجد أننا نقع في عدة مشاكل بالنسبة لما اعتدنا عليه، على سبيل المثال: لو كانت الساعة الآن 11:59 ومرّت ستون ثانية بعد الدقيقة التاسعة والخمسين، هل سننتقل مباشرة لليوم الجديد؟ ماذا لو أن أجزاء الثانية الأخيرة من ضمن الدقيقة الأخيرة لم تمر؟ في أي يوم سنكون؟ هل لهذه الأجزاء الصغيرة اعتبار؟ لماذا يتم الاعتبار أصلاً بحسب الساعة الثانية عشر؟ من وضع لنا كل هذه القوانين؟ هذا ما سأتطرّق له خلال هذا الموضوع.

في الماضي كانت حركة الشمس الظاهرية هي المقياس للناس في تحديد الأيام، ونعني بها (الشروق والزوال والغروب) ومع التطورات التي مرّت بها البشرية على وجه العموم، والتي مرّت بها عقولنا في طريقة فهمها للزمن تغيّرت المعايير واختلّت بعض الأمور واستقامت أخرى وكل ذلك مع وجود الآلات (من ساعة و أسطرلاب وغيرها) ومع مزيد من التطورات المتقدّمة قسّم الفلكيّون الأيام لساعات وجعلوا لكل يوم بداية ونهاية عند الثانية عشرة، واخترعوا الثانية، وأوجدوا لها أجزاءً، وربما أجزاء من الأجزاء، وهكذا، وليس في هذا التقسيم أي حكمة سوى التنظيم؛ إذًا لو أراد كل شخص تنظيم حياته بطريقه مختلفة عن الآخر فهذا ممكن، إذ لا أحد يملك زمن الآخر، وعليه فالتقاويم التي وُضعت وضعت بطرق مختلفة أيضًا، منها ما يكون طول السنة فيها 365.2422 مثل التقويم الجريجوري، ومنها ما يكون 365.25 يوم كما في اليولياني، و365 يوم في التقويم المصري، لكن ثمّة مشكلة كانت تظهر في الأول والثاني، وهو وجود الكسر، إذا لا يمكن أن يكون لدينا نصف يوم فقط ثم تأتي السنة التالية، أما في الثالث فمع أنه لا يوجد كسر، يوجد فرق زمني يصحح نفسه كل 1460 سنة، وهو بسبب اعتماد المصريين في ضبط التقاويم على رصد ظاهرة الشروق الاحتراقي للشعرى اليمانية (اسم نجم) وهو شروق الشعرى قبل شروق الشمس بمدة قصيرة. مع مزيد من الحسابات في التقويم الجريجوري وصل الفلكيون إلى أن زيادة تحدث كل عشرة آلاف سنة مقدارها ثلاثة أيام، السؤال هنا، هذه الثلاث الأيام في أي سنة تُوضع؟ الفلكيون بكل بساطة قاموا بتقسيمها على الأيام الموجودة أصلاً في السنوات هذه، وهذا هو سبب أن بعض الشهور الميلادية طولها ثمانية وعشرين يوم وبعضها تسع وعشرون، وبعض السنوات كبيسة وبعضها بسيطة، نخرج من هذه التفاصيل إلى قاعدة بسيطة، التقسيم الذي عرفناه ليس تقسيمًا دقيقًا متساويًا كما نظن، وما هو إلا تنظيم للزمن لنستطيع التعامل معه وحسابه.

نحنُ كمسلمين يجدر بنا أن يكون لنا تقسيم خاص نرتّب به ما يخصنا من العبادات دون غيرنا من صيام وصلاة وأيام حُرم، صحيح أن لنا تقويم هجري نتعامل به في بدايات الشهور ونهاياتها، لكن تظل بدايات الأيام ونهاياتها مسيّرة حسب الأنظمة العالمية التي ذُكرت أعلاه، بأن نبدأ وننتهي عند الثانية عشرة صباحًا.

بنظرة سريعة جدًا حول رمضان فقط، نجد أننا نبدأ صلاة التراويح بعد المغرب الأخير من شهر شعبان، ومنذ تلك اللحظة نستطيع القول أننا في شهر رمضان رسميًا وننكر الساعة الثانية عشرة التي اعتدناها بقية الشهور، الأمر نفسه يحدث مع أكثر من شعيرة دينية ولا داعي لتفصيلها هنا.

وفقًا لما ذُكر في الأعلى نجد أن أمورًا كثيرة ستتغير، اعتبارات لم تكن موجودة ستوجد الآن، كما سيتم الاستغناء عن أشياء كثيرة. أستطيع القول بعد ما سبق أن ليس كل قانون عالمي صحيح بالضروة وإن تعامل به كل البشر، وليس كل ما نعرفه صحيح تمامًا لمجرّد أن العالم الحديث يستخدمه، حينما أوجد الخالق هذا الكون، وسخّره لنا، خلق معه الزمن، ولم يتركه عشوائيًا كما نعتقد، ثمّة ترتيبات تكاد تكون خفيّة تظهر في العبادات بدءًا من الصلوات مرورًا برؤية الأهلّة وانتهاءً بالصيام إمساكًا وإفطارًا، ومع مزيد من العمل والحسابات الدقيقة التي لا نجيدها نحنُ العامة إنما يفعلها الفلكيّون، أكاد أجزم بأن التقويم الهجري الذي نستخدمه سيكون أكثر تناسب، وأكثر دقة ويناسب المناسك الخاصة بنا كمسلمين ولن نحتاج إلى نتاج غيرنا. وهذا يعمم على أمور كثيرة تتعدى الزمن.

مراجع أفادتني:

  • مذكرة مادة الفلك العام 201 المعتمدة في جامعة الملك عبدالعزيز
  • أحد حلقات د. زغلول النجار على قناة الرسالة
  • الصورة

***

سحّارية أكملت عامها الأول، وفي الوقت نفسه أكتب فيها للمرة الأولى، وبهذه المناسبة أشكر من كتبن فيها طيلة الفترة السابقة، وأشكر بالنيابة عنهن كل من يمر عليها ليقرأ، ومن يمر ليترك رأيًا أو يرسل تعليقًا، ونتمنى أن نقدّم في الأيام القادمة ما يفيدكم ويفيدنا أكثر.

Advertisements

3 thoughts on “إعادة نظر

  1. كلمة من محب:
    ارجو الاهتمام بنوعية الطرح ف المدونة وكذا الاهتمام بمواعيد نزول الجديد
    لاكثر من شهر ولانزل موضوع جديد وهذا يطير-بتشديد الياء- المتابعين
    صحيح انكم مشغولون ومرتبطون باعمال ولكن من يتصدر للتدوين والكتابة ومن قلبه لايحتاج اكثر من نصف ساعة ليكتب اطروحة قليلة الحروف كثيرة المعاني
    انا فكرت اشارك معكم لكن لم تسمح لي نفسي ان اضعها بين يدي امرأة قد تمن عليها بنشر المقال او لا^_^
    امزح طبعا فانا اتابعكم ع شحة ما تصدرون
    ادعوكم لزيارتنا بالضغط ع الرابط
    وشكرا لكم

  2. راعي الغنم:
    شكرًا لأنك تهتم بالمدونة وما يُطرح فيها، كانت فترة ضيقة بعض الشيء.
    أهلاً بك يا راعي، وبالنسبة للرابط فهو لا يعمل.

    حيّاك الله.

  3. شكرا اختاه
    بخصوص الرابط اقصد اضغطي ع تسمية راعي الغنم
    انا ماشفت اظلم من بنات حواء كلهن يكتبن راعي وحسب يقصفن الاسم من النصف^_^
    واااااختاه راعي الغنم اسم مركب لايجتزأ ^_^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s