فـيزيـاء الـكـون

الفيزياء و وجود الخالق

يُقال أن الرازي دخل إلى مدينة فالتف الناس حوله و ازدحموا إليه، فرأتهم عجوز و سألت: من هذا؟ فأجابوها: هذا الرازي؛ الذي يعرف ألف دليل على وجود الله، فردت العجوز: لو لم يكن في قلبه ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل، فلما بلغ الرازي هذا قال:  اسألك اللهم إيمان العجائز.

 و بناء على الدلالة التي تفيدها الحكاية السابقة، يبدو لنا أن إثبات وجود الخالق سبحانه و تعالى بحجج علمية قد لا يكون مهمًا في المجتمعات المحافظة/ المتدينة، لكنه مهم للغاية في مجتمعات أخرى يغلب عليها الطابع الإلحادي

و كتاب كهذا الذي عنونت باسمه تدوينتي، قد يكون مرجعًا مهمًا لكل مؤمن تتابعت إلى مسامعه أسئلة علماء الطبيعة الملحدة و التي تحاول أن تهدم ثبات الإيمان بالخالق في الأنفس المؤمنة، و هو أيضًا كما بدا لي دليلًا واضحًا لكل من وجد تناقضًا بين الاعتقادات الدينية التي يعتقدها و المبادئ العلمية التي ثبت منطقيًا صحتها.

الرابط لمن أراد قراءته بصيغة pdf

نبذة عن الكتاب

صدر الكتاب في عام 1422هـ، ضمن سلسلة كتاب البيان. يتكون الكتاب من سبعة فصول :

الأول- الإلحاد في العصر الحديث

الثاني- أدلة وجود الخالق

الثالث- الفيزياء و وجود الخالق

الرابع- الإلحاد و نظرية الانفجار العظيم

الخامس- رد اعتراضات و تبديد شبهات

السادس- من الخالق؟

السابع- ماذا بعد الإيمان بوجود الخالق

في مقدمته  سعى الكاتب لإثبات حقيقة كون الفيزياء _كغيرها من العلوم الطبيعية_ ليست عبارة عن مجموعة من الحقائق القطعية، بل هي نظريات مجملة جاءت لتُفسر الحقائق الكونية بمنطق علمي نفترض صحته بدون برهان قطعيّ، إلى أن نجد ما ينفي صحتها. فالنظريات و القوانين العلمية _مهما كانت منتشرة و معروفة_ تعتبر خاطئة و مرفوضة في اللحظة التي يقوم فيها دليل من الحقائق الطبيعية الدالة على بطلانها

ثم يشير الكاتب إلى الطابع الإلحادي الذي يغلب على المجتمع العلميّ عالميًا، و هو طابع ماديّ بحت لا يؤمن بأي تفسير لا يدخل ضمن نطاق المحسوس في حدود الكون المشهود، و ينبّه الكاتب هنا إلى أن شيوع هذا الطابع/ التصور لا يعني أنه حق، و يؤكد على حقيقة أنه ليس هناك تضاد و تنافي بين التصور العلمي للظواهر الكونية و التصور الديني، إذ نعتبر _نحن المسلمون_ النظريات العلمية التي تفسر الكون مقبولة؛ لكنها ليست التفسير النهائي لظواهر الكون ، فمن المعلوم لنا أن من سنة الله تعالى أنه يخلق بالأسباب، بذلك فنحن نؤمن بأنه تعالى خالق الأسباب و النتائج، و نبه الكاتب أيضًا إلى أننا في الإسلام لا نغلق الباب أمام الإيمان بأن لبعض الظواهر الكونية أسبابًا غير ماديّة، كالاستسقاء لنزول المطر أو الرقية للشفاء أو العبادة للراحة النفسية

بعد ذلك عرض الكاتب بعض العلل التي علل بها الملحد إلحاده قبل ظهور الفيزياء الحديثة، مثل القول بأزلية المادة و تشكّل الحياة مصادفة بتجمع عبثي للذرات، و هي حجج نفتها الفيزياء الحديثة و أبطلتها بإثباتها أن الذرة قابلة للانقسام، كما أن المادة قادرة على التحول إلى طاقة و العكس صحيح، ثم بنظرية الانفجار العظيم

و أشار الكاتب إلى التصور الذي يحاول بعض الملاحدة إشاعته، و هو أن الدين و العلم متناقضان و لا يمكن الجمع بينهما، فإما أن تكون _بحسب ما يشيعون_  مؤمن/ متدين أو أن تكون عالم و مصدق لقوانين العلم الحديث، لكن الحقيقة أن الدين الإسلامي الذي ندين به لا يتعارض مع العلم و لا ينافيه، بل أن العلم لم يصل إلى حقيقة ثابتة وجدت مناقضة للتشريع الذي جاء به القرآن أبدًا

بعد ذلك، يشير الكاتب في الفصل الأول من كتابه إلى أن الإلحاد ظلّ حالة نادرة إلى العصر الثامن عشر الميلادي، ثم انتشر بعد ذلك فأصبح الإلحاد هو الحالة المنطقية و الإيمان بالخالق حالة شاذة، و أصبح المؤمن هو المطالب بأدلة تثبت إيمانه!

 ثم ناقش الكاتب أسباب انتشار الإلحاد، و منها أن الكنيسة كانت دائمًا مصدرًا للبدع و الخرافات غير المنطقية، و انتشار الخرافات التي تدعمها الكنيسة في أوروبا في مرحلة ما قبل النهضة أدى إلى شيوع التصور بأن الدين هو بالضرورة مجموعة من الخرافات المتنافية مع الحقائق العلمية، ثم أكدّ مرة أخرى حقيقة أن الإسلام لا يتنافي مع الأسباب الماديّة و أشار إلى حديث ” يا رسول الله أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا ، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ ، وَتُقَاءً نَتَّقِيهِ أَتَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ؟ ، قَالَ : هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ “*

و في آخر الفصل الأول من الكتاب ناقش الكاتب الحكم الشرعي الذي يصح إطلاقه على الملحد، و كان يرى أن الملحد مشرك بالله تعالى لأنه إذ ينكر الخالق جل و على فهو ينسب صفاته سبحانه إلى سواه كالطبيعة أو الصدفة، حتى لو لم يسميها بالخالقة/ الآلهة، و يحتج أيضًا بأن الشرك نقيض التوحيد؛ فكل من لم يكن موحد فهو مشرك

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد أشار الكاتب فيه إلى أن البعض يطالب بدليل علمي (بالمصطلح الحديث) على وجود خالق للكون، و يفصّل بعد ذلك في انقسام الدليل العلمي إلى دليل حسيّ مباشر ، و استدلال غير مباشر (على الغائب غير المشاهد بالواقع المشاهد).

و يؤكد على أن العلم لو اقتصر على الأدلة الحسيّة المباشرة لما تقدم إلى هذا الحدّ، و يورد قول الله تعالى (يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ..) كدلالة على جهل المطالبين بهذا النوع من الأدلة و عجزهم عن الانقياد إلى الاستدلال المنطقي، أما النوع الثاني من الاستدلال فيشير الكاتب إلى أننا نستدل خلاله على وجود الخالق بالبرهان الكوني، و دلالة الآيات، و دليل العناية. و يفصّل في الحديث عنهم

ثم يجيء الفصل الثالث من الكتاب ليجيب خلاله على السؤال: هل في الفيزياء ما يدل على “أزلية” الكون؟  و يبحث عن أصل السؤال و أدلته في التصورات القديمة، ثم في الفيزياء الكلاسيكية و الفيزياء الحديثة

و من أهم ما وجدته خلال هذا الفصل رفض الكاتب للصيغة المنتشرة لقانون البقاء ، و هي بحسب ما أورد الكاتب صيغة لمبدأ فلسفي يوناني، صيغة تنافي أصل الدين الإسلامي، و يعتبر صيغة القانون الخاطئة من أكبر ما يناصر الفكر الإلحادي

و ينص القانون على: أن المادة/ الطاقة لا تفنى و لا تستحدث من العدم و لكن تنتقل من شكل لآخر

و القول بأن المادة لا تفنى ينافي إيماننا بأن الله تعالى قادر على إفناء المادة إن شاء، و هو على كل شيء قدير، أما القول بأنها لا تستحدث من العدم فيتناقض مع إيماننا الراسخ بأن الله تعالى يوجد الشيء من العدم إذ يقول له كن فيكون، و بهذا فإما أن يكون القانون بصيغته هذه صحيح و الدين خاطئ، أو أن يكون الدين صحيح و القانون بصيغته هذه خاطئ..

يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن قانون البقاء مقسوم إلى شطرين، أولًا (المادة لا تفنى و لا تستحدث من العدم) ثم ( تتحول من شكل إلى آخر)، و الشطر الأول من القانون هو الشطر المنافي للعقيدة، بل ينافي إثباتات العلم الحديث التي تنص على أن هناك حالات تفنى فيها الطاقة/المادة تحت ظروف فيزيائية محددة، و بأن هناك كميات من الطاقة/ المادة تستحدث في الكون بطريقة مفاجئة.. ثم الشطر الثاني، و هو الشطر الذي يعبر عن فكرة القانون (ثبات الكمية)

ثبات الكمية: و هذا الشطر من القانون يعني مثلُا أننا لو أخذنا رطلًا واحدًا من مادة معينة و أحرقناها، ثم جمعنا كل ما ينتج من عملية احتراق هذا الرطل الواحد من المادة (من رماد و غازات متصاعدة و..الخ)، فإننا سنجد بأن مجموع هذه النتائج = رطل، و هو وزن المادة قبل احتراقها، و هذا يعني أن كمية المادة/ الطاقة ثابتة.. لكنها تتبدل من شكل لآخر، و لكن ليس بالضرورة أن المادة لا تفنى و لا تستحدث من العدم ليظل معدل وجود المادة في الكون ثابت.. بل قد تفنى المادة في بعض الظروف الفيزيائية و تختفي تمامًا، و تستحدث كمية مساوية لها في مكان آخر من الكون (بالفعل تستحدث المادة بعد عدم و تفنى بعد وجود)، و شبه الكاتب قانون بقاء المادة/ ثبات الكمية بخزان من الماء مثقوب، و له منفذ يزوده بالماء، فكلما دخلت له قطرة جديدة من الماء خرجت من الثقب قطرة أخرى، فتظل كمية الماء داخله ثابتة

و وجه الخطر العقديّ في هذا القانون هو الزعم بأن المادة أزلية (لا تستحدث من العدم) و أبدية (لا تفنى)، و الأزلية و الأبدية من صفات الله تعالى وحده.. فهو الأول فليس قبله شيء و هو الآخر وليس بعده شيء

ثم في الفصل الرابع من الكتاب يورد الكاتب نظرية الانفجار العظيم و دلالاتها على وجود الخالق سبحانه و تعالى، و يؤكد على أن النظرية قد أحرجت الملحدين لأنها حين ظهرت قوضت الأساس الفلسفي الذي استند عليه تصورهم الطبيعي، شرح الكاتب النظرية و ناقش أقوال الملحدين بشأنها، ثم خصص الفصل الخامس من الكتاب لرد اعتراضات بعض العلماء و توضيح الشبهات التي قد تشتبه على الناس فتضللهم، و في الفصل السادس يأتي سؤال: من الخالق؟، و تكون الإجابة عليه منطقية بناء على دلائل وجوده باستنتاج صفاته. فمنطقيًا لا بد أن يكون الخالق: قادر على الإيجاد من العدم، أزلي، أبدي، سبب كل حادث، واحد في صفاته و أفعاله.. و غيرها من الصفات المستنتجة.

و في الفصل السابع و الأخير من الكتاب يأتي سؤال: ماذا بعد الإيمان بوجود الخالق؟ و تكون الإجابة: محبته و التسليم له بالعبادة

رأي شخصي: الكتاب كان مقنعًا جدًا لي كمسلمة، و الطريقة التي سرد بها الكاتب حججه و براهينه بسيطة، لكن لا أعلم كم ستكون نسبة تأثير الكتاب على شخص غير مسلم باعتبار الفروقات في المرجعيات الثقافية للأشخاص، الكتاب ممل قليلًا في الفصول الأخيرة :$ ، و كان الفصل الثالث هو أفضله لي، و يليه الفصل الرابع

مصدر الصورة هنا

Advertisements

4 thoughts on “الفيزياء و وجود الخالق

  1. تحيه طيبة حنان …
    الحديث عن مثل هذه القضايا العقدية المنطقية العلمية مفيد وممتع – ربما ممتع
    أود إضافة أن اللغة – فلسفتها – تلعب أيضاً دوراً كبيراً في مثل هذه القضايا مثلاً متى كانت بداية خلق الكون؟ هذا السؤال قبل الإجابة عليه يحتاج لفهم أولا بداية بالنسبة لمن؟ ثم بداية الزمن ووو – شكراً لك فالبحث حول هذه المسائل الفلسفية مفتاح لآفاق أرحب وأوسع

  2. قديما قال احد الاعراب:
    البعرة تدل ع البعير واثر القدم يدل ع المسير
    فسماء ذات ابراج وارض ذات فجاج افلا تدل ع اللطيف الخبير
    والله اني اعجب لاولئك الملحدين يكون الواحد ذو درجة عالية ف الفيزياء او غيرها ثم يظن من خلق ذلك هو بوذا او كريشنا او بقرة
    لكن كما قال عمر حينما سئل الم تكن لكم عقول؟ قال بلى ولكن اضلها باريها

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s