هيبة التغيير

“ليس من روح الاسلام أن يجمد المؤمن على عادة موروثة لأنها عادة موروثة وليس من روحه أن يرفض عادة جديدة لأنها عادة جديدة”                                                                                                        عباس محمود العقاد

منذ أن جاء الإسلام ديانة ثورية (التوحيد) وسط مجتمع تقليدي و مشرك (وجدنا آبائنا لها عابدون) ، استلهم المسلمون فكرة التخلص من الرواسب الفكرية الموروثة لتجديد نمط الحياة و صناعة الحضارة بالتغيير و الاختراع، لا بالتكرار و المعاودة. فكان مفهوم عمارة الأرض في أذهان رواد الحضارة الإسلامية هو الوصول إلى أفضل ما يمكن في حماية/ رعاية الإنسان و بيئته (وفي كل كبد رطبة أجر) و التركيز على كل ما يمكن تطويره أو تجديده أو تغييره للأفضل من أدوات عملية أو مفاهيم نظرية، تصل جميعها آخر الأمر إلى نقطة تلاقي تصب في كف كل إنسان يستحق لإنسانيته أن يحيا حياة أفضل.

فمنذ بدايتها في -المجتمع الجاهلي- ثارت الحضارة الإسلامية على كل الثوابت و التقاليد الجاهلية المتوارثة، و لاحظوا أننا هنا نحكي عن ثورة على موروث! و لكي نستوعب حجم التغيير الذي أحدثه الإسلام في المجتمعات التي نهض بها؛ علينا أن نتخيل حجم الممانعة و الرفض الصادرة عن المجتمع الذي اعتاد على عادات و تخدرت ذهنيته تجاهها حتّى ما عاد يميز بين صحيحها و خاطئها، و تجربة القرود تبرهن على أن عقلية الجماهير لا منطقية! فالمجتمع يأخذه الحماس لنبذ غير المألوف، و كل من يخالف المألوف مهاجم و مرفوض في مجتمعه، و لهذا لم تكن رسالة الكريم محمد عليه الصلاة و السلام مقبولة و مرحب بها في المجتمع الجاهلي، و كذلك باقي الرسالات التي جاء بها بقية رسل الله الكرام.

و كمقدمة للحديث عن التغيير، مهمٌ أن نذكر حقيقة أن التغيير كفعل ليس إيجابيًا على الدوام، بل هناك نوع من التغيير السلبي و هناك نواقص و عيوب تشوّه التغيير الإيجابي إن حصل، و مادام التغيير فعلٌ بشري فهو و لا بد محتاج إلى تعديل و مراجعة مستمرة تحيله آخر الأمر إلى قديم و تنقضه بتغيير آخر ( والتغيير الإلهي عبر النبوة و الرسالات كامل بلا شك، و لا ينطبق عليه النقص الذي نتحدث عنه هنا)، و البشرية مستمرة في نقض العادات القديمة و إبدالها بعادات جديدة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.

و لأن الإنسان كائن متكيف، فهو غالبًا ما يتكيف مع نواقص حضارته حتى لا يعود يشعر بها، و إن عاد الإنسان إلى اللحظة التي انبثقت فيها تلك العادات التي شكلت حضارته و راقب التوتر الذي أربك الناس حين استحداثها فهو غالبًا ما يتعجّب و يستنكر هلعهم مما اعتاده، متجاهلًا حقيقة أنهم تعاملوا مع عاداته كمتغيرات! و فرقٌ كبير بين العادة و المتغيّر.

 و مع أننا اليوم في زمن تسارعت فيه وتيرة التغيير إلا أننا لم نتخلَ بعد عن الهوس القديم بالتقليد و الثبات على نمط محدد، و لا زالنا رهائن خوفنا من التغيير مطمئنين إلى المعتاد و القديم حتى و إن بدت لنا في الجديد مزايا لا يمكن التفريط بها! فستشتعل النسقية و التقليدية في نفوسنا و تنبهنا إلى العيوب الصغيرة و غير الملحوظة في هذا الجديد و تضخمها لنا، و لأن الإنسان بطبعه خوّاف من المجهول؛ فسيفضل البقاء على النمط التقليدي بأدواته القديمة محافظًا على شعوره بالأمان النفسي مقابل ابتعاده عن المجهول، متنازلًا عن المزايا الضخمة التي قد يحوزها من ذلك التغيير الذي يخشاه.

وهنا يجيء السؤال؛ هل يمكن أن يكون خوف الإنسان الفطريّ من التبديل و التغيير إيجابيًا؟

 هذا هو ما اعتقده، فخوف الإنسان من مستقبله -مثلًا- يدفعه للتخطيط له و توقع مشاكله واستباقها بالحلول و المدارسة، و كذلك يكون خوفه من التغيير؛  سببًا لنقد هذا التغيير و بحث خفاياه و اكتشاف أوجه السوء فيه؛ ثم تطويره و تحسينه مجددًا و سدّ الثغرات الموجودة فيه لإكماله أو استبداله بالأفضل (تغيير التغيير). و هو خوف جميل و إيجابي تعود فائدته على الإنسان بلا شك، لكن المشكلة تكون حين يرفض الإنسان التغيير كليًا و يحاربه بكل و سائل التأثير الممكنة، فتستخدم السلطة قوتها لمنعه، و يستخدم الشاعر لسانه في رفضه، و يستخدم المجتمع كل أدواته في القضاء عليه و التخويف منه و وصفه كمعضلة أخلاقية/ إنسانية.

تاريخ رفض التغيير: (1-3) الماضي في أمريكا

فيما لو عدنا بالزمن إلى الوراء، حيث الفترة التي ظهرت فيها تقنيات المواصلات و التواصل السابقة في أمريكا؛ كالهاتف و التلفاز و السيارة مثلًا، نلاحظ أن نوعًا من الخوف تجاه التغيير قد أربك المجتمع الأمريكي حينذاك، و تصدى أيامها لنقد هذا التغيير و بحث سيئاته مجموعة من المفكرين و الباحثين الذين سجلوا لنا إرثًا مهمًا يفيدنا في مراقبة رد الفعل البشري تجاه التغيير عبر الأزمنة.

في تلك الفترة، لاحظ بعض هؤلاء الباحثين تغيرًا في نمط الحياة الاجتماعي و نسبوه سلبًا إلى وسائل التواصل الجديدة كالهاتف و التلفاز، أحد المفكرين ابتكر مصطلح “الانسحاب العام و السعي وراء الذات و الخصوصية” لشرح قلقه من أثر الهاتف و التلفاز على المجتمع الأمريكي الذي بدأت تظهر فيه عادة جلوس الفرد أمام التلفاز لساعات طويلة، و يقال بأن الناس كانوا يشعرون بالقلق من تأثير الهاتف على اسلوب حياتهم حين تسبب في التقليل من فرص التلاقي وجهًا لوجه، و أنه أدى إلى ظهور مجتمع أكثر سطحية لغياب التواصل البصري بين المتحدثين عبر الهاتف و الاكتفاء بالتواصل السمعي، اضافة إلى أن البعض كان يشعر بأنه في حالة قلق و ترقب دائمتين لانتظارهم/ترقبهم المكالمات الهاتفية، يقول كلود فيشر (الناس أصبحوا في حالة توتر، يفكرون بأنه من الممكن أن يأتيهم اتصال في أية لحظة، و يتسمون بنفاذ الصبر لأن الهاتف عوّدهم على النتائج الفورية).

أما السيارة فقد رأى فيها البعض سببًا لتفكك الأسرة حين مكنت التنقل السريع للذهاب إلى المطاعم و الأسواق البعيدة و الاستغناء بها عن المكوث في المنزل مع العائلة، قيل أيضًا بأنها سبب تشتيت انتباه الطلبة و أنها ساهمت في ارتفاع نسبة انسحاب الطلاب من الجامعات!

ربما القارئ للسطور أعلاه يبتسم ساخرًا من الأجيال السابقة حين أرعبتها وسائل و تقنيات تعتبر اليوم جزء من نمط الحياة التقليدي عالميًا، فنحن الذين ولدنا و كبرنا و حولنا السيارات و الهواتف لا نتخيل كيف كانت الحياة بدونها، و ندرك تمامًا أن لا علاقة مباشرة أو واضحة بين التحصيل الدراسي و وجود السيارة! لكن الأمر لم يكن بهذه البساطة بالنسبة إلى أشخاص شهدوا الفترة الإنتقالية (قبل التغيير/ بعد التغيير)، فلاحظوا كيف عبثت هذه التقنيات و هذه الوسائل بروتين حياتهم و غيرت من النمط الاجتماعي لها، و ربما أحدثت في بداية وجودها خللًا حقيقيًا في المجتمع، لكن المجتمع البشري بطبيعته قادر على التكيّف، و لذا تأقلم مع هذا التغيير و تجاوز آثاره السلبية و استطاع أن يتعدى مرحلة التوجس منه، و علينا أن نعود لنتذكر أننا اليوم نتعامل مع هذه الوسائل كوسائل معتادة في حين أنها كانت في ما مضى وسائل مُغيّرة.

(2-3) الماضي في السعودية

و إذا كانت هذه هي وسائل/ أسباب المجتمع الأمريكي القديم لرفض التغيير و إعلان الخوف منه، فقد جاء الرفض في السعودية تحت مبرر مختلف تمامًا، و هو رفض الحضارة الغربية “الكافرة”، و يظهر ذلك جليًا في التسميات التي أطلقها المجتمع القديم تجاه كل الوسائل الجديدة و المُغيِّرة، فالدراجة هي حصان إبليس، و الهاتف و الراديو أصوات الشياطين، و السيارة / الطائرة/ الأقمار الصناعية…الخ، ثم جاء رفض المجتمع لكل أشكال التغيير الاجتماعي (التعليم النظامي- تعليم البنات- التلفاز- العلاقات الدبلوماسية) ثم الفضائيات و الانترنت و كاميرا الجوال الكاميرا، جميعها رفضت بمبررات تبدو و كأنها مبررات دينية، فيما هي في حقيقتها مبررات تحمي التقليد و الموروث من التغيير و التبدل.

(3-3) امريكا / السعودية (الآن)

و إذا كان الخوف من التغيير في الماضي عاملًا مشتركًا بين المجتمع الأمريكي و المجتمع السعودي رغم كل الفوارق و المسافات، فإنه اليوم يكاد يكون القاسم المشترك الأكبر عالميًا، فتقنيات التواصل الجديدة (شبكات اجتماعية، جوالات ذكية، برامج محادثة لحظية) و تقنيات النشر الالكتروني المفتوحة للجميع (مدونات، منتديات، صحف الكترونية) هدمت كثيرًا من حواجز الخصوصية على مستوى الأفراد قبل المجتمعات، و جعلت العالم يعيد تكرار كل الحجج التي قالها سابقًا عن وسائل التغيير القديمة في نقده لوسائل التغيير الحديثة، فكل ما قيل سابقًا عن الهاتف و السيارة و التلفاز… يتكرر اليوم و بشكل مضحك لنقد تقنيات التواصل الحديثة و لوصف آثار التقنية الرقمية على المجتمعات، و يمكن أن نذكر مثلًا تلك الدراسات التي تؤكد تأثير استخدام العاب الفيديو على التحصيل الدراسي للطلاب، و هذا ما قيل بطريقة أخرى عن السيارات في الماضي! أما سطحية التفكير، فهي أكبر تهمة يوجهها النقّاد اليوم تجاه تويتر و الفيسبوك و ماسنجر البلاكبيري، و هي نفسها التهمة التي وجهت في الماضي للهاتف، و كما يصف الناس اليوم أجهزة الجوال الذكية بأنها سبب من أسباب تفكك الأسر و الانطواء على الذات، فقد قيل هذا سابقًا عن التلفاز. ليس هذا فقط، بل أننا نجد اليوم أيضًا من يحرّم استخدام التقنيات الجديدة بحجّة أنها من أسباب تغريب المجتمع و بث الفرقة فيه! و حذرت بعض الشخصيات الدينية من وسائل التواصل الإجتماعية حتى في خطب الجمعة! أي أن التاريخ اليوم يعيد نفسه، و الحاصل الآن هو صورة معدلة من تاريخ مقاومة المجتمع السعودي/ العالمي للسيارات و الهواتف و التلفازات.

“ما يكون بدعة في عصر ما يصبح مألوفاً في العصر الذي يليه”                                                         هيلين كيلر

على مستوى القناعة الشخصية، أدرك تمامًا أنه كما حدث قديمًا مع المتغيرات الجديدة و التي أحدثت ضجيجًا ثم خبت ضجيجها و أصبحت من المعتاد، سيحدث هذا مع المتغيرات التواصلية التي يضجّ بها المجتمع الآن، فمسنجر البلاكبيري و يوتيوب و تويتر و فيسبوك و بقية القائمة الثورية في وسائل التواصل لن تظل محطّ اهتمامنا و جذب أفكارنا، و سيعتاد المجتمع عليها إلى درجة نسيان ردّ الفعلّ الأول تجاهها! و ربما سنحكي يومًا لأبنائنا أننا في بداية ظهور هذه التقنيات تعاملنا معها بتوجّس، و سمعنا من يشتمها و ينسب إليها كل شرّ، و أن بعض رجال الدين في زماننا هذا استنكرها و ندد بها في خطبة الجمعة!، سنحكي لهم أننا ارتبكنا لمّا وجدنا هذا القدر “المخيف” من سهولة التواصل، و شعرنا بأن خصوصيتنا قد تعرضت للخطر، و سيضحكون بلا شك كما لا زلنا نضحك على حكايا مقاومة الفضائيات و تعليم البنات :).

من ناحية أخرى، يدعونا هذا إلى أن نعيد النظر في الفكرة التي ترسخت في أذهاننا مسبقًا، و هي أننا نعاصر اليوم عالم مميز و مختلف بتقنياته و وسائله الجديدة، فلابد أن ندرك أن التغيير موجود منذ القدم، و أن كل جيل يعاصر نوعًا مميزًا من التغيير و يتوجس منه. و كل الحضارات التي لا تتغير تشيخ ثم تموت فتنقرض. بقي أن نشير أيضًا إلى أن نقد التغيير لاكتشاف عيوبه فتصحيحها أو إظهار نواقصه لسدّها مطلوب و مهم، أما المرفوض فهو أن نرفض التغيير كليًا !

بدأت أنسى كيف كان الناس يتعاملون مع بعضهم قبل قدوم الكومبيوتر. كانت الحياة أبطأ قليلاً ، فهل كانت أسعد قليلاً ؟ –   غازي القصيبي

 __________________________

يُرجع إلى:

عيوب التغريدعيوب المغرد [2]

عيوب التغريدعيوب المغرد [1]

«حصان إبليس»..قصة تاريخ استخدام «السيكل» قبل 70 عاماً.. لا صوت يعلو على الجهل!

History of the telephone

الزمن سيخفف من اشتطاط العصر الرقمي

الألعاب الإلگترونية.. متعةٌ قد تتحول لنقمة!

Advertisements

4 Comments

  1. ومن التغيير حنان خانو الا نبقى شهر كامل بانتظار مقال جديد
    ام انكم تعانون من هيبة التغيير؟

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s