علوم الحاسب والتقنية

ما يقوله تاريخ الترجمة للتقنية

20120720-034716 AM.jpg

لا تتجاوز فكرة ترجمة النصوص مسألة كونها إطلالة على معارف الآخرين بلغة مألوفة وبعيون لها خصوصيتها الثقافية، مما يسبب ارتباكًا لدى المتلقي ذي الثقافة المغايرة. هذا الارتباك يعد نقطة ارتكازية عند كثير من المترجمين واللغويين الذين يرجعون استحالة “تناسخ” النصوص إلى استحالة تطابق اللغات.

الترجمة مصطلح يقتحم الحقل التقني بوصفه معبرًا للمفاهيم والأفكار اللامتناهية التي ينتجها هذا الحقل، ورغم ما نعانيه عربيًا في هذه الناحية، إلا أن المعاناة لا تقف عند هذه النقطة فقط. فالترجمة بمفهومها العام لا تقتصر على النصوص بوصفها رموزًا لغوية قابلة للنقل عبر الأبجديات وإنما تصل حتى للأفكار المجسدة فتنقلها من بيئة إلى بيئة وعبر وسائط مختلفة.

في السياق نفسه، تقدم حكاية الترجمة التي نشطت في عصور النهضة العربية -والتي بلغت أوجها في عهد المأمون- درسًا مهمًا للتقنيين يثري بدوره عملية تعريب المشاريع الأجنبية أو تقليدها، حيث يكون التقليد اسمًا آخر للترجمة، تُستبدل فيه الرموز اللغوية بالخصائص والتقنيات والأفكار مع إضافة بصمات مميزة تقيها الوقوع في فخ الاستنساخ.

حكاية الترجمة العربية تحمل في جوفها أنواعًا للترجمة لا تزال تمارس حتى اليوم وعلى نطاقات واسعة. لنقف على أنواع الترجمة الثلاث:

  • ترجمة حرفية وهي ترجمة عبثية لا تنقل المعنى ولا تحقق غاية الترجمة
  • ترجمة بالمفهوم، بحيث يعمد المترجم لقراءة صفحة ثم يترجمها حسب فهمه، وهنا إما أن يحدث خطأ نتيجة إساءة فهم للنص الأصلي وإما أن يضيف المترجم معلومات وأفكار من خلفيته المعرفية والثقافية انطلاقًا من فهمه للنص
  • ترجمة جملة بجملة، فبعد أن تتم قراءة الجملة وفهمها تتم عملية الترجمة حسب المعنى

وبالطبع تطورت الترجمة في تلك العصور لتمتزج بعملية التنقيح حيث تم تصحيح كثير من المعلومات والتصورات المغلوطة في النصوص المعدة للترجمة وهذا يرجع لكون كثير من المترجمين موسوعيين بالأصل. ومن النقاط الملفتة في هذا المجال هي كون كثير من العلوم والمعارف التي تمت ترجمتها تمت بسبب حاجة المسلمين في تلك العصور إلى المعرفة وهي حاجة كادت أن تصل ببعضهم لمشارف الموت والهلاك.

انتهى درس التاريخ، كيف نستفيد منه في عالم التقنية؟

الدرس ينطوي على ملاحظات وخبرات قيمة نحتاج لفحصها وتأملها بدقة وهذه محاولة أولية لإيجاز النقاط التي لاحظتها ولا بد أن التاريخ يملك الكثير لقوله وبتفاصيل أكثر إدهاشًا.

Continue reading “ما يقوله تاريخ الترجمة للتقنية”

Advertisements
اجتماعيات

الثورة، حتى لا تفقد المعنى

مهمة الثورة لا تنتهي بعد انتخاب أول رئيس مدني، بل تبدأ من هنا.. تلك الثورة السياسية التي تمت في مصر للاطاحة بنظام مبارك المستبد ستمرض لو لم تتبعها ثورة “مفاهيم” تعدّل كثيرًا من المفاهيم التي تشوهت بفعل شيطان الاستبداد. و ليس من المخجل أن نعترف نحن العرب بهذا الخلل الثقافي بل علينا أن نبدأ في تداركه وتصحيحه و سدّ الفراغات التي تنتجها مرحلة الانتقال من “مبايعة الشعب للسلطان” على السمع و الطاعة و الانقياد له في خيره و شره، إلى “مرحلة مبايعة السلطان للشعب” على الصدق في خدمتهم والتزام القانون، و المساواة التامّة في تطبيقه على القوي قبل الضعيف، و تقديم مصالح الأمة على مصالحه الشخصية، و أن يدرك أن له حقوق و واجبات واضحة و محددة و أن تجاوزه الحقوق المفروضة له إلى ما هو أكثر منها، أو إخلاله بواجباته و التساهل في تأديتها، هو خيانة لمنصبه الرئاسي و للشعب بأكمله، كما أن منصبه الرئاسي لا يعطيه امتيازات أو لأحد أقاربه أو أصدقاءه، و أن عائلة الرئيس تقف أمام القانون من حيث حقوقها و حدودها كما يقف أي مواطن بسيط / مجهول / فقير آخر، و أن مهمة الرئيس لا تتعالى على المناضلة لحفظ و حماية حق أي فرد من أفراد الشعب داخل و خارج البلاد باستخدام كافة الإمكانات الدبلوماسية المتاحة*. و في نظري أن هذه النقلة في علاقة الحاكم بالمحكوم – إن تمت؛ و ستتم بإذن الله- هي أهم دلائل نجاح الثورة المصرية و سواها من ثورات الربيع العربي المبارك.

 فالتغيير السطحي قد لا يكفي لتجاوز الفشل، بل على البشر أن ينبشوا على الدوام بكل قوتهم عن أساسات السقطة ليعدّلوها، و لذلك لا يبدو كافيًا أن تُغيّر مصر –أو أي بلد عربية أخرى- رئيسها لتتجاوز النكسة الحضارية التي مرّت بها خلال العقود الماضية، مصر تحتاج لأن يتغير شعبها كما تغير الرئيس، تحتاج (كما يحتاج العرب كلهم) إلى أن يتعلم شعبها الامتناع عن تمجيد الرئيس و تعظيم شخصه، أن يتوقف إعلامها عن رصد مآثره و مزاياه، و أن يكف النظام العسكري فيها عن حصد أرواح الشعب و راحتهم لصالح روح الرئيس وراحته.. مهمة الرئيس و الجيش و الحكومة بأكملها هي توفير أفضل حياة ممكنة لكل مواطن في البلد، و ليس من المنطق أن تنقلب الحال فيصبح من واجب الشعب أن يتضايق لتتسع الشوارع لمواكب المسئولين، و على الجيش بالذات أن يتذكر دائمًا أن مهمته هي حماية المواطن و الوطن، أما حفظ الأمن الداخلي فله ألف طريقة و طريقة سلمية و فاعلة لا يهان بها المواطن و لا يعتدى عليه بالقوة.

و المهمة لا تبدو بسيطة أبدًا، و المسؤولية هنا ليست معلقة برقبة “مرسي” وحده، بل على الشعب المصري كلّه أن ينبذ كلّ مؤشرات العبودية للرئيس أو للحكومة، فلا يقبل بالإعلام التجاري الذي يصفّق للرئيس على كل شاردة و واردة، و يشعره بأن قيامه بواجباته الرئاسية هو فضل منه على الشعب المصري! و المثل يقول: لا شكر على واجب، لكن الصحافة النفاقية التي تحاول حجز مقاعد مصلحة في الحكومة الجديدة تصرّ على أن تطنطن بشكر الرئيس على أقل واجباته، و إذا كان بيغوفيتش قد قال للمصلين لمّا أفسحوا له في المسجد ليصل إلى الصف الأول رغم أنه جاء متأخرًا: هكذا تصنعون طغاتكم. فالأولى أن يقولها مرسي لجموع المنافقين من حوله!. هذا الإنبهار الذي يبديه الإعلام المصري و يتابعه بحماسة رجل الشارع البسيط يدلّ على خلل عميق في الثقافة العربية، فعلى عكس المفترض.. لا يستنكر العرب تقصير المسئول في واجباته إنما يبهرهم الشخص الذي يؤدي واجبه بالشكل المطلوب منه! لذلك لم يستنكر إعلامنا المنافق تخاذل المسئولين في جدّة حين قتلت السيول البشر، و لذلك أيضًا لازال الشعب السعودي يطالب بـ”إقالة” المسئول المقصّر بدلًا من أن يطالب بمعاقبته، إذ يبدو التقصير في أداء الواجب مألوفًا جدًا بالنسبة لنا.

Continue reading “الثورة، حتى لا تفقد المعنى”