اجتماعيات

الثورة، حتى لا تفقد المعنى

مهمة الثورة لا تنتهي بعد انتخاب أول رئيس مدني، بل تبدأ من هنا.. تلك الثورة السياسية التي تمت في مصر للاطاحة بنظام مبارك المستبد ستمرض لو لم تتبعها ثورة “مفاهيم” تعدّل كثيرًا من المفاهيم التي تشوهت بفعل شيطان الاستبداد. و ليس من المخجل أن نعترف نحن العرب بهذا الخلل الثقافي بل علينا أن نبدأ في تداركه وتصحيحه و سدّ الفراغات التي تنتجها مرحلة الانتقال من “مبايعة الشعب للسلطان” على السمع و الطاعة و الانقياد له في خيره و شره، إلى “مرحلة مبايعة السلطان للشعب” على الصدق في خدمتهم والتزام القانون، و المساواة التامّة في تطبيقه على القوي قبل الضعيف، و تقديم مصالح الأمة على مصالحه الشخصية، و أن يدرك أن له حقوق و واجبات واضحة و محددة و أن تجاوزه الحقوق المفروضة له إلى ما هو أكثر منها، أو إخلاله بواجباته و التساهل في تأديتها، هو خيانة لمنصبه الرئاسي و للشعب بأكمله، كما أن منصبه الرئاسي لا يعطيه امتيازات أو لأحد أقاربه أو أصدقاءه، و أن عائلة الرئيس تقف أمام القانون من حيث حقوقها و حدودها كما يقف أي مواطن بسيط / مجهول / فقير آخر، و أن مهمة الرئيس لا تتعالى على المناضلة لحفظ و حماية حق أي فرد من أفراد الشعب داخل و خارج البلاد باستخدام كافة الإمكانات الدبلوماسية المتاحة*. و في نظري أن هذه النقلة في علاقة الحاكم بالمحكوم – إن تمت؛ و ستتم بإذن الله- هي أهم دلائل نجاح الثورة المصرية و سواها من ثورات الربيع العربي المبارك.

 فالتغيير السطحي قد لا يكفي لتجاوز الفشل، بل على البشر أن ينبشوا على الدوام بكل قوتهم عن أساسات السقطة ليعدّلوها، و لذلك لا يبدو كافيًا أن تُغيّر مصر –أو أي بلد عربية أخرى- رئيسها لتتجاوز النكسة الحضارية التي مرّت بها خلال العقود الماضية، مصر تحتاج لأن يتغير شعبها كما تغير الرئيس، تحتاج (كما يحتاج العرب كلهم) إلى أن يتعلم شعبها الامتناع عن تمجيد الرئيس و تعظيم شخصه، أن يتوقف إعلامها عن رصد مآثره و مزاياه، و أن يكف النظام العسكري فيها عن حصد أرواح الشعب و راحتهم لصالح روح الرئيس وراحته.. مهمة الرئيس و الجيش و الحكومة بأكملها هي توفير أفضل حياة ممكنة لكل مواطن في البلد، و ليس من المنطق أن تنقلب الحال فيصبح من واجب الشعب أن يتضايق لتتسع الشوارع لمواكب المسئولين، و على الجيش بالذات أن يتذكر دائمًا أن مهمته هي حماية المواطن و الوطن، أما حفظ الأمن الداخلي فله ألف طريقة و طريقة سلمية و فاعلة لا يهان بها المواطن و لا يعتدى عليه بالقوة.

و المهمة لا تبدو بسيطة أبدًا، و المسؤولية هنا ليست معلقة برقبة “مرسي” وحده، بل على الشعب المصري كلّه أن ينبذ كلّ مؤشرات العبودية للرئيس أو للحكومة، فلا يقبل بالإعلام التجاري الذي يصفّق للرئيس على كل شاردة و واردة، و يشعره بأن قيامه بواجباته الرئاسية هو فضل منه على الشعب المصري! و المثل يقول: لا شكر على واجب، لكن الصحافة النفاقية التي تحاول حجز مقاعد مصلحة في الحكومة الجديدة تصرّ على أن تطنطن بشكر الرئيس على أقل واجباته، و إذا كان بيغوفيتش قد قال للمصلين لمّا أفسحوا له في المسجد ليصل إلى الصف الأول رغم أنه جاء متأخرًا: هكذا تصنعون طغاتكم. فالأولى أن يقولها مرسي لجموع المنافقين من حوله!. هذا الإنبهار الذي يبديه الإعلام المصري و يتابعه بحماسة رجل الشارع البسيط يدلّ على خلل عميق في الثقافة العربية، فعلى عكس المفترض.. لا يستنكر العرب تقصير المسئول في واجباته إنما يبهرهم الشخص الذي يؤدي واجبه بالشكل المطلوب منه! لذلك لم يستنكر إعلامنا المنافق تخاذل المسئولين في جدّة حين قتلت السيول البشر، و لذلك أيضًا لازال الشعب السعودي يطالب بـ”إقالة” المسئول المقصّر بدلًا من أن يطالب بمعاقبته، إذ يبدو التقصير في أداء الواجب مألوفًا جدًا بالنسبة لنا.

“إن الحكومة من أي نوع كانت،لاتخرج عن وصف الإستبداد مالم تكن تحت المراقبة الشديدة والإحتساب الذي لاتسامح فيه”*

محاسبة الحكومات و مراقبة أداءها لا بد و أن تكون مهمة الشعب كلّه، و على المسئول أن يفهم جيدًا أن هناك أعين تراقب آداءه و تحاسبه، و أن أبواب النقد العلني مفتوحة للشعب ، فأي تقصير منه سيضعه تحت المسائلة القانونية، فالقانون لا يستثني أحدًا. و إذا كنّا نرى في تاريخ الخلافة الإسلامية أن أبا بكر و عمر الذين هم أصحاب رسول الله الكريم و تلامذته كانوا يطالبون الأمة (في فترات خلافتهم) بمراقبتهم و محاسبتهم و الخروج عن طاعتهم إن هم اخطئوا أو جانبوا الصواب.. فهل تترك بعدهم مصر أو غيرها محاسبة مسئوليها و مراقبتهم و رفض منحهم حق الطاعة العمياء؟*

   و في ذات السياق، علينا –كشعب- أن نرفض الإنخداع بالوعود الكلامية التي يمطرنا بها القادة في خطاباتهم، و علينا ألا نطبّل لهذه الخطابات أو نتعلق بها إلى أن يثبت “فعليًا” أن الخطاب لم يكن مجرد كلمات غير ملحوقة بالتنفيذ، ويبدو أنه من الأفضل أن نترك التصديق و النفي معلقًا إلى لحظة الفعل التي يتضح خلالها صدق الوعود الرئاسية من بطلانها، فالكلام سهل إنما التحدي في أن يتم تطبيقه.  أما المجازات البلاغية التي ترّن في أسماعنا لحظة الخطاب لن تنفعنا و لن تغنينا، لذلك من الأفضل أن نعلن رفضنا للمبالغات البلاغية التي يخدعنا بها الساسة ..و علينا أن نرفضها و أن نصرّ على تحقيق المضمون الحرفيّ لكل وعد تشدّق به الرئيس ولو مجازاً! إذ لن تنطوي علينا خديعة اللغة البلاغية التي تعجّ بها خطابات كثير من زعماء القومية العربية منذ عبدالناصر بل و قبله، تلك التي تشعرنا بالحماس إلى أن نتنبه من حماستنا على واقع لم يتغير فيه شيء. فإذا قال لنا رئيس في أحد خطاباته “سنزلزل اسرائيل” ، سنظل ننتظر لحظة “فعلية” يزلزل بها اسرائيل فعلًا، و إن لم يفعل سنظل نصمه لآخر أيام عمره بوعد نطق به و ما نفّذه . فلماذا يخدعنا الساسة بخطابات ممتلئة بالمبالغات إن لم يكونوا أهلًا لتحقيق مضامينها؟

“إن خير ما يستدل به على درجة استبداد الحكومات هو تغاليها في شأن الملوك وفخامة القصور وعظمة الحفلات ومراسيم التشريفات وعلائم الأبهة ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضًا عن العقل والمفاداة.”*

_____________________

* اقتباس نصيّ أو فكري من كتاب (طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد) لـ عبدالرحمن الكواكبي

مصدر الصورة : http://islamtoday.net/albasheer/artshow-14-149376.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s