أنا أفضل، أنا موجود

20120724 035023 AM أنا أفضِّل؛ أنا موجود

كثيرًا ما تردد الجماهير على اختلاف أشكالها ومقرات تجمعها بأننا نعيش اليوم ثورة في عالم الاتصالات سببها الإنترنت وأهم أدواتها الشبكات الاجتماعية. وكثيرًا ما يتردد مع هذه الآراء أن الشبكات منابر مفتوحة وأنها أماكن خصبة للتفاعل والتواصل البشري الفعال. لكن هل هي كذلك تمامًا؟ بمعنى أنها فعلًا قادرة على خلق عوالم من النقاش الحر والحديث المتواصل حول الكثير من القضايا الإنسانية مهما بدت بسيطة أو معقدة؟ ما أجزم به هو أن الإنترنت يمثل النمط الثقافي الأكبر في سطوته على مجتمعات القرن الواحد والعشرين وأنه رغم كل امتيازاته إلا أنه ينطوي على عيوب عميقة وفي كثير من الأحيان متخفية بأزياء مغرية جدًا. ولهذا نحن بحاجة لوقفات تأملية نفرز فيها المحتوى المستقبل من خلال الشبكات الاجتماعية -والإنترنت عمومًا- ونعيد النظر في آليات الإرسال والاستقبال.

ما جعلني أفكر بهذا الموضوع هو زر “Like” الذي توفره أغلب الشبكات الاجتماعية وفي بعض الأحيان يحمل اسمًا مختلفًا لا يغير من حقيقة وظيفته. وكون هذا الزر يتوفر على شبكة Goodreads التي توفر خيار التقييم بالنجمات أيضًا، أوقعني بحيرة كبيرة في شبكة يفترض فيها أن تكون مساحةً لتعدد الكتب والقراءات. وهكذا، كنت غالبًا ما أتجاهل التقييم بالنجمات لكتبي المقروءة أو الضغط على زر Like عند قراءة حالة أو مراجعة تعجبني لأنه زر غير قادر على عكس حقيقة تفاعلي مع المقروء على وجه الدقة .

مع الوقت بدأت أراقب حركتي التقييم والتفضيل على كل الشبكات الاجتماعية لأكتشف أن أرقام هذه الخيارات على اختلاف مسمياتها، تتجاوز بكثير التعليقات “اللسانية” للمستخدمين سواءً كان هذا التفاعل على تحديث كتابي عابر بإحدى الشبكات الاجتماعية، مقطع فيديو، صورة، أو حتى تدوينة مطولة. هذه الأرقام كانت بمثابة المبرهن على “خمول” مستخدم الشبكات الاجتماعية ورغبته الجامحة في المشاركة السريعة حتى فيما يخص رأيه الشخصي بما يستقبل. بعد أن رصدت سلبيات أخرى من خلال قراءة ما يدل عليه هذا المؤشر، وجدت أن زر اللايك يقول أكثر من مجرد خمول مستخدميه.

قبل فترة، قرأت دعاءً على صفحة أحدهم وذهلت عندما لاحظت أن كمية المعجبين أكبر من ضعف كمية المعلقين. وتساءلت: مالذي يعنيه أن تعجب بدعاء؟ هل أعجبتك بلاغته؟ عمقه؟ روحانيته؟ أم أن زر الإعجاب لا يعني الإعجاب تمامًا بقدر ما يعني تعاطف الشخص مع صاحب الدعاء؟ أم أنك تأثرت فأمّنت عند قراءته وتحركت يدك لا شعوريًا نحو زر اللايك لتجسيد هذا التأمين؟! هذا الدعاء يحمل الكثير ليقوله ومن المفترض بالقراء أن لديهم الأكثر لقوله أيضًا، لكن الواقع أن الأقل هو ما يظهر، فمالذي فعله زر اللايك في علاقاتنا بالضبط؟ تلك العلاقات التي تعبر عما ينشأ من ارتباط الإنسان بالآخر سواء كان هذا الآخر فردًا أم جماعة، كائنًا حيًا أم جماد، بل وحتى لو كان هذا الآخر هو الإنسان ذاته.

Continue reading →

بين الجزيرة والثورة

لأسبابٍ مركبة، كثيرًا ما أجدني وقد انفصلت انفصالًا تامًا عن محيطي الذي يعرف كيف يتخلص من أؤلئك الذين يتحسسون تجاه الصوت العالي خصوصًا في حالة كونهم مرهفي السمع بحيث لا يفوتهم شيء في هذا المحيط المزدحم!

كان الربيع العربي أكثر المحيطات التي عايشتها من حيث ازدحامه وضوضائه. كانت فوضاه نوعًا من إعادة الترتيب وكانت في الوقت ذاته فرصةً خرافية لهواة الكتابة البشعة التي لن تلبث طويلًا حتى تصير شواهد على قبورهم وعلى حقبة مفصلية من تاريخنا العربي. انسحبت من هذه الأجواء، وآثرت عالمًا صغيرًا وحروبًا بحجمه. مشكلة هذه الأجواء أنها تتدخل -بوعيك وبدونه- لتعبث في مسارات فكرك وقناعاتك، تحرك رؤاك وآمالك وتغير من حجم معتقداتك ومبادئك؛ تشكل الأشياء كطفل يحاول اكتشاف العالم عبر قطع الليغو، كمحترفي الشطرنج حينما يضحون بالبيادق لحماية الكبار الذين يسقطون بدورهم تباعًا بعد مضي أبطال المعركة. وهكذا، تجد نفسك عاريًا في مواجهة هذا العالم، بلا آمال صغيرة ولا معتقداتٍ كبيرة. وحينما تراجع نفسك بحثًا عن نقطة تحول كبرى، لا تجد سوى الحياة المكرورة والزخم اليومي وهذا التدفق الهائل للمعلوماتية التي لا ترحم.

أشياء كثيرة تزدحم برأسي وتتخبط بتجويفه الداخلي، وتبالغ في اصطدامها ببعضها دون إدراك. قررت فجأة إعادة رسم خطتي القرائية، العديد من الكتب الخفيفة والمنوعة سيكون مناسبًا لقضاء الصيف! اخترت بين الجزيرة والثورة لعلي الظفيري، كبداية لهذا المشوار متجاهلة المعنى الثقيل الذي تعنيه الجزيرة والذي يتعارض قطعًا مع عزلتي المنشودة. وبدلًا من أن يكتفي الظفيري بإجباري على متابعة الأخبار، قام بإقحامي لاستوديو المحطة الأكثر زخمًا وثراءً وانتقلت معه خلال ما يقارب العشرة ساعات بين أوراق ذاكرته المملوءة والتي انطوت على إجابات وتساؤلات وأسئلة.

كانت الجزيرة منذ انطلاقتها مرادفًا للرقم واحد، في طفولتي كنت ألمس شيئًا غريبًا مشتركًا بين أجهزة الاستقبال لدينا ولدى أقاربي والجيران، رغم اختلافاتٍ كثيرة: اجتماعية ومادية وثقافية وأخرى عرفت فيما أنها تسمى إيديولوجية، كانت الجزيرة دائًما المحطة رقم واحد! ومن هنا نشأت بيننا صداقة مبهمة فهمت شيئًا من أسرارها مع هذا الكتاب. الظفيري تناول في كتابه الكثير من النقاط: الجزيرة من منطلق تفردها ومن منطلق المجرب، المحب الذي لا يرضى بأقل من الكمال، المنتمي والحر. تحدث أيضًا عن الهوية، الغربة، التجربة وحكايات كثيرة تستحق الإنصات. الكتاب يطرح نقاطه على هيئة إشكالات في سردٍ للماضي يحاول رصد التجربة واسترجاع التاريخ ودمجه بالفلسفة الشخصية.
Continue reading →