بين الجزيرة والثورة

لأسبابٍ مركبة، كثيرًا ما أجدني وقد انفصلت انفصالًا تامًا عن محيطي الذي يعرف كيف يتخلص من أؤلئك الذين يتحسسون تجاه الصوت العالي خصوصًا في حالة كونهم مرهفي السمع بحيث لا يفوتهم شيء في هذا المحيط المزدحم!

كان الربيع العربي أكثر المحيطات التي عايشتها من حيث ازدحامه وضوضائه. كانت فوضاه نوعًا من إعادة الترتيب وكانت في الوقت ذاته فرصةً خرافية لهواة الكتابة البشعة التي لن تلبث طويلًا حتى تصير شواهد على قبورهم وعلى حقبة مفصلية من تاريخنا العربي. انسحبت من هذه الأجواء، وآثرت عالمًا صغيرًا وحروبًا بحجمه. مشكلة هذه الأجواء أنها تتدخل -بوعيك وبدونه- لتعبث في مسارات فكرك وقناعاتك، تحرك رؤاك وآمالك وتغير من حجم معتقداتك ومبادئك؛ تشكل الأشياء كطفل يحاول اكتشاف العالم عبر قطع الليغو، كمحترفي الشطرنج حينما يضحون بالبيادق لحماية الكبار الذين يسقطون بدورهم تباعًا بعد مضي أبطال المعركة. وهكذا، تجد نفسك عاريًا في مواجهة هذا العالم، بلا آمال صغيرة ولا معتقداتٍ كبيرة. وحينما تراجع نفسك بحثًا عن نقطة تحول كبرى، لا تجد سوى الحياة المكرورة والزخم اليومي وهذا التدفق الهائل للمعلوماتية التي لا ترحم.

أشياء كثيرة تزدحم برأسي وتتخبط بتجويفه الداخلي، وتبالغ في اصطدامها ببعضها دون إدراك. قررت فجأة إعادة رسم خطتي القرائية، العديد من الكتب الخفيفة والمنوعة سيكون مناسبًا لقضاء الصيف! اخترت بين الجزيرة والثورة لعلي الظفيري، كبداية لهذا المشوار متجاهلة المعنى الثقيل الذي تعنيه الجزيرة والذي يتعارض قطعًا مع عزلتي المنشودة. وبدلًا من أن يكتفي الظفيري بإجباري على متابعة الأخبار، قام بإقحامي لاستوديو المحطة الأكثر زخمًا وثراءً وانتقلت معه خلال ما يقارب العشرة ساعات بين أوراق ذاكرته المملوءة والتي انطوت على إجابات وتساؤلات وأسئلة.

كانت الجزيرة منذ انطلاقتها مرادفًا للرقم واحد، في طفولتي كنت ألمس شيئًا غريبًا مشتركًا بين أجهزة الاستقبال لدينا ولدى أقاربي والجيران، رغم اختلافاتٍ كثيرة: اجتماعية ومادية وثقافية وأخرى عرفت فيما أنها تسمى إيديولوجية، كانت الجزيرة دائًما المحطة رقم واحد! ومن هنا نشأت بيننا صداقة مبهمة فهمت شيئًا من أسرارها مع هذا الكتاب. الظفيري تناول في كتابه الكثير من النقاط: الجزيرة من منطلق تفردها ومن منطلق المجرب، المحب الذي لا يرضى بأقل من الكمال، المنتمي والحر. تحدث أيضًا عن الهوية، الغربة، التجربة وحكايات كثيرة تستحق الإنصات. الكتاب يطرح نقاطه على هيئة إشكالات في سردٍ للماضي يحاول رصد التجربة واسترجاع التاريخ ودمجه بالفلسفة الشخصية.

في مقدمة كتابه، يتساءل الظفيري عن شرعية الفكرة، طارحًا رأيه الشخصي في مسألة كتابة السير وتوجسه من هذا التصرف لأسباب أخلاقية. ويلفت النظر إلى افتقار المكتبة العربية لمؤلفاتٍ ترصد التجارب الشخصية لأصحابها وتمد العالم العربي بحكايات ثرية قادرة على اختصار المسافات الطويلة. وعندما استطاع الأستاذ نواف القديمي (ناشر الكتاب) أن يوقعه في فخه كما يقول، فإن الظفيري ابتدأ مشوارًا يستحق الإتمام، بلغةٍ قريبة صادقة ورسالة سامية تتضح بين أسطره بجلاء وفي مجال بالغ الأهمية والقوة. سأتحدث فيما بقي على هيئة نقاط سريعة:

الهوية
الصبي الذي لم تستطع السياسة اقتلاعه من شغفه الخاص بجمع قصاصات الصحف المحلية، استطاع تكوين هويته وانتماءاته بهدوءٍ ابتدأه بولعٍ مقسوم على فريقي الشباب السعودي وكاظمة الكويتي، ثم تعرضت هويته لاستفزازات من الجار صدام حسين تلتها معارك باردة امتدت على طول المسافة الواقعة بين الكويت والسعودية.

هناك أوهام ومغالطات كبيرة في عالمنا العربي حول فكرة المواطنة والانتماء وخلطها بالتبعية والعبودية للأنظمة، يتراجع حق الفرد الكامل بأرضه ووطنه وحريته المطلقة بالحركة والتنقل والعمل والتعبير، كما أن مفهوم الدولة العصرية لم يتحرر بعد من أشكال القبيلة وسطوة الأعراف وهيمنة العاطفة على جمهور المنتمين، تغيب فكرة الحقوق المتساوية أمام وجوب الانتماء الأعمى الذي لا يضع اعتبارا للفرد وقيمه وإيمانه وأفكاره.

واضحة لغة الوجع في كلامه عن الوطن، فحينما تعجز الأوراق الرسمية عن إقناعك بوجود الحدود الحمراء على عواطفك وولائك، ستكون عاجزة عن إدراك أن ولائك حينما يتعداها فإنه يشملها وبهذا تظل معرضًا لاتهاماتٍ متعددة تتراوح ما بين الازداء والتخوين وتتعدد في اليوم والليلة لتتجاوز العشرين اتهام! بداياته في الحديث عن الهوية كانت ممهدًا ضروريًا للمراحل التالية من التجربة.

الثقافة
لأول مرة أقرأ لإعلامي يجيد الفصل بين تعريفي ووظيفتي الثقافة والإعلام، منطلقًا من وجوب احتكام الأخير لكثير مما تقوله الأولى لكن بدون خلط وبدون أن يأخذ أحدهما مكان الآخر (لعبدالرحمن منيف كلام مستفيض عن هذه النقطة في كتابه السياسة والثقافة).

الصمت
“يجب أن نقيد أنفسنا بإرغامات لكي نبدع بحرية” هذا ما يؤمن به إيكو وإن كان يشير إلى الإرغامات التقنية والفنية في العملية الإبداعية، إلا أنني أؤمن بما قاله على نطاق أوسع؛ لا بد من بناء فضاء -مهما كان اتساعه- ليستطيع المكتوب أن ينمو بطريقة صحية داخل حيزه. والأستاذ علي الظفيري رسم فضاءه وعرضه على قارئه منذ البداية ليكون نقطة مرجعية يحتكمان إليها. رغم تفهمي لهذا الأمر وتقديري الشديد له، إلا أن صوت الصمت كان مزعجًا في كثير من الزوايا. ففي وسط معمعة حرب الخليج مثلًا، يطرح الكتاب هذه المفارقة بشيء كبير من المرارة:

“وأكاد أجزم أنها المرة الأولى لأهالي المنطقة التي يرون فيها امرأة بلا غطاء، كنت أحد هؤلاء الذين يجدون متعة كبيرة للتسوق -دون مال- لأجل رؤية تلك الكائنات الغريبة الفاتنة، رغم إصرار رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ملاحقتنا وطردنا من المكان”

ويتركها دون تعليق! وعندما يتناصف الكتاب وتصل حماسة القارئ لذروتها فإنه سيفاجأ بقفزة هائلة على نطاق الزمن تترك الكثير وراءها بدون حكي كان يستحق السرد. يملك الأحرار دائمًا صوتًا شجيًا، وخفتانه يعني علو أصواتٍ نشاز!

يمضي نصف الكتاب الباقي كاشفًا عن كواليس الجزيرة والثورات العربية، يتحدث عن الوضع الحالي لها والتحديات التي تلوح لها وعن ذكائها ومبادرتها المبكرة في الدخول لعالم الإنترنت وكيف دعمتها هذه المبادرة لاحقًا والكثير من التفاصيل الغنية التي استطاعت أن تريني مالم أره في عزلتي. كانت تجربة تستحق المشاركة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s