أدب

الكونت دي مونت كريستو، تأويل القارئ والمشاهد*

غلاف الكونت دي مونت كريستو
 
الذين قرأوا الكونت دي مونت كريستو لا بد أنهم تساءلوا: مالذي دفع إدموند دانتيس ليخوض مغامرته تلك؟ سؤال المغزى هذا يعمل بمثابة مصباح يدوي بيد القارئ الذي يدخل لرواية ألكسندر دوماس دخوله لمغارة عريقة تحوي الكثير من كنوز سبادا وتتوزع على حوائطها نقوش تشهد على براعة الإنسان حينما يعيد رسم الحياة وسرد الحكاية. تستطيع رسم دائرة ضوئية على ناحية من حوائطه لتكتشف رغبة محمومة لدى بطل الرواية في الانتقام، وقد ترسم دائرة ضوئية أخرى تختلف في حجمها عن الأولى وتعتمد بالضرورة على مدى قربك من الحائط؛ فتقف على صور مغايرة ودوافع أخرى، وهكذا تظل مع كل قراءة وكل دائرة ضوئية تكتشف مغزىً جديدًا للرواية ودوافع أخرى لدانتيس؛ حتى تصل لحقيقة مركبة تستكمل بها رؤية الحكاية.


بداخل كل منا توق للاطلاع على خبايا العوالم التي لا يبدو منها سوى أجزاء بسيطة، وعالم الكونت يحوي الكثير من إمكانيات البداية لاستكشاف خباياه. بدأت رحلتي مع الرواية منذ أن قرأت مقالة “عاشق غير ناضج” التي حكى فيها ماركيز عن تفاصيل الاجتماع الذي ضمه والروائيين: وليام ستيرون وكارلوس فوينتيس ببيل كلينتون. يقول ماركيز في منتصف مقالته بأن الحديث وبعد أن اتخذ طابعًا حميميًا، بدأ ينجر لسياق رسمي جاف مما اضطرهم لتغيير مساره بالتساؤل عن الكتاب المفضل لدى كل منهم. كنت متشوقة لمعرفة إجابة ماركيز الذي قال بأنه يفضل الكونت دي مونت كريستو لأسباب تقنية جعلته يقدمه حتى على كتابه الأثير “الملك أوديب” وبطبيعة الحال شعرت برغبة عميقة لمعرفة أسبابه، غير أنه لم يذكر أي شيء عنها.


في مقالة أخرى وكردٍ على سؤال إحدى القارئات ذكر ماركيز بأن لغز الحكاية كان بالنسبة له في تحول البطل من بحار جاهل وفقير إلى أمير مثقف وثري وكل هذا يتم عبر الهروب من سجن قلعة إيف! يرى ماركيز أن ذكاء الروائي كان كامنًا في حشد كل العناصر التي يستحيل معها هذا التحول لدانتيس. والحيلة الفنية التي لجأ إليها دوماس كانت في خلق شخصية فاريا القس الإيطالي المعتقل في زنزانة أخرى، والذي قضى سنين سجنه في محاولة الهرب واكتساب الحكمة، لكن شاء القدر أن يخطئ في الحساب حيث انتهى به المطاف إلى زنزانة بطل الرواية بدل أن يصل للبحر. وبعد أن انقضى عمر فاريا في العمل باتجاهٍ خاطئ، قرر أن ينقل حكمته وإرادة الهرب التي انغرست فيه إلى السجين دانتيس، الذي كان بدوره تلميذًا نجيبًا وأبدى براعته في التلمذة. قبيل أن يموت فاريا، قام بإخبار دانتيس عن السر الذي خبأه طوال سنين سجنه وأرشده لمكان كنوز سبادا التي ورثها. وهكذا كان النجاح الذي حققه دوماس في إحلال شخص مكان شخص، حيث لم يبق من ذاك البحار الجاهل الشاب سوى مزية البحار بعد أن حلت فيه روح القس وحكمته، خالقة شخصًا جديدًا هو الكونت دي مونت كريستو.


وبهذه الأفكار دخلت عالم الكونت دي مونت كرسيتو ورحت أتأمل جغرافية المكان ودواخل أبطاله برسم العديد من الدوائر الضوئية على أوراق الرواية وأتساءل: هل للانتقام وحده أن يرسم حكاية متقنة كهذه؟ هل كان الفضل لدافع كشف الحقيقة؟ وهل الحقيقة ملحة إلى هذا الحد؟ هل نحن مستعدون لتحمل تبعات التوق والفضول؟ وكيف تأخذ العدالة أشكالها المختلفة، ولماذا لا نستطيع إدراكها مبكرًا؟ كيف لجذور الخيانة والحقد أن تمتد دون أن ننتبه، وكيف للإخلاص أن يحافظ على جوهره؟ كيف ستكون الحياة بالنسبة لشخص اضطر أن يعيش خلاف ما يهوى؟

صورة
ما إن أنهيت الرواية حتى قررت مشاهدة الفلم الذي أنتجته Fox عام 2002 والسبب في هذا القرار أن تضارب رؤية القارئ المتكئة على الخيال والمخزون الثقافي الخاص مع رؤية المخرج المرتكزة على الصورة، يعمل على فتح آفاق أرحب، ما دام البعد عن النص هو سبيل رؤيته متكاملًا، تمامًا كما يكون بعد المصباح عن الحائط هو سبيل توسيع دائرة الضوء. وبالفعل كان الفلم مخيبًا بما يكفي لإعادة التأمل في النص الأصلي واكتشاف نقاط التضاد والتقارب بين عالم قرره الروائي في فضاء مفتوح وعالم محدود اختاره المخرج. شاهدت الفلم وببالي  عناصر ورموز جوهرية، مركزية هذه الرموز والأحداث والشخوص تنبع من نوعية القراءة التي يتم بها تلقي النص وتأويله. مرض فاريا العجيب، الكيمياء، موريل وماكسمليان وفالنتين، الأتراك والعرب، الموت، الأسماء وانتحال الشخصيات، السندباد البحري، والرسالة كانت بالنسبة لي، عناصر أولية في بناء هذه الرواية لكن الفلم تعامى عنها بقسوة! اختلاف التلقي بين القارئ والمشاهد ومعه الاختلاف بين رؤية الكاتب والمخرج، بالإضافة لاعتبارات تقنية أخرى، كل هذا يجعل من تطابق النص الأصلي مع تمثيل الأدب وتجسيده في فلم  شيئًا مستحيلًا. وفي حين تعتمد الرواية على الغرابة التي لا نستطيع الاعتراض عليها لشدة واقعيتها، تقوم الأفلام على تبرير هذه الغرابة حتى لو اضطرت لتحريف النص الأصلي لتقدم بطل الفلم على أنه “عراف” يستشرف المستقبل والحاضر الغائب ويحتاط لهما. التغييرات التي أحدثها الفلم على فحوى الرواية ارتكزت على تشويه الأخلاق بطريقة تقول بسطحية النفس البشرية وتبسيط تعقيدها. هذه المسألة تختزل الإنسان في أبعاد ضيقة؛ إذ تعطي انطباعًا بأن الشخص شرٌ محض أو خيرٌ محض وتحت كل الظروف، وهذا ما يستحيل في النفس البشرية المركبة. هذه الطريقة في التشويه تجرنا للقول بأن التشويه ممهد للتسطيح الذي يأخذ مظاهر عدة في الفلم.


نستطيع إدراك التشويه الذي تتعرض له الأخلاق منذ المشاهد الأولى التي تعمل على خفض المعايير الأخلاقية. يبدأ الفلم بالمشهد الذي يصور الرحلة الأخيرة لدانتيس على السفينة فرعون، وهو مشهد مفصلي حيث يتم من خلاله التعامل مع الخطاب الذي سيكون نقطة البداية للمفاجآت اللاحقة. الرواية تقول بأن القبطان وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة أوصى دانتيس بتسليم خطاب إلى شخص في جزيرة ألبا والتي كانت منفى نابليون إبان الحكم الملكي، ليقوم هذا الشخص بتوصية دانتيس بتسليم الرد لشخص في مرسيليا هو كلاركس. إنفاذًا لوصية القبطان، قام دانتيس بالمخاطرة بحياته. بينما يقول الفلم بأنهم اضطروا للتوقف على الجزيرة لعلاج القبطان الذي قضى هناك، ثم قام دانتيس بتسلم خطاب من نابليون شخصيًا ليوصله لكلاركس! هذا التحريف -والذي قد يُسوغ فنيًا- ينطوي على بعد خطير يتمثل في خفض معايير الأخلاق، وذلك عبر إيهام المشاهد بأن السلوك الذي يشاهده هو أنبل ما في الوجود، في حين أنه واجب أخلاقي لا أكثر! بطريقة أخرى: إنقاذ حياة شخص بمكانة القبطان هو أكثر إلحاحًا وضرورية في التنفيذ من إيصال رسالته إلى شخص في الجزيرة؛ إذ أن هذه المهمة الأخيرة قابلة للتأجيل على الأقل، وبهذا يحل الواجب الأخلاقي مكان النافلة ويقدم على أنه منتهى الفضيلة! وهذا أول ممهد يرسمه الفلم لتبسيط شخص دانتيس ليقنعنا أنه مؤهل ليغدو منتقمًا وحسب.


استكمالًا لموضوع تمهيد شخصية دانتيس للانتقام، نجد أن فكرة الانتقام نمت في السجن وبدأ معها تلاشي الإيمان وهنا ينفي الفلم معاناة طويلة ومركبة بسبب سنين السجن وبسبب جهله لأسبابه؛ فيغدو دانتيس مجرد سجين تستولي عليه فكرة الانتقام. بينما لم يعرف تفاصيل الحكاية إلا بعد الهرب وحيازة الكنوز من خلال حوار أجراه مع الخياط كادروس ذي الشخصية المركبة والذي يتم إبعاده تمامًا من دائرة الفلم. في السجن أيضًا حصل تحول مهم حيث تعلم الكتابة والقراءة، درس الكيمياء التي أقصيت من الفلم برغم دورها المهم في حياة الكونت لاحقًا، واستبدلت بالقتال والمبارزة التي سيستخدمها بعد الهرب في النيل من خصومه، كل هذا يدعم فكرة تسطيح شخصية البطل ومعه مغزى الرواية في كلمة واحدة هي “الانتقام”، ويقدم الإنسان في صورة واحدة بسيطة وتافهة.


شخصية مرسيدس أيضًا تعرضت للتشويه ومنذ المشاهد الأولية. حيث يعرض الفلم مشهدًا تحدث فيه فيرناند بعدم رغبتها بالزواج منه وتذكره بموقف من طفولته أبدى فيه غيرته من دانتيس كونه حصل على “صفارة” ولم يحصل عليها هو، قائلة له بأنها ترفض أن تكون الصفارة الثانية؛ وبهذا يتحول الموضوع بينهما إلى تحدٍ واستفزاز. بينما تعلن له في الرواية بأنها طالما اعتبرته بمثابة الأخ. وبالطبع، لم تكن هذه سوى بداية لرسم شخصيتها كما لم يرسمها دوماس. فبعد اعتقال دانتيس بشهر واحد، تقوم مرسيديس بالزواج من فيرناند  لنكتشف في نهاية الفلم أن ابنها آلبرت هو ابن دانتيس وأن هذا هو ما دفعها للزواج بسرعة. ما فعله دوماس في الرواية هو أن خلق شخصية مغايرة تمامًا للتي يعرضها الفلم. مرسيدس عنده هي محبة مخلصة وشريفة، وزواجها بفرناند لم يحدث إلا بعد انتظار امتد لسنة وستة أشهر من الوفاء والإخلاص والعناية بوالد دانتيس العجوز (الذي وبالمناسبة مات لشدة الجوع والبؤس ويقول الفلم بأنه مات منتحرًا!) وبعد ضغوط اجتماعية أجبرتها على أن تعيش خلاف ما تهوى. الفلم عمومًا يقوم بتعميم هذه الصورة على الأنثى ويحرص على تقديمها ليس كمتهالكة فقط وإنما كمبادرة للخطيئة أيضًا.


شخصية القس فاريا المحورية والتي تحل في دانتيس ليصبح الكونت كما يرى ماركيز، تعرضت للتشويه والتسطيح أيضًا. فبالنسبة لفاريا، أول تسطيح كان في شرحه لاعتقاله وتلميحه المبكر لثروة سبادا. وكأنه شخص ثرثار غير قادر على حماية سره، هذا الإفصاح يحمل معه إمكانية طمع دانتيس في الثروة مما يجعل تفكيره في الهرب مدفوعًا بهذا الحافز المادي البحت. دوماس لم يسمح لفاريا بالحديث عن هذا الموضوع إلا عند احتضاره؛ إذ أخبر دانتيس أنه احتاج لفترة طويلة حتى يتأكد من نجابة وإخلاص تلميذه (هذا يذكرني برأي ماركيز؛ أي بعد أن تأكد من أنه حلّ في جسد دانتيس). أيضًا تتضاءل المساحة التي يخصصها الفلم لاستحضار شخصية فاريا ووصاياه بعد موته، بينما نجد له حضورًا طاغيًا في النص وبهيئات متعددة.


نهاية الفلم كانت أكثر ما خيب شخص القارئ عندي، إذ ينتصر دانتيس على كل خصومه بالقتل والسجن وتشويه السمعة، ويعيش مطمئنًا بعد أن خلص له من هذا العالم: مرسيديس، آلبرت، وخادمه ويعلن بطريقة درامية أنه لن يستخدم بقية ثروته إلا في الخير. هذا المشهد يرسم نهاية سعيدة للجريمة والخطيئة بطريقة لا تبررهما وحسب وإنما تمنحهما وسام البطولة! في الرواية، تنتهي حكاية دانتيس بنهاية سعيدة يقررها هو لكنه يهبها لشخصين هما ماكسمليان وفالنتين، ليغيب هو وتبقى منه رسالة تحملنا على إعادة النظر في كل شيء.


مشاهدة الفلم أثارت عندي العديد من الأفكار وكانت بداية رحلة تساؤلات ورؤى فيما يخص قراءة الأدب وتأويله. فإذا سلمنا بأحقية كل قارئ في إعادة سرد الحكاية حسب تأويلاته التي انطلقت أساسًا من مخزونه الثقافي؛ سيوقفنا هذا بإزاء معضلة قد تكون أخلاقية وهي نسبة نص لأديب لم يكتبه وتقويله ما لم يقله. هذا ما وصلت إليه بعد أن تخيلت لو أني شاهدت الفلم دون قراءة الرواية؛ كنت حتمًا سأخرج بفكرة نمطية عن النص ولربما عن أدبية صاحبه أيضًا. هناك مشكلة أخرى تتعلق بالكلاسيكيات عمومًا وترتبط بشموليتها وواقعيتها، وهي أنها أصبحت أساسًا لكثير من الأعمال الأدبية والسينيمائية مما يفقد قارئها مذاقها الأصلي فيما لو قرئت متأخرًا. بقليلٍ من التركيز وجدت أن إعادة سرد الأدب وبكافة الأشكال المستخدمة في هذا، تحمل في طياتها أسباب قتل النص “فقط” في حالة سلّم المتلقي بتطابق النص مع إعادة سرده. وكل محاولة للتأويل وإعادة السرد (بما في ذلك الترجمة) تمد في عمر النص وتزيد من إمكانيات تذوقه بطريقةٍ أفضل.


___________________________
*المقالة كتبت على إثر قراءة الترجمة العربية المقدمة بسلسلة القصص العالمية للجميع، وستتم كتابة مراجعة مفصلة في حالة قرأت النسخة الكاملة
Advertisements

One thought on “الكونت دي مونت كريستو، تأويل القارئ والمشاهد*

  1. لم اقرأ الرواية بعد لذلك تجاوزت بعضًا من حديثكِ حتّى اقرأها إلا أنّ حديثكِ الأخير حفزّني للتعليق، ألا وهو تحويل الأعمال الأدبيّة لأفلام أو لمسلسلات في أحيان نادرة، وأتذكّر دائمًا حينما يُفتح هذا الموضوع انزعاج غالبية من أعرفهم من المهتمّين بقراءة الأدب بسبب مشاهدة أفلام كتبهم المفضلة وأنها اسوأ ولا ترقى للعمل الأدبيّ المحترف. تجاوزًا للأفلام السيئة أحبّ أن أشاهد أفلام الروايات التي اقرأها حالما أنتهي من قرائتها، هذا يتيح لي فرصة قراءة جانب جديد من الرواية لم أتنبه له أو لم يخطر لي. كلّنا ننظر للعالم بطرقنا الخاصّة والإستماع لروايات الآخرين أو مشاهدة رؤى المخرجين لما يقرؤون ممتعة فعلًا لأنّي لا أبحث من الأساس عمّن يعيد لي النصّ كما هو بل عمّن يغذيه بروحه ورؤيته هو، ناهيكِ عن التغذية البصرية للنصّ المقروء التي تكسبه بعدًا مذهلًا.
    من الرائع فعلًا أن نعرف كيف يرى الآخرون هذا العالم.

    بالمناسبة تنتظركِ رسالة على بريد المدوّنة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s