الاحتلال المعرفي (1) – مع منير فاشه

اقتبسنا عنوان التدوينة من مقطع فيديو لمحاضرة مختلفة و مدهشة قدّمها المفكر الفلسطيني (منير فاشة) في إحدى تجمعات تيدكس TEDx في رام الله، وفي هذه التدوينة نقدم الجزء الأول من الأسئلة التي طرحتها مدوّنة سحارية على المفكر منير فاشة لاستيضاح أفكاره و الاستفادة منها، ففي مقالاته المنشورة في موقع الملتقى التربوي العربي و مجلة رؤى تربوية و موقع التغيير قدّم منير العديد من الأفكار المختلفة و العميقة عن تعليم المؤسسات و عن عيوب الحضارة التي لا يتنبه لها العديد من الناس، و عن المعرفة التي يكتسبها المرء من الحياة مقابل المعلومات “المعلّبة” التي تمنحها له المدرسة!
و تنبه أيضًا إلى تأثير اللغة على المجتمعات، إذ يقول في مقاله (نحو حمايتنا من العولمة: انتزاع الفكر والإدراك من الأقفاص السائدة) : “جزء من المنطق السائد (الذي يدعي أنه المنطق الوحيد) هو منطق أرسطو: كل شخص إما أنا أو ليس أنا ولا يوجد احتمال ثالث. وهذا المنطق يعبّر عنه الرئيس بوش باستمرار “أنتم معنا أو ضدنا ولا يوجد بديل ثالث”. نحارب بوش لأنه يستعمل هذا المنطق في السياسة، ولكننا لا نلاحظه عندما نستعمله مع طلبتنا! نحن كعرب لا مبرر لنا لإهمال البديل الثالث فهو موجود في لغتنا بقوة، ألا وهو المثنى. لا يوجد مثنى في اللغات الأوروبية، وذلك يؤثر على إدراك الناس وفهمهم وتعاملهم، وبخاصة مع الغرباء (فهم إما معنا يخدمون مصالحنا أو هم أعداء يجب التخلص منهم). المثنى هو عبارة عن “مخلوق” ثالث هو العلاقة بين الشخصين، بحيث يبقى كل شخص محتفظاً بكيانه المستقل. أنا أبقى أنا وأنت تبقى أنت، ولكن يتكون “مخلوق ثالث” هو العلاقة بين أنا وأنت، العلاقة التي تجمعنا معاً. هذه العلاقة بين الشخصين ليست علاقة قانونية، وإنما علاقة تصبح وكأنها “مخلوق” جديد أشعر بوجوده باستمرار، ولا أستطيع أن أقرر شيئاً دون أخذ ذلك المخلوق بعين الاعتبار.”
و في رسالنه إلى البابا و التي كتبها في عام 2006 ردًا على الاساءة التي وجهها البابا إلى الإسلام، كتب: “إن الفرضية التي تقول إن المرء يستطيع أن يفهم عالما آخر من خلال كلمات ومفاهيم هي إحدى خرافات العالم الحديث، حيث يعتقد أن المعرفة يمكن تجسيدها دوما في كلمات يمكن نقل المعرفة عن طريقها. وينطبق هذا على معرفة الغربيين عن الإسلام، من خلال كلمات وصور بشكل رئيسي. فالعقول التي تتشكل عن طريق نصوص وصور تكون محدودة، فالكلمات والصور لا تعبر عن الواقع، فحتى يفهم المرء عالما آخر، عليه أن يجربه ويختبره؛ أي أن يدخله دون مفاهيم وأفكار مسبقة.”

منير فاشة يتحدث في برنامج “زيارة خاصة” على قناة الجزيرة، لقراءة نص المقابلة هنا

في البداية أود أن أوضّح بعض الأمور: لا يوجد معنى مطلق أو عالمي. الإجابات أدناه نبعت من سياق وخبرات واجتهادات شخصية… يرتبط هذا بقناعة عميقة لديّ بأن أخطر ما يهدد البشر ويخرّب الحياة على الأرض هو استمرار الفكر العالمي في الهيمنة على إدراكات وسلوك وعلاقات الناس. أعني بالفكر العالمي الادعاء بأن هناك مسارا أحاديا للتقدم والتعلم، ومصدرا رئيسيا للمعاني والمعارف، ومقياسا عموديا لتقييم الناس والمجتمعات. الفكر العالمي محكوم بمؤسسات ومهنيين وخبراء، خاصة من خلال التصنيفات الأكاديمية. هو أخطر أنواع العنصرية لأنه يستبطن عنصرية غير مرئية، خفية حتى على من يمارسها، إذ في معظم الأحيان ينشر الشخص هذا “الفيروس” دون وعي بالعنصرية التي يستبطنها فهي مغلّفة بأغطية أكاديمية مهنية رسمية، وبالتالي يقبلها الناس عادة دون تردد. لذا أرى أهمية توضيح القناعة الجوهرية التي أعمل وفقها: أنا ضد الاعتقاد بمسار أحادي عالمي للتعلم والتقدم وتكوين معرفة وتقييم الإنسان؛ هناك مسارات ومصادر متعددة ومتنوعة. ربما يكون أكثر ما فعلته عبر ال 40 سنة الفائتة هو حث الطلبة والناس عامة على الشك بالخبراء والاحتكام بالحكمة واستعادة مسؤوليتهم وحقّهم في أن يكونوا شركاء في توليف معاني وفهم، وبوجه خاص معاني الكلمات التي يستعملونها أو يسمعونها أو يقرأونها (وهو حق مغيّبٌ من التعليم والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحقوق الطفل). (منير فاشة)

اللغة كمدخل للتعليم

1. “من هنا فإن أي محاولة لتحسين التعليم، بحيث تبقيه سجينا للغة، هي محاولة تشبه بناء قصور في الهواء، محكوم عليها بالفشل مسبقا ” كيف نحرر التعليم والتعلم من سجن اللغة؟ أسأل من حيث اللغة كونها عربية أو إنجليزية مثلا ومن حيث اللغة التي تقيد المعنى باللفظ (على مستوى المصطلحات والتعابير)؟

ليس المهم فيما إذا كانت مدرسة تستعمل العربية أو لغة أجنبية بقدر المعاني والقيم والقناعات التي تحكم الإدراك والأفعال والعلاقات. فكلمة “راسب” أو “فاشل” (التي ذكرتها بأعلاه) والتي تُطلَق على نسبة عالية من الطلبة حول العالم، بشهادة رسمية من وزارات التربية والتعليم في نهاية المرحلة الثانوية هي جريمة تُقْتَرَف سنويا سواء استعملنا الكلمة العربية أو الانكليزية. بعبارة أخرى، لا تكمن المشكلة في سجن الفكر ضمن لغة معينة وإنما في ربطها بكلمات ميتافيزيقية محكومة من قبل سلطة ولا تستمد معانيها من حياة الناس ومن اجتهاداتهم في توليفها.

التعليم النظامي والأطفال

“ترك ابني المدرسة فتعلمت منه أهم ما يمكن أن يتعلمه إنسان: ارتباط عافية الجسم بنمط الحياة.”

2. عندما كان ابنك في التاسعة من عمره انقطع عن الذهاب إلى مدرسته، و لم تبد أي اعتراض على هذا. احك لنا عن تجربتك معه.

عندما كان ابني 9 سنوات، في الصف الرابع، قال لي أنه لا يجد المدرسة ذات معنى ويرغب بتركها. قلت له: “كان عمري 30 سنة عندما توصلت لنفس القناعة؛ أنت توصلت لها في عمر 9 سنوات! يخزي العين عنك. لكن شرطي الوحيد أن لا يكون التلفزيون وما شابه هو البديل”. خرج من المدرسة، وبعد ثلاث سنوات طلب العودة… لم أمنعه في الحالتين. رغب بالعودة بشكل رئيسي بسبب وجود جو اجتماعي وليس لوجود جو تعلمي، إذ اكتشف أنه تعلم خارج المدرسة أكثر بكثير من المدرسة، بما في ذلك حقيقة أن الكتب التي قرأها لم تكن عقيمة ومملّة كما هي الكتب المقررة. كانت الكتب التي قرأها من اختياره وذات علاقة ومعنى لما يبحث عنه في حياته وهو معنى يختلف جذريا عن إجراء بحث في مؤسسة تعليمية والذي عادة لا علاقة له بما يبحث عنه الشخص، بل يرتبط بمتطلب أكاديمي أو تمويل. من الجدير بالذكر أن ابني الذي ترك المدرسة قرأ أكثر بكثير مما قرأته إلى جانب أن ما قرأه كان نابعا من رغبةً ذاتية في مواصلة بحثه عن معنى وفهم لحياته، والذي تبلور مع الوقت في اهتمامه بحماية الناس من مأكولات ضارة. منه تعلمت أهم ما يمكن أن يتعلمه إنسان: ارتباط عافية الجسم بنمط الحياة.

“المدرسة الحديثة حولت الإنسان من حيوان ناطق إلى حيوان صامت”

3. هل يمكن أن يعيش الطفل حياة طبيعية دون أن يرتاد المدرسة؟ خصوصًا إن اعترفنا بأن أغلب علاقات الطفل الاجتماعية – إن لم تكن كلها – تتشكل في المدرسة، و ما هو البديل عنها في المجتمعات الحديثة المنغلقة؟ كمجتمعنا السعودي مثلًا.

ماذا يعنيه تعبير “حياة طبيعية”؟ هل جلوس الطفل على قفاه مدة 12 سنة والادعاء بأنه يتعلم يعكس حياة طبيعية؟ وهل العلاقة الصامتة مع اللغة (مثل الجلوس أمام كتاب أو شاشة دون نطق ودون سماع) علاقة طبيعية؟ أشار العرب القدماء إلى الإنسان ب”حيوان ناطق”. حوّلته المدرسة الحديثة إلى “حيوان صامت”! كما قلت بأعلاه، قرر ابني العودة إلى المدرسة للسبب الاجتماعي الذي تذكرينه، ليس لأن المدرسة أفضل، ولكن لأننا فقدنا في العصر الحديث الفسح الحقيقية التي كانت تجدل نسيجا اجتماعيا فكريا روحيا ترفيهيا بين الناس – مثل الحوش والحارة والحيّ. اختفت كثيرا وساءت الأمور في يومنا هذا بتسارع كبير وخطير نتيجة التواصل الإلكتروني.

التعليم الرسمي

“أكثر ظاهرة نجحت عبر التاريخ كانت التعليم الرسمي النظامي المركزي”

4. تقول بأن نظام التعليم المتّبع في العالم هو نظام فاشل في تصميمه قبل تطبيقه. و العالم اليوم يواجه أزمة تعليمية مربكة! فهل لديك تصوّر لنظام تعليمي أفضل من نظام التلقين المتبع حاليًا؟

سؤالك مليء بكلمات تخدّرنا بحيث نفقد القدرة على رؤية الأمور بوضوح. سأختار كلمتَيْ ’فاشل‘ و’تلقين‘. كثيرا ما نسمع ونردد بأن التعليم فاشل ويعتمد على التلقين. في رأيي، أكثر ظاهرة نجحت عبر التاريخ كانت التعليم الرسمي النظامي المركزي، الذي نجح نجاحا باهرا فيما اختُرِعَ من أجله: السيطرة على العقول من خلال السيطرة على المصطلحات والتصنيفات ومعانيها ومصادرها، ومن خلال السيطرة على مصدر قيمة المرء من خلال مسخ قيمته إلى رقم له إيحاءات لكن دون دلالات. كذلك الحال بالنسبة لوصف ما يجري في التعليم بالتلقين. فالمشكلة لا تكمن في التلقين بل في التخريب والتمزيق والتخدير الملازم للتعليم الذي يدّعي أن هناك مسارا أحاديا على جميع أطفال العالم أن يسيروا وفقه. أما ما نراه من اختلاف بين نظام وآخر فيتعلق بالمظهر لا بالجوهر. فجوهر التعليم كما صمّمه “نبريها” قبل 500 سنة وتم تطبيقه أول مرة في فرنسا قبل 350 سنة لم يتغير بل ربما تعمّق في قدرته على التخدير والتمزيق والعنصرية التي يستبطنها بطريقة تخفى عمن ارتبطت عقولهم بنصوص ورموز وكلمات ميتافيزيقية بدلا من الحياة (تعبير ’الأول في الصف‘، مثلا، له إيحاءات لكن بدون مدلولات). إذا سألتِ أي معلم لماذا يُدرّس ما يدرّسه سيجيب في أغلب الظن: لأنه مقرر (من سلطة أعلى).

“ما أضافته هارفرد لي يكمن في أمرين، أحدهما لا أحد يستطيع أن يقول لي “لو ذهبت إلى هارفارد لغيّرت فكرك عن التعليم”

5. خريج هارفرد الذي يرفض التعليم المؤسسي، هل أضافت له هارفرد ما يستحق؟ ( إذا كان الجواب نعم، فكيف ترفض التعليم المؤسسي إذَا)
يوجد في جامعة هارفارد 99 مكتبة… الشخص الذي يسمع بهذا يقول: ما شاء الله!
ولكن، إذا قارنا الروح في هذه المكتبات مع روح مكتبة الاسكندرية قبل ما يزيد عن 2300 سنة، وهي الروح التي حملتها المكتبات التي أُنْشِأت فيما بعد في جنديشابور وبغداد وقرطبة وطليطلة وغيرها من المدن، لوجدنا أن هناك فرقا شاسعا على أصعدة شتى (ربما تكون هناك مناسبة أخرى للحديث عنها). ما أضافته ’هارفارد‘ بالنسبة لي لا علاقة له بالتعليم الرسمي (المرتبط بقيمتي السيطرة والفوز، سواء في هارفارد أو في غيرها، باستثناءات قليلة جدا) بل يكمن في أمرين رئيسيين: لا أحد يستطيع أن يقول لي “لو ذهبت إلى هارفارد لغيّرت فكرك عن التعليم”، أما الأمر الثاني فكان ناتجا عن عملي كمدير ل”الملتقى التربوي العربي” مدة عشر سنوات في “مركز دراسات الشرق الأوسط” في جامعة هارفارد حيث أتاح ذلك العمل لي زيارة 29 دولة عملت فيها مع مجموعات تعمل وفق رؤى متنوعة. أما ما جعل ذلك ممكنا فكان في الحقيقة “روجر أوين” والذي كان الوحيد من بين من تعاملت معهم من الأكاديميين الغربيين الذي كانت رحابة الصدر والعقل لديه حيّة وصادقة.

أنا أرفض التعليم المؤسسي بشكله الاحتكاري والاحتقاري والذي يدعي أن هدفه تطوير البشر من خلال كتب مقررة وامتحانات غبية وتقييمات مزورة. إذا لم نتحرر من هيمنة المسار الأحادي في التعلم وتوليف معرفة وفرضهما على الناس أجمعين، لا أرى أملا للبشرية. من الحكمة أن نعتبر الطريق السائد أحد الطرق ومن يرغب في اتباعه فليكن، أما أن يُفْرَضَ على جميع البشر فهو جريمة من الضروري الشفاء منها وإلا قضت علينا. أن يستطيع خريج جامعة من فلسطين مثلا تقديم طلب إلى أي جامعة في العالم بناء على المعرفة ’العالمية‘ التي يحصل عليها بينما لا يوجد لتلك المعرفة معنى في قريته أو مخيّمه أو بلدته فذلك مهزلة يجب أن نشفى منها.

6. جاهدتَ لإرضاخ هارفرد للقبول بـ”والدتك” و “الدجاجة الفلسطينية” كمراجع لرسالتك العلمية. هل خلف إصرارك عليهما كمراجع درسًا تريده أن يبلغ مؤسسات التعليم؟

ليس درسا بل تحررا من هيمنة واحتكار مصادر المعرفة وما يُعْتبَر ذا قيمة. [من يرغب المزيد يمكنه الرجوع إلى مقالي في Harvard Educational Review, February 1990 أو حديثي في TEDxRamallah

التعليم كما ينبغي له

7. حديثك عن العلم دائمًا ما يقترن بمفردة الحكمة. في إحدى المرات أشرت إلى العقل العلمي والمنهجية العلمية بكونها أسرت الحكمة (عندما نسبت المهمة لديكارت وبيكون). برأيك ما هي أكثر الأفكار العلمية اللاحكيمة والتي قادنا التنوير إليها؟

المثال الذي أعطيه عادة لتوضيح الفرق بين العلم والحكمة والذي يعكس مدى التخدير والتخريب (والادعاء بأنه تقدم وتطور) هو السيفون. من الصعب ذكر اختراع علمي أروع من السيفون، ولكن في نفس الوقت من الصعب ذكر اختراع كان أكثر وبالا على البشر والطبيعة! فالسيفون يسلبنا الماء والتربة والفضلات ويلوث البيئة – كل ذلك من أجل أن يظهر المرحاض نظيفا! أما السؤال: “ما هو البديل؟” فيعكس مدى التخدير والفقر في تخيل ما تخفيه عنا الشركات والمؤسسات. هناك بدائل عديدة يكون فيها المرحاض نظيفا، لكنها لا تدرّ ربحا لشركة أو دخلا لمهندس، لذا تبقى مغيّبة. انتبهت إلى هذه الحقيقة في زيارتي الأولى للمكسيك حيث عشت مع صديق في مدينة ’واهاكا‘ بجنوب المكسيك، ويستعمل في بيته dry latrine. لا أتكلم هنا عن قضية ثانوية بل مرتبطة ببقائنا، خاصة في معظم الدول العربية حيث المياه شحيحة. السيفون ليس الفكرة العلمية الوحيدة غير الحكيمة بل هناك الكثير. تكمن المشكلة في صلب الفكر العلمي الحديث كما صاغه أبو العلم الحديث ’فرانسس بيكن‘ الذي عرّف العلم بأنه “إخضاع وقهر وتركيع للطبيعة”. كذلك، أدى غياب الحكمة إلى عنجهية تمثلت بادعاء ’نيوتن‘ أنه اكتشف القوانين التي وضعها الله في الطبيعة! ما زالت معظم كتب الفيزياء تدرِّس ما لاحظه نيوتن من انتظام في سلوك الأجسام الجامدة وكأنه اكتشاف لقوانين الطبيعة… الاعتقاد بمسار أحادي عالمي للتقدم والتعلم أدى مثلا إلى أن يقترح “جون دانيال” المدير العام المساعد لقسم التعليم في اليونيسكو عام 2002 بما سماه ’ماك تعليم‘ استلهاما بماكدونالد، حيث تُغلَّف المعارف برزم جاهزة (ساندويشات معرفية) تباع للطلبة في جميع دول العالم! هذه ليست نكتة بل حقيقة حدثت في منظمة عالمية!

8. تكرر دائمًا بأنه من الخطأ تقسيم الناس حسب المسطرة الثنائية: ناجح/راسب، متفوق/فاشل.. وتشير أيضًا لمقولة الإمام علي ’قيمة كل امرئ ما يحسنه‘ هل يمكن توظيف هذه المقولة في أنظمتنا التعليمية؟

ليس فقط ممكن بل تشكّل في رأيي إحدى أنجع الطرق لانتزاع أنفسنا من الفكر الأحادي وإنهاء جريمة نقترفها سنويا ضد من ترفض عقولهم القولبة وفق نظام يعتمد على اتباع تعليمات! هي مقولة هامة لاستعادة الحكمة في الحياة. منذ قرأت هذه العبارة للإمام علي، وأنا مقتنع أنها بكلماتها الخمسة يمكن أن تشكل رؤيا كاملة (على الأقل) للتربية العربية، إذ كما قال النفّري قبل ألف عام: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة.

“تتمثّل أعجوبة الحياة في أحلى وأعمق مظاهرها في أن الإنسان حتى الآن في شتى اختراعاته وعبر ما كوّن من علوم وتكنولوجيا، لم يستطع أن يحسّن من روح أو جوهر أي ناحية في الحياة؛ كان التحسين على صعيد المظهر.”

9. مشكلة المثقف العربي هي أنه يمارس التنظير ووصف المشكلات دون أن يبادر بأفعاله لحلّها، هل قدمت مشروعًا فعليًا للتغلب على أزمة غياب الحكمة، أو مشروعًا لإصلاح كسور أنظمة التعليم السيئة؟
أود التعليق على عدة كلمات في سؤالك: مثقف، تنظير، تقديم مشروع، إصلاح.
كلمة مثقف تعني لغويا شذب وصقل وجعل الشيء أكثر حدة…فجذر “تثقيف الذات” هو نفس جذر “تثقيف الرمح” أي جعله حادا. في المقابل، الإيحاء أو الإدراك العام لكلمة مثقف هو كثرة وتنوع المعلومات والمعارف لدى الشخص. الثقافة لا تقاس بالمدّ الأفقي وإنما بالتعمق التأملي في الخبرات وصقل مستمر للمعنى والفهم.
كذلك الحال بالنسبة لكلمة ’تنظير‘. فالنظرية هي رسم صورة ذهنية للخبرات والذكريات والمعاني، أي تكمن في الخلطة التي تتكون في الذهن والإدراك وهي عادة خلطة إبداعية. أما النظرية الجاهزة – كالتي نحصل عليها في المدارس والجامعات – فتنتج معرفة ميتة. من يمارس التنظير (بمعنى رسم صورة في الذهن نابعة من الحياة) هو إنسان مثقف حي. الكلمة التي أراها أقرب للمعنى السلبي لكلمة تنظير هي “لغة ميتافيزيقية بلاستيكية” لا علاقة لها بالحياة بل نابعة من مؤسسات ومهنيين وأكاديميين وخبراء يصيغون مصالح من هم في مواقع سلطة.
أما بالنسبة لسؤالك “هل قدّمتَ مشروعا؟” فأقول: أقدم مشروعا لِمَنْ؟ إما أن أعيش مشرعي أو أسكت. وهذا ما فعلته منذ 1971، إذ عشت رؤيا أخرى للتعلم وتكوين معنى ومعرفة في مواقع وأوقات عديدة ومختلفة، مثلا، مع طلبة في الضفة الغربية فيما أسميناه ب”نوادي العلوم والرياضيات” وثم في العمل مع عمال “جامعة بيرزيت” في نهاية عقد السبعينييات عندما أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي الجامعة عدة أشهر، ثم في تصميم وتدريس مساق في الرياضيات أسميته “الرياضيات في الاتجاه الآخر” لطلبة السنة الأولى في جامعة بيرزيت عام 1979، ثم عندما تركت الجامعة في الانتفاضة الأولى وأنشأت “مؤسسة تامر” والتي كانت الفكرة الأساسية فيها “خلق أجواء تعلمية” كوسيلة لإنهاء احتلال العقول الذي تمارسه المؤسسات عامة والمدارس والجامعات خاصة، والتي كان أهمها حملة القراءة التي شملت التعبير كرفيق للقراءة، فالحياة أخذ وعطاء. [يمكن الرجوع إلى مقالي عن الموضوع في Harvard Educational Review, February 1995، ثم في العام 1997 أنشأت ’الملتقى التربوي العربي‘ في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد، ثم في عملي مع المعلمات والأمهات في مخيم شعفاط قرب القدس، وأخيرا في بيت الحكمة في “جامعة في المخيم” ضمن جامعة القدس (أبو ديس). في جميع تلك الحالات، لم أقدم مشروعا بل عشته. أي، لم أوصي بالمشروع ولم أُصِغْه على ورق بل في جميع الحالات عملت مع مجموعة ضمن “مجاورة” حيث كان هناك توافقٌ حي ومستمر بين الفعل والفكر والتعبير والقيم التي اخترنا أن لا نخالفها في أفعالنا. ربما أصدق تعبير عما فعلته هو: فن الممكن.
وأخيرا، كلمة إصلاح: نتكلم عادة عن إصلاح التعليم مثل تصليح سيارة بشكلٍ آلي، حيث نحضر ’خبراء‘ يقوموا بذلك. في منتصف التسعينيات، طُلِب من أستاذ صديق في كلية التربية في هارفارد أن يذهب ضمن فريق إلى مصر لتحسين التعليم. سألته: هل زرت مصر من قبل؟ قال لا. قلت “لا تعرف مصر ولكنك تعرف ما هو مناسب لأهالي مصر؟!” أعود لأؤكد أن الحل لا يكمن في إصلاح أو تحسين التعليم (رغم أن مثل هذا العمل له معنى، وقمت به شخصيا في بعض الأحيان). ولكن بعد ما شاهدته في مجتمعات عديدة (من خلال زياراتي لأكثر من 30 دولة خلال عشر سنوات)، أرى أن التحسينات تقتصر في أحسن الأحوال على الأقفاص دون أن تمس الجوهر. الوضع الذي نعيشه ونواجهه في عالم اليوم يتطلب إعادة النظر في “مقدسات” العصر الحاضر مثل فكرة التقدم على خط عمودي. ولعل من أكثر الأمثلة التي تعكس وَهْمَ التقدم هو تصديق وضع ماء في قناني بلاستيكية مغلقة بأنه يبقى صالحا للشرب مدة سنة! مثال يوضّح مدى الغباء والتخدير والجهل التي يتحلى بها الإنسان المعاصر.
تتمثّل أعجوبة الحياة في أحلى وأعمق مظاهرها في أن الإنسان حتى الآن في شتى اختراعاته وعبر ما كوّن من علوم وتكنولوجيا، لم يستطع أن يحسّن من روح أو جوهر أي ناحية في الحياة؛ كان التحسين على صعيد المظهر.
Advertisements

3 Comments

  1. لما قرأتُ عنوان التدوينة في التنبيه البريدي توقعت أنّ كاتبتها ستكون هيفاء، وحالما قرأت “منير فاشه” كدت أجزم أنّ الكاتبة ستكون حنان لأنّها الأكثر اهتمامًا بالتعليم حسب ملاحظتي وحالما شرعت في القراءة فهمت أنّها عمل مشترك بينكنّ جميعًا.
    تفاجئت جدًا باللقاء لأنّي قبل شهر ونصف تقريبًا كنت أبحث عن انسان له صلة بالتعليم وهمّه فيه حقيقي وله تجربة على الأرض فشاهدت بالصدفة مقطعه في يوتيوب وكذلك أرسلت لي صديقة فلسطينيّة إعلانًا عن ندوة عن التعليم مع هذا الرجل وأخذت منّي كل الأسئلة الّتي راودتني حينها لتوجهها له، وأذكر أنّي في ذلك المساء حدّثت رقيّة عن ففجائتني هي كذلك بأنّها في نفس اليوم شاهدت مقطعه في تيد رام الله فيبدو أنّها صدفة عظيمة جدًا، بل قدرٌ عظيم!

    في إجابته عن السؤال الأوّل قال “ليس المهم فيما إذا كانت مدرسة تستعمل العربية أو لغة أجنبية بقدر المعاني والقيم والقناعات التي تحكم الإدراك والأفعال والعلاقات” إذًا برأيكنّ هل هذا لا يجعلنا نقلق بشأن ثنائيّة اللغة والهويّة؟
    فالواقع اليوم يُخرج لنا نماذج مختلفة لمن تشوّهت هويتهم وآخرين احتفظوا بها بل وعاشوها واقعًا بشكل مذهل لكنّ ذلك غالبًا يحدث بإختيار شخصيّ واهتمام من البيئة المحيطة كالأسرة مثلًا.

    وهذا لقاء رافق الندوة الّتي تحدثت عنها

    رد

  2. أهلًا يا رحاب، صدفة جميلة بالفعل
    أعتقد أنه كان يركز على فكرة تحرر التعليم من القيود اللغوية، أو كما يسميها (المفردات التي تحمل إيحاءات بدون دلالات)، و في التدوينة التالية تفصيل عن دور اللغة في تقييد المعرفة أو تحريرها.
    و بالمناسبة، شكرًا على الرابط الذي أرفقتيه، استخدمته كمرجع اضافي 🙂

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s