أين منزل الصديق؟

images أن تكون طفلًا وتنسى دفتر الفروض في المنزل فتلك جريمة يعاقب عليها النظام التعليمي كما تعلم، أما أن تنسى دفتر زميلك معك فالجريمة عندئذٍ تتخذ منحى آخر: هو المعاقب وأنت السبب. هذه باختصار قصة الفلم الإيراني ?Where is the friend’s home  للمخرج عباس كياروستامي والتي لو حُكيت لي لما استمعت إليها فضلًا  عن أن أشاهدها كفلم؛ مما يعني ساعات جلوس أطول مع قدرة متدنية على التأمل! عبقرية فلم كهذا لا تكمن في قصته بل في أن يحولك لهذا الطفل، تشاركه مخاوفه وترقبه، تعيش داخل التوجس الذي يحيط به وتكتشف كم هو العالم الخارجي بارد ومظلم إذ لا يلتفت إليك ولا لهمومك التافهة.
 
يبتدئ الفلم بمشهدٍ مدرسي يتكرر بكل إحداثياته في أي مدرسة مع اختلافات بسيطة في اللغة والديكور: معلم قروي تقليدي وأطفال مشاغبون. يسرد عليهم قائمة التعليمات المدرسية: كم مرةً أخبرتكم بوجوب الحضور المبكر؟ من أذن لكم بالجلوس؟ والجميل أنه أستاذ تقليدي وحسب، مما يزيل كل الاعتبارات التي تضيف جوًا من الغرابة أو الرعب إلى الفلم. بعد سرد التعليمات يحين وقت تصحيح الفروض. وعندما يصل لمحمد رضا نعمت زاده، يجد أنه وللمرة الرابعة لم يكتب فرضه في الدفتر! لا يستطيع أن يؤول الأستاذ موقف كهذا إلا بأنه استهتار؛ نعمت زاده تجاهل التنبيه ثلاث مرات ولا زال يكتب الحلول في المكان الخاطئ. عندها قرر معاقبته بتمزيق أوراقه. لم يكن للصبي من خيار غير أن يبكي، ذاك البكاء الذي نبكيه خوفًا في المدرسة. بعدها يستجوبه الأستاذ ليجد أن نعمت زاده نسي دفتره عند ابن عمه، في هذه اللحظة يقول أحد الطلاب بأن الدفتر معه. عندها يفترض الأستاذ أن التلميذ يكذب عليه دون أن يطرأ بباله أن زميله في الصف يكون ابن عمه أيضًا! المهم أن الأستاذ يسامحه هذه المرة ويتوعده بالطرد من المدرسة في حالة تكرار الخطأ خصوصًا بعد أن حكى للتلاميذ عن مبررات استخدام الدفاتر: تعلم الانضباط، والقدرة على تقييم الذات من خلال تتبع تقدمها في الكتابة. في نهاية اليوم الدراسي ينسى نعمت زاده دفتره في حقيبة زميله أحمد. في البيت يكتشف أحمد أنه أخذ دفتر زميله معه بسبب تشابه الدفترين وتبدأ رحلة الطفل من هنا.
 whereisthefriendshome-thepredicimate
لا أحد يقدر الوضع الذي تعيشه، عالمك الأليف الذي تنسجه من مخاوفك وآمالك الصغيرة لا يستطيع الصمود أمام صلابة العالم الخارجي، مالذي يعنيه أن يكون دفتر زميلك معك وأخاك الصغير يملأ البيت بالبكاء وبيتك ينقصه الخبز ووالدتك منهمكة في العمل والشتاء سيفترس القرية وأبواب منزلك تتداعى؟ لا أحد يستمع لفحوى حكايتك فضلًا  عن أن يسمحوا لك بسرد تفاصيلها التي تؤرقك.

الذهول الذي يرتسم عليه، الشرود الذي يصيبه، التهديد الذي يطاله، ومن ثم قراره الصغير: سيغادر إلى بوتشيه  -وهي قرية بعيدة نسبيًا- لإعادة الدفتر. كيف سيجد منزله وهو لا يملك أي دلالة عليه في قرية لم يدخلها من قبل وتحتوي عدة أحياء وفيها الكثير من “نعمت زاده”؟ في رحلة البحث تحدث بعض المفاجآت الصغيرة ولربما الخيبات. يلتقي أيضًا برجل عجوز يدله على المنزل ويحدثه عن علاقته بالنوافذ وعلاقة النوافذ بالناس، وتدفق الناس نحو المدينة التي بحث فيها عما يستحق ولم يجد. ينتهي الفلم في المدرسة، صرخت عند اللقطة الأخيرة! بعد أن خف اندهاشي وجدت أن مخرجًا استطاع سحبي لعالم طفل بهذه الطريقة، لا بد أن لديه الكثير لقوله وقوله بطريقة لذيذة جدًا.

Advertisements

3 Comments

  1. سأتابعه ..
    لكنني أرغب منك ِ بالتفضل علينا بالمزيد من الحديث حول الفيلم .. أشعر أنه يستحق المزيد فعلا ً

    رد

  2. كنتُ ولازلتُ أقول: لو أنّ بإمكان الكبار أمثالنا -وهل نحن إلّا كبار الأجسام مع روحٍ متضائلة يا هيف؟- أن يتخيّلوا بشكل ممتاز مقدارَ اتساع قلوب الأطفال لـ قدّسوهم! أنا لا أراني أبالغ إطلاقًا -هذه اللحظة- ومتيقنة جدًا أنّ الطفل حين يأتي وإن كان لا يدرك من أمر الدنيا إلّا ما تمّ تلقينه منذ الرضعة الأولى، إلّا أنّ فطرته وحدها عالم واسع جدًا من المعاني المحلّقة بلا قيود بشرية ولا علاقة لها بشرائع الأرض ولا طريقة أهلها، وهنا تمامًا تتجلى الدهشة؛ الدهشة التي لا تنقضي إلا بانقضاء طفولته إلى مرحلة شوهاء بـ سبب كاملٍ منّا.
    نحن نقتلهم رويدًا رويدًا حتى يصبحوا مثلنا، وحين يكبرونَ نسخًا مشوهةً مثلنا يفعلون -بتقليد أعوج- ذات الفعل بأطفالهم.
    يبدو الفيلم ذكيًّا، وجدته تورنت والتحميل جارٍ يا قمري.
    شكرًا دائمًا يا هيفاء 🙂

    رد

  3. ألله على الجمال! للتو انتهيت من المشاهدة يا هيف 🙂
    شكرًا بصدق على الدلالة، وروح أحمد الجميل تشبه جدًا شقيقتي الصغرى غدير.
    الفيلم البسيط هذا “هاااائل”، وكمية الرمزية فيه مدهشة.
    ووجه أحمد، يا وجه أحمد!

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s