فـيزيـاء الـكـون

هل يمكن أن نسافر عبر الزمن؟

في عام 1895م نشر الكاتب الانجليزي هربرت ويلز رواية (آلة الزمن) الخيالية، والتي تتحدث عن باحث استطاع أن يصنع آلة عجيبة ويسافر عبرها للمستقبل البعيد للأرض. قبل هذه الرواية لم يكن مفهوم (السفر عبر الزمن) متداولًا بين الناس. أي أن أحدًا لم يفكر أن يسافر للمستقبل أو يعود للماضي قبل أن ينشر ويلز روايته التي صنفت كرواية خيال علمي!

اشتهرت الرواية و انتشرت فكرة (آلة الزمن) منذ ذاك الحين، لكنها ظلت فكرة خرافية ولم تتحول إلى نظرية مقبولة علميًا قبل عام 1915م، تحديدًا.. في العام الذي نشر فيه آينشتاين الورقة العلمية التي تضمنت ما يعرف بـ نظرية النسبية العامة، والتي أحدثت تغيرًا كبيرًا في إدراك البشر للمفاهيم الكونية كـ الزمن على سبيل المثال.

فببساطة شديدة، تفترض الفيزياء الكلاسيكية (فيزياء نيوتن- أو فيزياء ما قبل النسبية) أن الزمان ثابت كوني. فنيوتن لاحظ أن قياسات الزمن في تجاربه كانت لا تتأثر بالظروف المحيطة (على عكس الجاذبية مثلًا). و من هذا المنطلق كان الزمن هو الثابت الرئيسي في قوانين نيوتن للحركة و الجاذبية. لكن آينشتاين نقض هذا الافتراض حين أثبت بمعادلاته النسبية أن الزمن – كغيره- يتأثر بالظروف الفيزيائية و يؤثر عليها. و تحديدًا، فإن (الجاذبية) و (سرعة الحركة) هما العاملان اللذان يؤثران على الزمن، و بتعبير أوضح: فإنهما يؤثران على (سرعة مرور الزمن). إذ يمكن أن تزيد سرعة مرور الزمن أو تقل، بل و يمكن أن يتوقف الزمن تمامًا! فنصل إلى الخلود.

كيف يحدث ذلك؟

النسبية تقول أن علاقة الزمن بالجاذبية هي علاقة عكسية، و كذلك بالنسبة لسرعة الحركة، فهي تتناسب عكسيًا مع سرعة الزمن. فإذا زادت جاذبية المكان قّلت سرعة مرور الزمن فيه، و إذا زادت سرعة الجسم قلّت سرعة مرور الزمن بالنسبة إليه.

ومسألة الجاذبية محسومة في فضاءنا الكوني، فنحن لا نستطيع أن نتحكم بجاذبية الكوكب، بل يمكن فقط أن نسافر إلى كواكب موجودة أصلًا و نسكنها، فيكون الزمن فيها أسرع من زمن الأرض، إذا كانت جاذبيتها أقل من جاذبية الأرض، أو يكون الزمن فيها ابطأ من زمن الأرض إذا كانت جاذبيتها أكبر. مع ملاحظة أن جاذبية الكوكب تتأثر بكتلته بشكل مباشر، فكلما كانت كتلة الكوكب أكبر زادت جاذبيته. (لكن تظل فكرة السكن في كوكب غير كوكب الأرض فكرة خيالية و تكاد تكون مستحيلة)

أما السرعة، و هي بالتحديد العامل الفيزيائي الذي يحب العلماء التركيز عليه خلال حديثهم عن فكرة (السفر عبر الزمن)، فيطول الحديث عنها:

في البدء من المهم أن نتحدث سريعًا عن سرعة الضوء، إذ يعتبر المقياس (سرعة الضوء في الفراغ) في معادلات النسبية هو الثابت الكوني الوحيد الذي لا يتأثر بأي ظرف من الظروف الكونية، و يعتبر أيضًا قياسًا للسرعة القصوى في هذا الكون، فلا يمكن أن يتحرك جسم بأسرع من سرعة الضوء أبدًا.

و كما أشرنا سابقًا إلى العلاقة بين السرعة و الزمن، فإننا كلما تحركنا بسرعة أكبر، كلما كانت سرعة مرور الزمن بالنسبة لنا أقل. لكننا نحتاج إلى سرعات ضخمة جدًا جدًا لندرك و نلاحظ التغير في سرعة مرور الزمن، نحتاج إلى سرعات تشكّل نسبة ما من سرعة الضوء (ربعها أو نصفها مثلًا)، علمًا بأن سرعة حركتنا (بل و سرعة حركة أسرع صاروخ استطعنا صناعته) تبدو كقطرة في بحر، بالنسبة لسرعة الضوء.

إذًا، تفترض النسبية أن الزمن سيصبح ابطأ و ابطأ كلما زادت سرعة الجسم، إلى أن يصل الجسم إلى السرعة القصوى (سرعة الضوء)، و حينها سيتوقف الزمن تمامًا! و يصل الجسم إلى مرحلة الخلود! ، لكن النسبية تنقض هذا الافتراض حين تقول بأنه من “المستحيل” أن يتحرك أي جسم بسرعة الضوء – عدا الضوء ذاته-  في الظروف التي تحكم كوننا الحالي، أما إن وجد كون آخر تحكمه قوانين وظروف مختلفة، فقد نصل إلى مرحلة الخلود (الخلود في الجنة و النار مثلًا!).

أما إن زادت سرعة الحركة عن سرعة الضوء – على الرغم من أن هذا الافتراض مستحيل – فسرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون!، إلا أن النظرية النسبية تقول بأن الزمن سيغير إتجاهه “لو” استطاع أي جسم أن يتحرك بسرعة تزيد عن سرعة الضوء. مما يعني أن الزمن بدلًا من أن ينتقل من الحاضر إلى المستقبل، سيعود للوراء، و سيصبح خط سيره: من الحاضر إلى الماضي. و ستتحرك الأشياء حينئذ بشكل تراجعي (كأننا نعيد شريط فيديو للخلف)!

هذه الإفترضات صحيحة نظريًا، و مثبتة بالمعادلات الرياضية. لكن المشكلة تواجهنا حين نحاول تطبيقها عمليًا. ففي حالة حاولنا تغيير سرعة الزمن لإبطاءه، فلن نستطع أن نصل إلى أي سرعة ضخمة تمكننا من إحداث تأثير حقيقي في سرعة مرور الزمن.. فأقصى سرعة استطاع أن يصل لها الإنسان هي 25 ألف ميل في الساعة (وهي جزء بسيط جدًا جدًا و لا يقارن بسرعة الضوء)، و ليس من الممكن بحسب الإمكانات التقنية الموجودة حاليًا أن نستطيع اختراع مركبات تتحرك في الفضاء بسرعة ضخمة تمثل جزء معتبر من سرعة الضوء.

و إن استطعنا أن نخترع مركبات تتحرك في الفضاء بسرعات عالية و قريبة من سرعة الضوء، فإن هذا يعني أننا سنستطيع حينها السفر عبر الزمن إلى المستقبل.. لكن علينا حينها أن نتذكر أننا بعد أن نرحل إلى المستقبل لن نستطيع أبدًا العودة إلى الزمن الذي غادرناه. أما إن فكرنا بأن نصل لمرحلة الخلود عبر إيقاف الزمن.. فالنظرية النسبية ستؤكد لنا بأنه من المستحيل في كوننا الذي نعيش فيه أن يتحرك أي جسم بسرعة الضوء (غير الضوء نفسه) لأن كتلة الجسم تصبح “صفرًا” إن أصبحت سرعته مساوية لسرعة الضوء، أي أنه سيتلاشى! و سيصبح عدم!

وبالنسبة للعودة إلى الماضي، فيمكن أن نثبته نظريًا، فالمعادلات الفيزيائية تقول أننا إن استطعنا التحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء، فإن الزمن حين ذلك سيمشي في الاتجاه المعاكس، أي بدلًا من أن يمضي نحو المستقبل فإنه سيعود للماضي و سيتغير اتجاهه. لكن ذلك غير ممكن أبدًا، فالوصول لسرعة الضوء فضلًا عن تجاوزها؛ مستحيل. إضافة إلى أن هناك قضية فلسفية تسمى بالسببية .. فكرتها في أنه من غير الممكن أن يحدث الشيء قبل أسبابه، فلا يعقل منطقيًا أني سأكون قد ولدت قبل أن تولد أمي! فكيف أعود (أنا) إلى زمن ماضي لم تكن أمي خلاله قد ولدت بعد؟ وبسبب هاتين المعضلتين ففكرة السفر عبر الزمن إلى الماضي أو تغيير اتجاه الزمن لازالت من الأفكار المرفوضة في أوساط الفيزيائيين أنفسهم و على رأسهم اينشتاين. وبذلك نستسلم، بأنه لا يمكن أن نعكس اتجاه الزمن، فبطريقة فلسفية يمكن أن ننفي فكرة العودة إلى الماضي حين نقول بأنه لا يوجد تماثل في طبيعة الزمن، فنحن نتذكر الماضي و لكننا لا نستطيع التنبؤ بالمستقبل، و كذلك.. فإن أحداث الماضي تحدث تأثيرًا حقيقيًا على أحداث المستقبل، لكن العكس غير صحيح!

كتبوا عن الموضوع:

أشرف فقيه- آلة الزمن لو ظهرت فستكون إختراعًا فاشلًا جدًا

المراجع:

A Brief History of Time by Stephen Hawking
The Elegant Universe by Brian Greene
فكرة الزمان عبر التاريخ – إصدار عالم المعرفة

Advertisements

9 thoughts on “هل يمكن أن نسافر عبر الزمن؟

  1. أحسنت ، مقالة واضحة وتوصل المعلومة بسهولة
    لكن أختلف معك في بعض الأشياء
    1- الجاذبية تتأثر بالكتلة وليس الحجم
    2- سرعة الضوء ليست ثابتة فهي تتغير بتغير الوسط ، الثابت هو سرعة الضوء في الفراغ vacuum
    3- حسب النظرية النسبية : إذا تحرك جسم بسرعة الضوء فإن كتلته تصبح لا نهائية وليست صفرًا ، وبالتالي سيحتاج طاقة لا نهائية إلا إذا كانت كتلته صغيرة جدًا جدًا جدًا.
    _____________________________________

  2. أهلًا محمد، النقاط التي ذكرتها صائبة فعلًا، شكرًا على التنبيه!
    و سيتم تعديل التدوينة لتصويب المعلومات، فيما عدا النقطة الأخيرة.. لم أقتنع بذلك
    أذكر أن الكتلة حينئذ تتحول كليًا إلى طاقة فيتلاشى الجسم و يصبح بلا كتلة… غير موجود (لكني لم أتوثق من هذا) هل لديك مرجع يدلل على افتراضك حتى أعدل المعلومة الواردة في التدوينة؟

      1. سلام محمد
        أعتذر على التأخير في كتابة الرد.
        مقالة ويكيبيديا ليست مصدرًا موثوقًا للأسف فتحريرها متاح للجميع، و أظن بأن هذه النقطة شبهة متداولة كثيرًا..
        قرأت في كتاب “the elegant universe” المترجم ما يدل على أن الكتلة حينئذ تتلاشى، حاولت أن أعاود البحث عن النص الذي يثبت هذا و لم أجده لكن لحين الوصول إلى مرجع أكيد يحسم المعلومة فإما صائبة أو خاطئة، سأترك المعلومة على ما هي عليه..
        أشكرك لتنبيهك و سعيدة باهتمامك

  3. أشكر لك مقالك الرائع غير أنى أحب أن أشير إلى بعض الحقائق تتناقض كليا مع ما أشرت إليه من استحالة العوده فى الزمان
    أولا أعتبار أن سرعة الضوء هى سرعه قصوى لا يمكن لأى جسم تجاوزها هو أمر صحيح فى أطار الفيزياء الكونيه ولكنه غير صحيح فى أطار فيزياء الكم فقد أثبت العالم ماكس بلانك أن الكترون بعض الذرات يسير بسرعه تفوق سرعة الضوء ودون أن تصبح كتلته لا متناهيه كما يقول انشتاين
    ثانيا لما كانت الطاقه والماده وجهان لعمله واحده ولما كان الضوء طاقه فإن نظرية انشتاين تبدو مناقضه لنفسها لأنه افترض أن أى جسم يقترب من سرعة الضوء تتعاظم كتلته حتى إذا بلغ سرعة الضوء صارت كتلته لا متناهيه فلماذا لم تتعاظم كمات الضوء ( الفوتونات ) أو تصبح كتلتها لا متناهيه وهو أمر تم التحقق منه علميا فسرعة الذوء دائما واحده فى أى مكان حتى فى الفراغ المطلق ولا يحدث تغير لكماته من حيث كتلتها
    ثالثا حجة استحالة نشوء الظاهره قبل السبب يتوقف على فهمنا لمنطق السببيه فقد تعودت عقولنا على أن لكل ظاهره سبب وأن الأمور لا يمكن أن تنقلب فيتسبق الظاهره سببها وقد هدم هذا المنطق العالم هايزنبرج بمبدأ عدم اليقين الشهير المنسوب له فمن الممكن أن تلغى الظاهره سببها فتسبقه وتكون هى ذاتها سبب لظاهره أخرى
    أرجو أن أكون قد أفدت
    سعيد فهمى

  4. أهلا بك، تشكر على هذه الملاحظات ,
    لكن ألا تعتقد أن قوانين فيزياء الكم لا يمكن أن تحضر في مثل هذه الافتراضات؟ كونها لا تنطبق على مجال الأجسام الكونية؟
    أما بالنسبة إلى الفوتونات، فافتراض اينشتاين كان يستثني الضوء. فكل جسم (سوى) الضوء لن يستطيع أن يتحرك بسرعة الضوء فضلًا عن أن يتجاوزها.
    و مبدأ السببية سنة كونية لم نعهدا خلافها نحن البشر!
    شكرًا لتعليقك، مثري بحق

  5. ما شاء الله مقال وفيديو رائع
    للأسف الكثير مش قادر يفهم موضوع السفر عبر الزمن
    استفدت كثير من الموضوع …شكرا يا أستاذة حنان

  6. مقال جميل و الأجمل فيه تبسيط العبارة التي بسطت الفكرة

    ادعو لكِ بدوام التوفيق و السداد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s