ساعة الرمل والولادة من جديد

 tumblr_mi0nd9Yxbs1ragcp7o1_500
 
لو كان لي أن أمسك ساعة الحياة الرملية لكنت تركتها تستلقي على شقها الأيمن بحيث أستطيع رؤية حبات الرمل التي عبرتها والتي لم أعبرها بعد، ولابتسمت لها بهدوء حتى تنام مطمئنة. سأقلب بصري في المكتبة الضخمة التي وجدت نفسي فيها، أعمال أدبية عظيمة، المجموعات الكاملة لشعرائي المفضلين، أعمال فلسفية ونقدية فارقة، وعلى إحدى الطاولات تنتثر أقراص مدمجة لأعظم ما أنتجته السينما من كل مكان، أما المكتب فعليه ورقة طويلة على طراز To Do List تشمل: أمنيات وتحديات، ضرورات حياتية وقائمة مشتريات، أشياء متنوعة وكثيرة لكنها ليست مهامًا على الإطلاق. كانت الورقة فوق دفتر يحتوي مسودات وكلمات مفتاحية لقصص تنتظر الكتابة. سأجلس القرفصاء على السجادة بجانب الساعة المستلقية وأسرق النظر إليها بين وقت وآخر لئلا تتحرك ذرة رمل مشاغبة وتنتقل للضفة الأخرى دون إذني. أيضًا، ستحيطني حلقة من الأوراق والأجهزة، وعلى الطرف سيكون هناك إبريق شاي وعدد من الأكواب. وحين أنهي ترتيب الحياة سأشرع في إتمام كل الأشياء التي كان يجدر بي أن أتمها قبل هذا العمر، وبما أن هذا السيناريو سيتم ليلًا، فعلى الأرجح أن والدتي ستكون مستيقظة، وحينما تلحظ أن الليل امتد على غير عادته، ستأتي لتكتشف حجم الجريمة الكونية التي اقترفتها وحجم سعادتي بها. ربما بعد أن أنهي هذا السناريو الذي أسميته: فتاة بائسة تحاول ترويض الزمن، سأطلب من كياراستومي تحويله لفيلم فهو القادر على أن يحيل فكرتي هذه إلى فلم عظيم يتمنى الناس أن يمنحهم العمر بعض الدقائق الفارغة ليملأؤها به.
 

في الفصل الدراسي الماضي درست مادة تتحدث عن إدارة المشاريع، فكرتها تتلخص في أن إنشاء مشروع ناجح، يحتاج منك ثلثي الوقت لأجل التخطيط والتوثيق، لتكتشف في النهاية أن التنفيذ اتخذ مسارًا غير ذاك الذي رسمته وقمت بتعديله مرارًا! في نهاية مشروع المادة، سلمنا الكثير من التقارير والتي من بينها Lessons Learned Report، في هذا التقرير كتبت أهم ما تعلمته منها: Life is not a Gantt chart! سذاجة الجانت تشارت جعلته يظن أن بمقدوره السيطرة على الزمن وإشباع توق البشر وفوق هذا وذاك، يتخيل أنه قادر على قهر مزاجك حتى يحيلك آلة لا رغبة لها إلا بالفرار من فوضى الحياة حولها ومن العجز الذي يسكنها. الألم الذي تسبب به الجانت تشارت لي، أيقظني من كابوس رهنت نفسي له لمدة طويلة: مطاردة كل شيء تعني الحصول على لا شيء، أما صناعة المتعة وتحقيق الأمنيات فلا يمكن أن تتأتى عبر كتابة قوائم المهام وجدولتها، لا أدري كيف تتحول قراءة ديوان شعر إلى مهمة بجانب فروضي الجامعية!
 
وسط هذه الفوضى والحيرة التي وقعت فيها، طرأ ببالي السيناريو التالي: تخيل أنك في رحلة طويلة لمكانٍ حميم ومنعزل، مكان لا توجد به فرص جديدة للغرق، ولن تستطيع أن تحمل كل شيء معك (تذكر أن الرحلة ستكون عبر البحر ومن الخير أن تكون خفيفًا، لا تنس أن سفينتك معرضة للغرق وأن قارب النجاة لا يحتمل مكتبتك الضخمة). تخيل أيضًا أنك -حين تعود- لن تتعرف على نفسك في المرآة لأول وهلة. المسألة بسيطة، عليك مقاومة الشره الذي ينبعث فيك أثناء التجول في هذه الحياة لاكتشاف مناطق جديدة، والاكتفاء بعالم صغير تختار تضاريسه ومناخه بعناية فائقة ليناسب كل الحالات المزاجية التي تمر فيها غالبًا، والأهم؛ أن العودة لن تتم إلا بعد أن تلد نفسك من جديد.
 

 

*هذه التدوينة هي بداية لرحلة قد تكون العودة منها في الأول من سبتمبر لعام 2014
Advertisements

2 Comments

  1. ياه يا هيفاء، مذهلة
    هذا ما كنت أردده في نفسي حيال المهام المكدسة و المحاولة لأجل كل شيء!.
    سأتخيل الرحلة أيضًا، ممتنّة يا عميقة
    بالتوفيق 🙂

    رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s