في نقد العولمة و المعايير العالمية

منشور في موقع المقال في عام 1979م قدمت الأمم المتحدة مبادرة لتحسين أوضاع النساء “حول العالم”؛ عرفت بـمعاهدة “سيداو” الدولية، ومنذ ذلك التاريخ وهي تحاول فرض الالتزام ببنود هذه المعاهدة على المجتمع الدولي. إلا أنها واجهت مشكلة كانت تتعلق بما يلي: كثير من الدول الموقعة على المعاهدة قدّمت تحفظاتها واعتراضاتها على عدد من بنود المعاهدة كونها تخالف أسس الثقافة المحلية فيها، فإذا وجّهت الأمم المتحدة لإحدى تلك الدول ملاحظاتها وتحذيراتها بخصوص بعض الممارسات القانونية التي تنافي أحد بنود المعاهدة، تعذرت الدولة بأن عاداتها الثقافية والدينية تتعارض مع هذا البند. فسنغافورة مثلًا أكّدت حقها في الامتناع عن الالتزام بالمادة (2) التي تطالب بفرض المساواة التامة بين المرأة والرجل قانونيًّا، والمادة (16) المتعلقة بقوانين الزواج والأسرة، وبررت ذلك بأنها قد تتعارض مع قوانينها الدينية أو الشخصية، أما بنجلاديش فقد قالت إنها غير ملزمة ببند المادة (2) في المعاهدة التي تطالب بمساواة المرأة بالرجل قانونيًّا، كون محتواها يتعارض مع قوانين الشريعة الإسلامية (قانون المواريث مثلًا). وتحفّظت سويسرا على أجزاء من المادتين (15) و (16) لأنها تخالف قوانينها المدنية المتعلقة بالزواج والأسرة. أما السعودية فقد أبدت تحفّظًا عاما تجاه (أي بند) يمكن أن تتعارض مضامينه مع أسس الشريعة الإسلامية. إثر ذلك قدّمت اللجنة القائمة على المعاهدة بيانًا في عام 1997 قالت فيه: “إن تعارض بعض بنود المعاهدة مع الممارسات التقليدية أو الدينية أو الثقافية لا يبرر انتهاك المعاهدة، …وإن التحفظ على المادة 16 (المتعلقة بقوانين الزواج والعلاقات الأسرية)… سواء أ كان لأسباب قومية أو تقليدية أو دينية، فإنه يعد منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها، وعليه فلا بد من سحبه”.

وهنا تظهر نبرة الأمر التي تحاول أن تفرض وبحزم على الجميع التخلي عن أي ملامح “محلية” تخالف “النمط العالمي” الذي تسعى الاتفاقية إلى فرضه. هذا التعارض بين “المعايير العالمية” وبين التفاصيل الثقافية في المجتمعات المحلية لا يتعلق فقط بمعاهدة سيداو، بل هو حالة عامة تظهر كلما حاول البشر إيجاد “معيار/ نمط عالمي” يُعمَّم على جميع المجتمعات المحلية حول العالم. هذه “المعايير العالمية” ظهرت نتيجةً -أو أداةً- لحركة “العولمة” التي تهدف لإيجاد نظام عالمي تتوحد فيه القواعد والقيم والممارسات الثقافية، أي أن العولمة تسعى إلى محو التعددية الثقافية والحضارية في سبيل إيجاد ذلك “النظام العالمي الموحّد”، وهي بذلك تعمل على محو الهويات المختلفة سعيًا لإبدالها بهوية “عالمية” مشتركة للإنسانية جمعاء. لكن في الحين ذاته، لم تكن معطيات العولمة قد تأسست أصلًا على أساس المشتركات الإنسانية كي يُتعامَل معها بصفتها”منتجات عالمية” صالحة للتطبيق في جميع أرجاء العالم. فهذه “المعايير” التي تقدّمها العولمة؛ وهذه “الهوية العالمية” بكل تفاصيلها الأخلاقية والثقافية لم تكن نتيجة تغليب المصالح والقيم الإنسانية المشتركة، ولا كانت خلاصة تمازج ثقافات العالم المختلفة، بل كانت عملية تعميم لثقافة غربية ناشئة في مجتمعات محكومة بسياقاتها الثقافية والسياسية والتاريخية الخاصة. ولذلك كان ريجيس دُبريه – وهو فيلسوف فرنسي معاصر- يصف العولمة القائمة حاليًا بأنها (عولمة زائفة)، إذ يشير إلى أن الحيّز المطروح فيها تحتله تمامًا الصبغة الأمريكية، فنمط الحياة والقيم الثقافية والأخلاقية التي تروّج العولمة لها كلها ليست سوى منتجات أمريكية، يُروَّج لها عالميا دون تمريرها بأي عملية تقييم أخلاقية وثقافية.

بالإضافة إلى أن من أكبر المآخذ على مفهوم “المعايير العالمية”؛ هو كونها تستند أساسًا إلى عدم الاكتراث بالفروقات البيئية والثقافية للمجتمعات والشعوب المختلفة، وتقوم في أصلها على إنكار مثل هذه الاختلافات، مما يؤدي إلى إيجاد معايير عرجاء تبدو مثالية وناجحة في بعض البيئات والمجتمعات، ومعطوبة وناقصة في بيئات ومجتمعات أخرى. ولأبرهن على مدى تأثير المتغيرات البيئية والجينية والثقافية على الثوابت العالمية، سأورد تلخيصًا لنتائج بعض البحوث الدوائية التي أجرتها أ.د. سميرة إسلام، الباحثة في مجال الصيدلة الجينية، التي ركزّت في أبحاثها على الفروقات الوراثية في استجابة المرضى للدواء، حيث أثبتت عبر بحوث متعددة حقيقة أن الجرعات العلاجية المعتمدة في دستور الأدوية البريطاني (والذي يعد مرجعية أولى في غالب المجتمعات العربية) ليست هي الجرعات ذات الكفاءة المثالية للمريض العربي. إذ تعتمد كفاءة الجرعة العلاجية على سرعة العمليات الحيوية داخل جسم الإنسان، وخصائص العمليات الحيوية مثل باقي الصفات الجسدية تنتقل بالوراثة في الأعراق المختلفة، فيمكن أن تزيد سرعة إتمام العمليات الحيوية في بعض الأعراق البشرية وتقل في أعراق أخرى. وخلصت سميرة إسلام من أبحاثها إلى أن فارق سرعة العمليات الحيوية بين الأعراق العربية والأعراق الآرية (الأوروبية)، يؤدي إلى تخفيض الفاعلية العلاجية للدواء في بعض الأحيان، ويزيد من سميّتها في أحيان أخرى، وبذلك يكون من المفترض ألا تعتمد المجتمعات العربية على معايير الجرعات الدوائية المستخدمة في الدول الغربية، وأن نضع في اعتبارنا الفروقات العرقية في الاستجابة الدوائية. ويتساءل البعض عن المخرج في حقيقة أن المجتمعات الغربية التي يسود فيها العرق الآري تتضمن أقليات من أعراق أخرى مختلفة، وهنا نقول إننا نتحدّث عن الكفاءة العلاجية “المثالية”، أي الوصول إلى أقصى منفعة علاجية مطلوبة مع أقل قدر من الآثار الجانبية. إضافة إلى أن بعض الأدوية (التي يشكل اختلاف الجرعات فيها خطرًا صحيًا) تحدد في نشراتها الداخلية الجرعات المناسبة للأعراق المختلفة.
وهنا تظهر مشكلة الثقة المطلقة بنتائج التجربة الغربية والانبهار بها حدّ التخوف من التعديل على إنتاجها ومخالفة معاييرها، إذ ليست المشكلة محدودة بتغاضي الأطباء عن هذه التفاصيل التي تشكّل فروقًا حقيقية في الخطة العلاجية، بل هي مشكلة ممتدة إلى الصناعات الدوائية المحلية، التي تعتمد على معايير الجرعات الرائجة عالميًّا خلال عملية تصنيع الدواء للمجتمع المحلي. ثم سيجيء معيار (الفصول الأربعة) في التقويم الغريغوري (الغربي)، ليؤكد لنا أن العولمة ومن خلال محاولتها توحيد القيم والمعايير عالميًّا قامت بهدم الخبرات التراكمية وتضييعها في المجتمعات البشرية، وأن تبعية الشعوب في تعاملهم مع معطياتها وإحلالها محل الخبرات الموروثة قد تجذّرت في أعمق تفاصيل البناء الثقافي عالميًّا، وليس فقط على مستوى المجتمعات العربية. ففي رواية الجذور، حكى “أليكس هيلي” عن مجتمعات خط الاستواء الإفريقي، ووصف الطقوس الاجتماعية والثقافية لتلك المجتمعات في مرحلة ما قبل الاستعمار، فكان ضمن وصفه تفصيلًا عن التقويمات القمرية الخاصة بتلك المجتمعات وعن التقسيمات السنوية للطقس فيها، إذ كانوا يقسّمون السنة إلى فصلين فقط؛  فصل الجفاف وفصل المطر. وحينما بحثت عن التقسيمات المناخية وأسبابها الجغرافية، وجدت أن الحقيقة الجغرافية تنص على أن الثابت عالميًّا هو وجود دورة طقس تتكرر كل سنة، أما عدد الفصول السنوية  ومناخها فيعتمد بشكل أساس على الموقع الجغرافي، أي أن عددها ليس ثابتًا بل يختلف من دولة لأخرى، مما يعني أن “الفصول الأربعة ليست معيارًا عالميًّا ثابتًا.  أثار هذا تأملي وتمنيت ألا تكون مجتمعات إفريقيا الاستوائية قد تخلّت عن تقويماتها المحلية بعد موجات الاستعمار الامبريالية، لكني عدت لأتذكر أننا قبلهم قد تخلينا عن تطبيقات “علم الأنواء”  التي استخدمتها العرب قديمًا لوصف أزمنة الرياح والأمطار، وهي بالتأكيد أقرب وأعمق في وصف المناخ السنوي للجزيرة العربية من “الفصول الأربعة”  التي تبناها التعليم المؤسسي مثلما تبنتها آدابنا و قصائدنا وثقافتنا. وإذا أردنا أن ننتقد المركزية الغربية في النظرة إلى التاريخ، التي نتجت عن تبعية المؤسسات التعليمية في أنحاء العالم للنموذج/ المعيار الغربي، فإننا سنلاحظ بأن الفترات التاريخية غالبًا ما تُقاس حدودها باستخدام أحداث من التاريخ الغربي، كتحديد العصور الوسطى بأنها تبدأ بـ “انهيار الامبراطورية الرومانية الغربية” وتنتهي مع بداية “عصر النهضة الأوروبي”. ناهيكم عن الانحياز للمنظور الأوروبي في فكرة (اكتشاف أمريكا) التي توحي بأن قارة أمريكا قبل اكتشاف الأوروبيين لها لم تكن أرضًا معلومة، هذا على الرغم من أنها كانت مأهولة بشعوب متعددة، ولهم فيها حضارات عريقة وملهمة.

وفي الأخير، ولأبرهن على أن التغلب على هذه المعايير والأنماط العالمية ليس مستحيلًا، سأحكي بإيجاز عن التجربة الاسترالية في إيجاد ملامح تفرّد ثقافية. وذلك بإيراد مثالين اثنين، الأول يتعلق بمحاولة الاستفادة من تراث السكان الأصليين، حيث قدّمت أستراليا تجربة فريدة في إقامة بحوث علمية تعتمد على التراث المعرفي المتواتر في ثقافة السكان الأصليين في أستراليا، مثل مشروع دراسة التقسيمات المناخية في التراث الذي يدعمه مجلس البحوث الاسترالي. أما المثال الثاني فيتعلق بتفوقها في وضع معايير دوائية أسترالية خاصة، تُعرف بالمعايير المجدولة الموحّدة للأدوية والسموم  (SUSMP)، وهي من أفضل المعايير الدوائية الموجودة على مستوى العالم، إلى درجة أن عديدًا من الهيئات الدوائية  والمراكز الأكاديمية من أنحاء العالم المختلفة تجتهد في سعيها للحصول على الأسس التي اعتمدتها استراليا لإيجاد هذه المعايير!

المراجع

العولمة و الخيارات العربية المستقبلية – عبدالعزيز المنصور

ﻤﺴﺘﻘﺒﻠﻨﺎ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻹﺴﻼﻤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻭﻟﻤﺔ ﺍﻟﻐﺭﺒﻴﺔ – محمد عمارة

العولمة و الهوية الثقافية- محمد عابد الجابري

العولمة و أثرها على المجتمعات العربية – برهان غليون

ﺍﻟﺘﺮﺍﺙ ﻭﺍﻟﻬﻮﻳﺔ ﻭﺍﻟﻌﻮﻟﻤﺔ- ﻣﻘﺎﺭﺑﺎﺕ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺃﺳﺎﺳﻴﺔ- ﻭﻟﻴﺪ ﺃﺣﻤﺪ ﺍﻟﺴﻴﺪ

Will medicine finally get personal

العولمة والخيارات العربية المستقبلية- ﻋﺒﺩ ﺍﻟﻌﺯﻴﺯ ﺍﻟﻤﻨﺼﻭﺭ

Definitions of Globalization.pdf

 التراث و الهوية و العولمة – وليد أحمد السيد 

الثقافة والعولمة والنظام العالمي- مجموعة بحوث منشورة قدم لها انطوني كنج

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s