رسائل إلى جامعي شاب

 جامعة القرويين
بما أني تخرجت حديثًا وبما أني أقرأ حاليًا: رسائل إلى روائي شاب، -وهو كتاب ممل بالمناسبة- فقد قررت أن أقوم بتحوير عنوان يوسا ليتماشى مع الرسائل الصغيرة التي أود كتابتها والتي لم يخطط لها أن ترسل إلى شخص معين -مثلما هو الأمر مع يوسا، ربما!-.

أين تذهب تلك الحياة التي عشناها وانتهت؟ في أفضل الأحوال سنحاول الاستعانة بالتقنية لرصدها وحفظها من خلال الكاميرا. تنجح التقنية في نقل ما سجلته كما هو، لا تفوتها أي لحظة، ولا تغفل أي تعبير من تعابير الوجه البسيطة، بل إنها تتعقب حتى الارتفاع والانخفاض في مستوى التنفس؛ تقوم الكاميرا بأعظم مما تقوم به الذاكرة: إنها تحفظ كل شيء وتسترجع كل ما حفظته بتدخل بسيط من الإنسان، لكن يفوتها أهم شيء: تلك الخبرة التي تتكون في كل مرة يتذكر فيها الإنسان مشهدًا من مشاهد الحياة الماضية رابطًا إياه بما يحدث له الآن، مرتكزًا عليه في استشرافه للمستقبل. ولأن الخبرة، تستعصي على التصوير، فأنا ألجأ لحيلة أخرى: الكتابة.

هذه الرسائل التي خلصت إليها حتى الآن وأنا أسترجع خمس سنوات في الجامعة: Continue reading →

سلطة العلم

منشور في صحيفة التقرير 28 أغسطس 2014

بعد أن خرجت معامل العلماء و مختبراتهم بالعديد من المنتجات و التطبيقات النافعة و الفاعلة، حاز العلم التجريبي على ثقة معظم الناس وآمنوا به باعتباره الوسيلة الأصدق للوصول إلى الحقيقة. فلا المعرفة الموروثة شعبيًا و لا المعتقدات الدينية و لا غيرهم من المعارف كانت قادرة على منافسة العلم في منزلته التي احتلها في العصر الحديث، بل إن هذه المعارف اضطرت للوقوف في موقف التقييم والاختبار تحت عين العلم التجريبي ليثبتها فتتأكد مكانتها أو ينفيها ويرفضها فتنهار قيمتها، و ليس لأحد أن يرفض رأي العلم أو ينتقده، لأن العلم في نظر معظم الناس يعني الحقيقة. وهكذا ظهرت سلطة العلم، فهل يستحق العلم هذه السلطة؟

خلال هذا المقال سأستعرض ثلاثة محاور رئيسية لأجيب على هذا التساؤل: أولًا ما هي مبررات سلطة العلم؟ ثانيًا هل هناك ما ينقض هذه السلطة؟ ثالثًا ما هي الفلسفات الحديثة التي تفسر العلم وما موقفها من سلطته.

تستند سلطة العلم على ركيزتين أساسيتين: الأولى أنه كما سبقت الاشارة، استطاع أن يثبت جدواه ومنفعته بالتطبيقات العملية التي ينتجها وفي جميع المجالات، فقدرة العلم على توقّع الكوارث البيئية وتقديم العلاجات الشافية وصناعة الأسلحة المدمرة تمنحه الثقة. أما الركيزة الثانية فأنه قد بني أساسًا على منهج يستحق الثقة. وهو منهج الاستقراء الموضوعي الذي يعتمد على التجربة والملاحظة، فيمكن لأي شخص أن يستخدم حواسه ليثبت صحة التجربة العلمية. فالعلم موضوعي، والبعد الذاتي والشخصي ليس له دور فيه. و ليس كافيًا في منهج العلم أن تثبت الملاحظة/التجربة مرة واحدة لنبني عليها معرفة علمية، إذ لا بد أن تخضع أولًا لشرطين صارمين: أن تتكرر لعدد كبير من المرات، وفي ظروف متنوعة. فمثلًا، لا يكفي أن نلاحظ لمرة واحدة أن التفاعل الذي يحدث بين حمض وقاعدة سيعطي ملحًا وماءً، بل يجب أن نكرر التجربة لمرات كثيرة و في ظروف مختلفة – كتغيير درجة الحرارة وتركيز المواد- ونحصل على نفس النتيجة في كل مرة، عندها يمكننا القول بأننا “نستنتج علميًا” أن (كل تفاعل كيميائي يحدث بين حمض وقاعدة سينتج عنه ملحًا و ماءً). فطالما استطاع العلم أن يثبت فاعليته، و طالما أنه قد بني على أساس منهج موضوعي صارم، فهو أهل لأن يحوز على تلك السلطة، هكذا يبرر المؤيدون لسلطة العلم آراءهم.

Continue reading →