الإخوة كارامازوف

Untitled 2_Fotor

عندما سألت صديقتي -التي قرأت أغلب ما كتبه دوستويفسكي- عن نصه المحوري؛ فهذا لأني أرى أن لكل كاتب منظومة أفكار ورؤى تحوم حولها غالب نصوصه الأدبية، وهذا واضح في أدباء أمريكا اللاتينية الذين انشغلت بالقراءة لهم مؤخرًا، وهم من ألهمني فكرة البحث عن النص المحوري لكل كاتب. إنه نص لا يشترط أن يكون أول أعماله ولا آخرها، لا يشترط أن يتخذه المخرجون منطلقًا لأفلام عديدة، وبالطبع لا يفترض أن يكون أكثر كتبه مبيعًا. في الأخير، رشحت لي الإخوة كارامازوف، وأنا كنت ممتنة لهذا الاقتراح. قضيت قرابة شهر برفقة الرواية، استغرق المجلد الأول عشرة أيام واحتجت عشرة أيام أُخَر لإنهاء الجزأين الآخرين، وضاعت عشرة أيام بسبب المرض والبرد. إنني أكتب هذه التفاصيل لأنها مهمة بالنسبة لي، فطول الوقت الذي احتجته في قراءة أصغر الأجزاء كان ضروريًا لتجربة أولى مع دوستويفسكي؛ اضطرني هذا لاتباع آليات قرائية جديدة لم أكن قد جربتها من قبل، كنت أسجل ملاحظاتي على الأسلوب والمضمون وعلى أحداث الرواية، كما أنني كنت مهتمة برصد التناسق في الشخصيات وتتبعها، فقد بدا من الواضح جدًا أن الإخوة كارامازوف -وأظن أن هذه سمة فيدور الأساسية- قائمة على الموازنة ما بين إظهار دواخل الأشخاص وما بين ربطها بما يفعلونه في العالم الخارجي، فالحكاية بحد ذاتها لا تهم، رغم أن ١٥٠٠ صفحة لا يمكن لها أن تكون ممتعةً بالاستناد فقط على المكاشفة الداخلية؛ إذ ستصير كتابًا في علم النفس ولن تكون رواية، وهذه بالضبط عبقرية فيدور!

بعد إنهاء المجلد الأول، قررت أن أستمر ببطء أكثر، ثم أعيد صياغة كل ما كتبته بعد أن أفرغ منها تمامًا، غير أني عدلت عن  قرار القراءة البطيئة مع بدايات المجلد الثاني والسبب كان ببساطة أنني لم أعد أنام بهدوء، فقد تدخلت شخصيات الرواية في صياغة أحلامي بشكل مقلق، كما انتقلت إلي عدوى الثرثرة من السيدة هوخلاكوفا حتى أصبحت أتكلم وأنا نائمة! وملاحظة أخرى هي أني لا أحب وربما لا أحتمل الأدب الياباني بسبب الإغراق في الوصف (هذا أيضا حال دون أن أستمر في القراءة لهيرمان هسه) بالرغم من ذلك تماهيت مع الوصف الدقيق في كتابة فيدور؛ لحد أنني كنت أرتبك عندما كنت أرفع رأسي بعد الانتهاء من أحد الفصول وأفاجأ بأن الأثاث حولي لا ينتمي لروسيا أو أني لست في دير ريفي قديم! كل شيء مكتوب بدقة: الأماكن، إيماءات الوجوه، أزرار الملابس، الطقس، ألوان الأثاث، والتفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه لها؛ إنه يخبرنا -مثلًا- أن البطل لم يعد ليجلس في المكان نفسه بل في المكان المقابل مما يضطر الشخص الآخر لتعديل جلسته حتى يواجهه.

وليس الجمال فقط في أنها تعمد إلى إظهار دواخل الشخصيات: المجرم والقديس وكل ما يمكن أن يقع بينهما من تعدد، وإنما هي تعرضه من وجهات نظر متباينة: الراوي وهو راوٍ كلي المعرفة يسرد الحكاية عبر استرجاعها من الماضي ولا يفوته على الإطلاق أن يحكي عن أي “تفصيل من التفاصيل”، لا ليس هذا فقط وإنما هو راوٍ لا ينسى أن يذكرك أنه عاجز عن تذكر بعض التفاصيل، مما يضفي شيئًا من المصداقية على رواية متخيلة. كل هذا مع قدرة هائلة على تحريك الأزمنة واستدعائها في اللحظة المناسبة، بحيث تسمح له بتغييب بطل وإظهار آخر في الوقت المناسب تمامًا وعلى نحو مدهش تمامًا. أما الجهة الأخرى فهي جهة  الآخرين الذين يحمل كلٌ منهم آراءً متعددة ومتطورة حول بعضهم البعض. إنك لا تستطيع أن تفوّت سطرًا واحدًا من هذا التوصيف الدقيق، الذي يجعلك تتقمص عدة أشخاص دون أن تشعر أن أحدها أقل عمقًا من الآخر، بالرغم من أنك ستنحاز إلى بعضهم أو ربما أحدهم بطبيعة الحال. دوستويفسكي استهلك مقدمة الرواية ليحكي لنا تفضيله أليوشا أما أنا فقد فضّلت الطفل إيليوشا عليهم جميعًا ولا أملك لهذا سببًا واضحًا. وفي وسط التوصيف الدقيق لأفكار الآخرين؛ تحتار بخصوص الموقف الذي يتبناه الروائي خصوصًا وأنها آخر ما كتب؛ رغم أن البعض يرى في انحيازه الذي ذكرناه لشخص آلكسي أنه لا يعكس بالضرورة انحيازه الأخلاقي والفكري لما يتبناه آلكسي. لكن من يكون آلكسي إن لم يكن شخصية في رواية اصطنعها فيدور ومالذي يبقى منه إن جردناه من فكره وقيمه؟

الشخصيات:

إن أي قارئ يسمع عنوان الرواية للمرة الأولى، لن يتساءل فيما لو كان هناك صراع أم لا؛ فهذا أمر بديهي إذ لا أحد يتكبد عناء الكتابة حول أسرة منسجمة ومتناغمة، بل إنه سيتساءل فورًا عن السبب والغاية التي ينشب لأجلها هذا الصراع بين الإخوة، كيف ستجري الأمور؟ ومن قبلها من هم هؤلاء الإخوة؟ وهذه قفزة ذكية يحدثها عنوان بسيط ويشي بأسلوب دوستويفسكي. قبل أن أحكي بإيجاز شديد – ومخل بالضرورة – عن أحداث القصة، لا بد أن أشير لشخصيات الرواية أولًا.

البناء الروائي اعتمد على وجود عدة أنواع من الشخصيات لا أعرف التسمية الشائعة لهذه الأنواع ولا أدري أصلًا  فيم لو كانت هناك تسمية من هذا النوع أو لا:

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

جروشنكا في منزل كاترينا

  • البنية التحتية أي الشخصيات المحرضة والمحركة لأهواء الأبطال وهي التي تتلاعب بردود أفعالهم رغم أنها تشغل مساحات أقل مما يشغلونها. يمكن أن ندرج فيها:
  • جروشنكا التي أججت الصراع بين ديميتري وأبيه
  • كاترين إيفانوفا خطيبة ديميتري (فيدور يقول بأنه يتمنى كتابة رواية كاملة عنها مع إيفان!)
  • الشيخ زوسيما الأب الروحي لآليوشا وهو الذي أوصاه بترك الدير
  • البنية الأساسية متمثلة في شخصيات عائلة كارامازوف نفسها وجدير بالقول أنها شخصيات متطورة ومتقلبة:
  • الأب فيدور بافلوفتش
  • ديميتري (ميتيا)
  • إيفان
  • آلكسي (آليوشا)
  • سمردياكوف الابن المشكوك في نسبه والذي يعمل طباخا لدى بافلوفتش
  • شخصيات تتحرك على السطح، مؤثرة وفاعلة بشكل يعد من الخطأ اعتبارها ثانوية مثل: راكيتين، خوخلاكوفا، ليزا
  • شخصيات هامشية: كثيرون جدًا! 

سأتحدث فقط عن العائلة فهي وإن كانت تتحرك على مسرح الرواية في أكثر الأحيان عبر ما تفرضه عليها شخصيات البنية التحتية إلا أن وجودها سابق على وجود الآخرين كما أنهم تكوّنوا في النص من قبلهم، ووجود البنية التحتية فقط أوصلهم لذروة الرواية ولم ينشئهم من الأساس. فمن هو الفرد الكارامازوفي على وجه الدقة؟ إن أفضل توصيف له هو ما ذكره المدعي العام: “الكارامازوفي هو رجل الهوتين”، ويؤكد المحامي: “لا حدود لإمكانياته في الاتجاهين”. ومن الواضح عن أي هوة يتحدث كلًا منهما. إن هذا التوصيف لينطبق على الأسرة كلها، بل على البشرية كلها، ولما كان وصفًا دقيقًا غير أنه عام كل هذه العمومية، وجب أن نرسم الخطوط العريضة لشخصيات الأبطال .

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

فيدور بافلوفتش

الأب فيدور بافلوفتش: مهرج سافل، لا يفكر إلا في ملذاته الخاصة وتكديس المال، يكره ديميتري ويميل لآليوشا. لكنه ليس بالشخصية البسيطة، حتى أنه يستعصي على نفسه أن يفهم بعض تصرفاته، من ذلك مثلًا  أنه يتعمد التهريج ويتمثله للحد الذي ينسيه فيما لو كان تصرفه صادقًا أو مجرد تمثيل، أما لماذا يتصرف على هذا النحو فهو إنما ينشد اللذة، إنه يذهب في هذا إلى حد أن يهين نفسه. ورغم دناءته التي قد تشير لنوع من السذاجة، إلا أنه يعرف كيف ومتى يحجم عن الإجرام بحيث يتجنب المثول أمام المحكمة. ولا ننس ما قاله له آليوشا في بداية الرواية بأن “القلب فيه خير من الرأس”. وطالما أننا ذكرنا كرهه لديميتري، فمن الخير أن نذكر نقطةً مهمة تتعلق بأسباب الكره عند هذا الرجل؛ إذ ذكر في يوم من الأيام بأنه يكره البعض لا لخطأ اقترفوه في حقه، بل لأنه ارتكب حقارات في حقهم، وهذا بالضبط ما أرى أنه حصل مع أبنائه والذي تمثل في الصراع المحموم مع ديميتري.

ديميتري (ميتيا): الابن الأكبر لفيدور والذي قام الخادم جريجوري بتربيته بعدما أهمله والده إلى أن نسيه. تتجسد فيه الهوتين بوضوح، وفيه إنما قيلت عبارتا الدعي العام والمحامي. إنه متأهب للشر دائمًا، لا شيء قد يثنيه عنه إلا حدوث معجزة كما يقول هو. لكن رغم ما قد يبدو عليه من اللامبالاة جرّاء سوئه، إلا أن له نفسًا مرهفة تستشعر الاضطهاد لكثرة ما في هذا الكون من ألغاز وأسرار، فمعركة الخير والشر إنما تدور في قلبه على حد تعبيره، إنه رجل الهوتين بلا منازع! لا أستطيع أن أترك ديميتري قبل أن أتحدث عن المال، ذاك أن المال عنصرٌ مهمٌ في الرواية وكان ديميتري مرتبط به بشكل واضح. يشكل المال منعطفات مهمة في حياته، فمن مأساته التي ابتدأت عندما أهان كاترينا بإعطائها بعض المال لتنقذ والدها، إلى حصته في الميراث والتي فجرت كل شيء، ثم المبلغ الذي اقترضه (أو سرقه؟) من كاترينا، وأخيرًا المبالغ التي اتهم بسرقتها بعدما اتهم بمقتل أبيه. ديميتري قادر بل ويتباهى بقدرته على ارتكاب أنواع الحقارات، إلا أنه لا يمكن أن يكون لصًا بأي حال من الأحوال، فهو قد يقتل في لحظة غضب، لكنه يفضل السجن والعقوبات الشاقة على أن يُتهم بالسرقة. إن فكرته حول اللصوصية تتلخص في قوله: “لا شك أننا جميعنا جبناء بدرجات متفاوتة. ولكن ليس كل إنسان لصًا، لا بد من حقارة خاصة حتى يكون المرء لصًا”. وفوق هذا وذاك، يعترف بأسى أن شراسته وعنفه في الأيام التي سبقت الجريمة، مردها إلى شعوره باللصوصية، حيث أنه ظل محتفظًا بنصف المبلغ، نصف العار. ماذا عن الآخرين في نظر ديميتري؟ إنهم يشبهون منامًآ مريعًا يراه دومًا، إذ يرى أنه يهرب من شخصٍ ما ويختبئ في مكان يعرفه جيدًا من يطارده، إلا أنه لا يهجم عليه، يتسلى بترويعه لوقت أطول.

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

إيفان مع آليوشا في البار

إيفان كان أكثر الإخوة ثقافةً وعلمًا، متمرد ويتبنى فلسفات إلحادية. ومن المفارقات في حقه أنه اشتهر في قريته بعد كتابته لمقالة حول القضاء الأكليريكي، برغم ما فيها من آراء محافظة، إلا أن الحقيقة أنه كتبها بدافع السخرية بل وظل يدافع عن رأيه الوارد فيها للسبب نفسه. بقدر ما يغيب إيفان بقدر ما يحضر، ذاك أنه ساهم في تحريك الحكاية بصمته، وهذا من أذكى ما في الرواية، أن تبلغ الأحداث ذروتها بسبب صمت إحدى الشخصيات! أخوه ديميتري يقول بأنه قبر، بينما يرى آلكسي أنه لغز. الفرق بين ما يراه الأخوان لربما يكمن في أن آلكسي يأمل أن يفهم هذا اللغز بينما يبدو ديميتري غير معني به، فمنذا الذي يأبه لقبر؟! تمزق إيفان الداخلي، حيرته، والنهاية التي وصل إليها كانت الصورة المصغرة للصراعات الخارجية على سطح الرواية.

أما آليوشا فهو -كما ذكرت سابقًا- الأثير عند فيدور، لا أعرف مالذي ينبغي قوله عنه. هو إنسان يعيش في عالمه الداخلي ليس تكبرًا ولا تجاهلًا  للعالم الخارجي، بل لمجرد أنه منغمس في العوالم غير المرئية. من اللافت أنه يقول الحقيقة بشكل مباشر جدًا، ليست لديه أدنى مقدرة على تخبئتها ولا حتى على عدم إفشائها.  أما فيما يخص موقفه من أخويه فقد كان حائرًا بائسًا متسائلًا: أيهما يستحق الشفقة أكثر؟ بل مالذي ينبغي أن يتمناه لكل منهما؟

سمردياكوف: لقد ولد من رحم المعاناة وبطبيعة الحال لم يكن على وفاقٍ مع مجتمعه الذي أساء له قبل أن يوجد؛ إنه يكره روسيا ولا يتورع عن التصريح بهذا الكره. لقد حصلت نقلة غريبة لسمردياكوف، فبعدما شرع في قراءة الكتب أصبح يتقزز من الطعام على نحو ملفت! تغير ذوقه وازدادت ذائقته رهافة، لقد صار مستعدًا لإملاءات إيفان. إنه حالم مسرف في الحلم، يترك مشاعره تتكدس فوق بعضها دون أن تبدو عليه، حتى تدفعه أخيرًا إما أن “يحج للقدس” أو “يحرق قريته” أو يقوم بهما معًا! وهذا ما حصل بالفعل، لقد ترك مشاعره تنفجر دفعةً واحدة.

القصة:  

يقوم الشيخ زوسيما بتربية آليوشا تربيةً روحانية، وبشكلٍ مفاجئ يطالبه الشيخ بأن يترك الدير ويجرب الحياة ثم يعود له متى ما وجد أن الوقت مناسبٌ لهذا، ولولا تعلقه الشديد بشيخه لما كان له أن يرضخ لمثل هذا الطلب. لقد كانت أحداث الرواية تجربةً حياتيةً قاسية، قاسية للغاية. بل إنها لم تمهله حتى يترك الدير، إذ واجه أول امتحاناتها يوم موت شيخه، فعلى غير ما تمنى محبوه، أصدرت جثة الشيخ رائحةً كريهة في وقت وجيز، وكانت هذه إشارة على عدم تقوى الشيخ كما فسرها كثير من الرهبان، أما آليوشا فقد قلق قلقًا مرده الإيمان، هذا الإيمان عبر عنه عندما صرخ في وجه أحدهم بعدما استفزه بمسألة تقوى شيخه:  “كنت أظن وما زلت أظن وأريد أن أظن وسأظل أظن”.

Meeting_with_Zosima_by_Empty_Smile

زوسيما يركع لميتيا

قبل موت الشيخ، اجتمعت الأسرة في الدير لمناقشة مطالبة ديميتري بحصته من مال أبيه، حصلت في هذا اللقاء إشارتان مهمتان. فزوسيما كشف لإيفان بمنتهى الصرامة أنه يفهمه، وأنه لا زال متخبطًا رغم ما يدعيه ورغم الآراء التي يدافع عنها عابثًا، وأخبره بوضوح: “إذا لم تتوصل إلى حسمها إيجابًا، فلن تتوصل كذلك إلى حلها سلبًا”. أما ديميتري فكان محور الإشارة الثانية؛ لقد ركع له الشيخ زوسيما!

والآن سأقفز متجاوزةً بضع مئات من الصفحات. في نقطةٍ ما سيوجد الأب مقتولاً، ونحن نعلم تمامًا أن ديميتري لم يقتله لكن لا أحد غيرنا وغير الراوي وآليوشا وإيفان وسمردياكوف يوقن ببراءته. آليوشا يملك دليل مهمًا؛ فقد قرأ براءة المتهم في عينيه! هذا المشهد سيجعلك تستحضر مشهدًا آخر، هو مشهد إخبار ديميتري لآليوشا بفكرة الهرب، لقد أصر ميتيا على أخيه ألّا يخبره برأيه الحقيقي في هذه الفكرة، لكنه استدرك: “نسيت: هناك عيناك؛ فما عساني صانعًا بعينيك اللتين سأقرأ فيهما جوابك؟” إن أفكارًا من هذا ستجعلك تصرخ من الجمال لكنها لا تساوي شيئًا في المحكمة. يملك إيفان دليلًا  ماديًا أقوى، كما أن القاتل الحقيقي اعترف له بجريمته، لكن إيفان -وياللأسف- أصيب بلوثةٍ عقلية، فمن ذا الذي سيأبه لأقوال مختل يدافع عن أخيه؟ أما سمردياكوف فهو القاتل الذي انتحر بعد كل هذا! والراوي؟ الراوي هو شخصٌ لا نعرفه ولا نعرف كيف تعرّف على تفاصيل التفاصيل في هذه الحكاية، أما نحن فالشهود الصامتون دائمًا. يقتاد ديميتري للشرطة ومن ثم إلى المحاكمة. تعود للذهن صورة الشيخ زوسيما جاثيًا على ركبتيه أمام ديميتري، لقد فسرها راكيتين مبكرًا بأن هذا تنبؤًا بجريمة سيرتكبها هذا الشقي، وإذا بها تتجلى أمامنا بوضوح: ميتيا سيعاقب على ذنب لم يرتكبه! 

وبعد أن نكون عرفنا القاتل وتفاصيل التفاصيل، يعرض لنا دوستويفسكي وجهتي نظر مهمتين. وجهة نظر المدعي العام القادرة على الزج بأي بريء في السجن، ووجهة نظر المحامي القادرة من جهة أخرى على تبرئة أخطر المجرمين كما تصف هذا زوجة دوستويفسكي. لقد أخبرنا الحقيقة ثم عرض لنا وجهتي النظر المشوبة بالأخطاء، ألم يخش على الأقل تجاوز القارئ لبعض الصفحات؟ هنا مكمن الإثارة، هذه مزية دوستويفسكي، أن يستمر البحث عن الحقيقة.

كيف جرت المحاكمة؟ نستطيع أن نصف أجواء المحاكمة ومن قبلها اقتياد ميتيا لمركز الشرطة بما قاله دوستويفيسكي عن رئيس المحكمة  الذي ينظر من زاوية عامة: ” أما الجانب الشخصي من الدرامة، وأما المأساة الروحية الأخلاقية التي تتألف منها هذه الدرامة، وأما المصير الفردي…فتلك كلها أمور لا يعبأ بها”. نعم “المأساة الروحية الأخلاقية التي تتألف منها هذه الدرامة” هذا بالضبط ما يخص دوستويفسكي من المسألة وعلى ضوئه إنما كتبت الرواية ولهذا السبب تحديدًا لم يكن من التهور إدراج الخطابين بعدما انكشفت الحقيقة. فالقارئ يدخل المحكمة مثلما دخلها الراوي: عالمًا بكافة التفاصيل، إنه يبحث عن شيء آخر، إنه يتوق لرؤية أشكال أخرى من الحقيقة. لنعد إلى وجهتي النظر، المدعي العام الذي طالما ظنّ ألا أحد يقدره حق قدره، وجد في هذه القضية ما يمكن أن يضمن له الاعتبار الذي يرى أنه يستحقه. هذا الرجل استطرد في خطابه موظفًا السيكولوجيا في اتهام ميتيا، فوصف ووحلل بطريقة مترابطة ومنطقية لكنها غير حقيقية. لقد تلاعب وكيل النيابة بالسيكولوجيا ليجيء المحامي ويثبت لنا كيف أنها وسيلة ذات حدين، كما أثبت دوستويفسكي من قبل أن الحد الذي يستخدمه المحامي، هو غير حقيقي أيضًا. ما فعله المحامي باختصار هو أن قام بقلب الطاولة، أثبت رداءة الأدلة وثغرات الشهود، وحلل الحادثة من وجهة نظر مختلفة تمامًا واختتمها بدرس أخلاقي حول الأبوة. لقد ضجت القاعة بالتصفيق متجاهلين التحذيرات السابقة لرئيس المحكمة الذي لم يجرؤ على إيقافها هذه المرة، بل إنه لو شاء هذا “لكان ذلك تدنيسًا للمقدسات”.

مالذي جرى قبل المحاكمة؟ أعود الآن إلى سمردياكوف، إنه يدرك كره إيفان له، رغم أن إيفان نفسه كان يندهش من أنه يضطر لمخاطبته بطريقة عادية في حين أنه يريد شتمه، فما يبديه إيفان لا يعكس حقيقة كرهه له. مع ذلك كان هناك تواطؤ خفي بينهما جعل سمردياكوف يعبر له عن جريمته بقوله: “رغم أن القتل قد تم بيدي، أنت القاتل شرعًا، أنت، أنت!” لقد عاش في سبيل أن يقول هذا، هذه هي كلمته للعالم؛ قضى على حرية ميتيا وثقافة إيفان، وأبقى للأول “الإنسان الذي بعث فيه” أما الثاني فعلى وشك أن “يبعث بعثًا جديدًا بنور الحقيقة”. فعلها سمردياكوف، قام بالأمرين معًا: حجّ إلى القدس وحرق قريته!

ما بعد النهاية:

على الجانب الآخر، كانت هناك قصة أخرى هي قصة الطفل إيليوشا الذي تعرفنا عليه نتيجة إحدى حقارات ديميتري. القصة تستحق كتابة مراجعة خاصة، المراجعة تتطلب إعادة قراءة ولا أدري متى سيتم هذا. ما يهمني هنا أن آليوشا الذي أوجعه ما حصل لشيخه وسط الطقوس الجنائزية المحاطة بالرهبان المنافقين والمشككين، حظي بفرصة تشييع إيليوشا وسط إيمان الأطفال والبسطاء. إيليوشا الذي قتله تعذيبُ ضميره بعدما عبث مع كلب بتحريض من سمردياكوف، أصدرت جثته رائحةً زكية.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s