أجمل قصة عن اللغة

أجمل قصة عن اللغة

لا زلت أذكر اليوم الذي عدت فيه من المدرسة وبذهني سؤالٌ مهمٌ أريد توجيهه لأمي: هل الله قادر على أن يجعل من اللام الشمسية لامًا قمرية؟ ما إن أجابتني أمي بالإثبات، حتى استشعرت عظمة الله ولا محدوديته بشكلٍ لم أكن قد عرفته من قبل. بعدها – بفترة كافية لأستوعب ضآلة الإنسان أمام اللغة – تلقيت أولى صدماتي اللغوية؛ فهذه اللغة اللامتناهية وكل ما يصدر عنها من احتمالات الكلام الممكنة، يمكن تصنيف مفرداتها إلى ثلاثة أنواع فقط: اسم، فعل، وحرف! لتتزعزع قناعتي ثانيةً؛ فأيهما أعظم من الآخر: اللسان أم الكلام الذي ينتجه؟ الإنسان أم اللغة التي أوجدها؟ لم تكن النقطة التالية في تساؤلاتي اللغوية بعيدةً عما سبق، فسرعان ما اصطدمت بقصة آدم؛ لقد كان المفزع في هذه القصة أني كنت أتخيل أشياء مبهمة تراها الملائكة ولا تكاد تميزها، وما إن يطلق عليها آدم الاسم المناسب حتى تتبين معالمها، هكذا وبكل بساطة، الاسم وحده هو ما نقل الكائنات من الظلام إلى النور، من العدم إلى الوجود. بعد أن ينتهي هذا المشهد، كنت أعود لبداية القصة، لأدرك أننا أمام معجزة، ولكن…المعجزات تتحدى البشر، أما هنا فإن البشري الوحيد في القصة هو من يملك المعجزة! في روايتها اللامتناهي في راحة اليد، تصور جيوكندا بيللي مشهدًا تحكي فيه عما يجول بفكر حواء: “وقد لا يصدقها عندما تخبره أن كائنات بلا حكاية كائنات قد تظل في العدم”. وبعيدًا عن هذا المشهد بسنوات ضوئية، يحكي باسكال بيك عن الفكرة نفسها مضفيًا لمسةً عصرية : “بواسطة ملكة اللغة وفعل القول، يكون الإنسان قادرًا على الخلق. في مجال اختصاصي، تفتح الباليوأنثروبولوجيا، أي عملية اكتشاف أحافير تعود لجنس جديد وإعطائها اسمًا، سبيلًا لتخليد ذكرى هذا الجنس”.

في الشهر الماضي قرأت “أجمل قصة عن اللغة” وهو أحد كتبي التي تمنيت الحصول عليها لفترة طويلة، لكن -كالعادة- بمجرد أن حصلت عليه؛ تركته على الرف لسنتين. يقص الكتاب حكاية اللغة من خلال حديث الصحفية سيسل ليستيان مع عدة أشخاص عبر المسار التالي: الأنثروبولوجيا وعلم الإنسان برفقة باسكال بيك سالف الذكر، مع تركيز شديد على الفروقات والمشتركات بيننا وبين الحيوانات فيما يتعلق بنشوء اللغة وتعلم الكلام عند الإنسان القديم (الكتاب ينطلق في بنيته الأساسية من نظرية التطور) ثم ينتقل لللسانيات مع لوران ساغار، أما محطته الأخيرة ففي فضاء علم نفس الأطفال مع جيسلان دوهان.

بدايةً  -وبمنتهى الأسف- نحن نتشارك مع القردة أربعًا من وظائف اللغة التي وضعها جاكوبسون. ففيما يخص الوظيفة المرجعية التي تمكننا من إعطاء معلومات  للآخرين، يقوم القرد الأفريقي الأخضر بإعطاء معلومات مهمة لرفاقه تتعلق بوجود فهد قريب في المنطقة وذلك عبر صرخة معينة يستجيب لها الرفاق بأن يصعدوا إلى أعالي الشجر، أما لو كان المهاجم عُقابًا، فكل ما على القرد فعله هو أن يصرخ بطريقة مغايرة -متفق عليها- لتختبئ بقية القرود تحت أي غطاء. الوظيفة اللغوية الثانية تتمثل في ترجمة المشاعر والانفعالات؛ إذ تعمد القردة إلى إبراز أسنانها بطريقةٍ دالة على الضحك أو التهديد حسبما تقتضيه الحالة. وتتضح الوظيفة الثالثة في إقامة الاتصال، القردة بارعة للغاية في هذا المجال ولعل نشاط التفلية للتخلص من القمل أحد الأمثلة البارزة هنا؛ فهي تساهم في تخفيف التوتر والقلق، بل إن أحد علماء الأحياء اهتدى من ملاحظاته لسلوكيات القردة إلى أن “الكلام مجرد نوع من التفلية على نطاقٍ واسع”. الوظيفة الرابعة تتمثل في النداء وهي التي تسمح لنا بإلقاء الأوامر والطلبات، هنا أيضًا تستطيع القردة أن تجر صغارها لتخبرهم أنها ترغب في أن يتبعوها. مالذي يتبقى لنا نحن معشر البشر؟ إنهما الوظيفتان الشعرية والاستعارية، وهذا ما يجعل من المستحيل أن نقرأ قصيدةً لقرد. وعلى ذكر القصيدة، هل تخيلت من قبل كيف يكون شكل “أنشودة المطر” في دماغك؟ تشير بعض الدراسات التي أجريت على أدمغة المصابين بالجلطة مما يفقدهم القدرة على تذكر كلمات معينة دون كلماتٍ أخرى، أن هناك مناطق مخصصة في الدماغ لكلمات كل نوع من الأشياء، أي أن دماغك يحتفظ بالنخيل بالقرب من الكروم، وفي خانة أخرى يضع النجوم مع القمر، والمحار مع اللؤلؤ، لكنه بالطبع لن يحشر الردى معهما! المؤسف -مرةً أخرى- فيما يتعلق بالقدرة على التصنيف، هو أننا نتشاركها مع الطيور والقردة، هذا على المستوى التطبيقي وليس التشريحي، إذ تستطيع القردة أن تميز التفاح كفاكهة، والقط كحيوان، والدمية كجماد. الفرق هذه المرة أننا القادرون على أن نهبها الأسماء، أو بطريقة درويش: “قادرون على التحرر”.

البايوأنثروبولوجيا

طيب، لم لا تتكلم القردة؟ لا يهم أن تقول قصيدة أو تكتب رواية، لم لا تتكلم بالقدر الأدنى من الكلام؟ “أجاب أحد الفلاسفة: لأنها لا تريد أن نسخرها للعمل!” بهذه الطريقة الساخرة تتضح الصلة الوثيقة ما بين الكلام والعلاقات الاجتماعية، فمورتان كريستيانسن وسيمون كيربي يريان أنه كان بمقدور الكائنات البشرية أن تعيش وتتواصل من دون الحاجة لصياغة الجمل، لكن تطوير مهارات السرد جاء بدافع البقاء، بل بدافع تمكيننا من فعل أشياء تنم عن ذكاء في إطار اجتماعي. وهذا بالضبط المنحى الممتع في كل ما قاله الأنثروبولوجي بيك، لقد طرح ثلاث نقاط مهمة تتعلق بالحرف، المدافن، والنار.

لقد عمل الإنسان الحرفي على تطوير قدرات معرفية ضرورية لصناعة الأدوات، هذه القدرات مرتبطة بقدرات ضرورية للكلام. “فعندما نصنع أداة أو نفكر في صناعتها أو حتى نزعم ذلك؛ تتفعل مناطق الدماغ نفسها.” كذلك يتطلب الأمر “البحث ثم إنجاز سلسلة عمليات دقيقة والمفاضلة بين العناصر وتخبئتها والبحث مرةً أخرى عن عناصر مساعدة. وكل هذا يتطلب قدرة على الاستذكار وأن يتموضع في متتالية زمنية. وفي هذا تماثل مع سلسلة اللغة.” بالرغم من هذا هناك وجهة نظر ترى أن الحرفي قد يتعلم بالمشاهدة وبهذا سيقل استعماله واحتياجه لملكة اللغة، ربما تتقاطع هذه الفكرة مع ما يراه روسو في أصل اللغات، إذ يرى أن اللغات إنما نشأت لأهواء وليست لحاجات، فالصياد لا يحتاج إلى الكلام لإنجاز مهام الصيد، لكنه يحتاج إليه حتمًا للاحتماء من مخلوقٍ مخيف. في هذا الصدد أيضًا، يرى ماركيز بأن القصة من ابتكار رجل الكهف الأول، لجأ إليها كحيلة يخفي بها سبب تأخره في العودة بعدما فشل في إيجاد ما يصطاد، فراح يحكي لزوجته قصةً بطولية من نسج خياله عن صراعه مع كائن متوحش.

تعود أولى المدافن لمئة ألف سنة ماضية، أما أولى طقوس الجنائز فتعود لـ 200 – 300 ألف سنة، وبيك يرى أنه منذ اللحظة التي “تدفن فيها المجموعة موتاها، تقترب من أحد أشكال التمثيل الرمزي الذي يفرض منطقيا وجود وظائف سردية ومبتكرة خاصة باللغة. وتستدعي الطقوس الجنائزية ضربا من ضروب الروحية، كما أنها تتطلب مشاطرة رؤية حول العالم، وتذكار الميت، وإيمانا بوجود حياة ثانية”.

أدى اكتشاف النار إلى التجمع حولها والتسامر ليلًا مما أفضي إلى سرد الحكايات، وسرد الحكايات أمر مركزي في حياة الإنسان، وهنا يلفت الباحث النظر إلى أن “الأقاصيص التي تتشكل منها التقاليد تحمل بذور القيم التي ترسي أسس المجتمعات”. يستكمل بيك وجهة نظره حول الحكايات: “مالذي دفع الإنسان إلى الذهاب إلى أوستراليا ومن ثم أمريكا ولاحقًا إلى جزر الأوقيانوس؟ لا شيء، إن لم يكن بروز اللغة. يستوجب الذهاب لماوراء البحار وجود قصة بشأن العالم تنقل البشر أفضل من أفخم الزوارق.” ويستأنف “إن انتشار الإنسان العاقل وطفرات العصر الحديث وغزو المريخ كلها تنبثق عن تصوراتنا بشأن العالم وعن حاجتنا الأساسية لسرد الأقاصيص.”

اللسانيات

ربما صار من المسلمات أننا في أي حديثٍ عن اللغة، لا بد أن نعود بالزمن إلى أن نصل لنقطةٍ ما نتساءل عندها عن اللغة الأم وأصل اللغات. في 1866 استطاعت الجمعية الألسنية الباريسية أن تتجاوز هذه المسلمة بأن اشترطت شرطًا يتمثل في أنها لن تقبل أي نقاش يتناول نشأة اللغات، والسبب كان تعذر البحث بشكل علمي منهجي في ذاك الوقت. يرى الألسني لوران ساغار بأننا يجب أن نبدأ من عدد أعضاء المجموعة التي عاشت منعزلة وقت نشأة الإنسان العاقل العاقل، بالتالي فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بدلًا عن: ما هو أصل اللغات؟ سيكون:  كم قبل لغة كانت موجودة في ذاك الوقت؟ فإذا كانت مجموعة مكونة من عدد قليل من الأفراد، فحتمًا أنهم كانوا يتحدثون لغة واحدة، أما لو كان عدد أفرادها كبيرًا فهذا يعني أنهم كونوا مجموعات صغيرة لكلٍ منها قبل-لغة خاصة. لكن هذا السؤال لا يزال مجرد افتراضات نظرية لا يمكن إثباتها تممًا كما هو الحال مع السؤال السابق.

على النقيض من أصل اللغة الذي يفترض البعض وجوده في أزمنة ماضية، هناك تعدد اللغات الذي انبثق عن انتشار البشرية والتعددية الثقافية الناتجة عن هذا الانتشار، فبأي لغة يمكن للشخص -الذي يتقن أكثر من لغة- أن يفكر؟ كيف يحلم؟ كيف يقرأ كل لغة؟ وكيف يكتبها؟ الناقد المغربي عبدالفتاح كيليطو لديه نظام قرائي صارم لا يحيد عنه، فهو يقرأ في النهار كتبًا عربية وفي الليل كتبًا فرنسية ويعلق على هذه العادة: “هل قراءة النهار هي قراءة العقل وقراءة الليل هي الحلم؟ لا أدري.” نقطة أخرى تتعلق باللغة الأم يعبر عنها ساغار بقوله: “ويزعم البعض أن اللغة الأولى، أي اللغة الأم الفعلية، هي تلك التي نشتم ونسب فيها عندما نستشيط غضبًا.”

علم نفس الأطفال 

إن رضيعًا لا يتجاوز عمره الخمسة أيام، ليس قادرًا فقط على التمييز بين صوت أمه وصوت أي امرأة أخرى تتحدث لطفلها، بل هو قادر حتى على التمييز بين لغته الأم واللغات الأخرى. إذ أجريت دراسة في فرنسا برهنت على أن الرّضع لا يميزون فقط بين اللغات، بل إنهم يؤثرون لغتهم الأم أيضًا؛ فالأطفال الذين خضعوا لهذه التجربة كانوا يرضعون بقوة أكبر عند سماع لغتهم الأم. إن خمسة أيام لا تكفي للشخص البالغ كي يتعلم لغةً ما، فكيف يستطيع الرضيع أن يتعلم اللغة في هذه المدة الوجيزة؟ جيسلان دوهان لا تعزو الأمر إلى قدرات خارقة يملتكها الطفل في هذا العمر وإن كان الأمر بطبيعة الحال مذهلًا، لكنها تتفق مع ما يراه بيك في أن “أدمغتنا مزودة بقدرات فطرية لتعلم لغة ما، وهذه القدرات لها أسس وراثية” وإليها إنما تعزى عبقرية الرضع في اكتساب اللغة. تظل أذن الأطفال حساسة تجاه اللغات إلى ما بعد البلوغ، وسلوكهم تجاه سماع لغات غير مألوفة هو إطباق الأذن عن سماع الفونيمات الجديدة، وهذا بالضبط السبب الذي يجعلنا نشعر أن الشرق آسيويين مثلًا لا يتكلمون بكلمات لكل منها معنى مستقل وإنما يركبون أصواتًا متتابعة لا يمكن تفكيكها.

ما دام الطفل يملك هذه القدرات اللغوية فلماذا يتأخر الكلام لبضعة أشهر؟ التفسير عائد إلى أن الطفل يملك لسانًا كبيرًا مقارنةً بحجم فكه، وبعد الشهر الثالث يكبر عظم الفك فيخف الضغط على اللسان، وهكذا ترتبط اللغة بالمقدرة العضلية، إذ يحتاج الطفل لبعض الوقت حتى يوائم بين سبعين عضلة في وقت واحد (وهو العدد التقريبي للعضلات المستخدمة أثناء الكلام). هذه النقطة ذكرتني بكريس ونسديل الذي سبق وأن شاهدت له مقطعًا بتيدكس، هذا الرجل يتبنى منهجًا لتعلم أي لغة خلال ستة أشهر فقط، وإحدى المبادئ الأساسية لمنهجه هو التدريب الفيزيائي، بمعنى أن عليك أن تمرن عضلات وجهك لتتحدث بالطريقة نفسها التي يستعملها المواطنون الأصليون عند حديثهم، ونسديل يرى أنك ستنجح بمقدار ما يؤلمك وجهك أثناء الكلام!

Advertisements

One Comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s