حول الدين

الإسلام بين الشرق والغرب

الإسلام بين الشرق والغرب

قراءة الإسلام بين الشرق والغرب، أعطتني تصورًا جيدًا لحياة علي عزت بيجوفيتش، لقد كانت سلسلةً من النضال الفكري والروحي والجسدي. المراجع التي يحيل إليها بالاستناد عليها أو لتفنيدها، تعطي دلالة واضحة لحجم استيعابه للفلسفة الأوروبية، لا يقف هذا الاستيعاب عند فهم الفكر بشكل مجرد، إنما يعكس اهتمامه بالأخبار العالمية والإحصائيات الكثيرة، تتبعه لتأثير هذا الفكر على حياة الإنسان الغربي في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع. مما يجعله في موقع ممتاز لنقد هذه الفلسفة ومساءلتها. إلى جانب هذا، قضى بيجوفيتش فترتين من حياته في السجن، إذ سجن في أوائل العشرين من عمره بسبب نشاطه الفكري والسياسي، ثم سجن مرة أخرى عام 1980 وحُكم عليه بأربع عشرة سنة تقلصت فيما بعد لخمس سنوات ونصف ليخرج في عام 1988 وقد تجاوز الستين من عمره، حكى عن سنين السجن في كتابه هروبي إلى الحرية. وبعد خروجه من السجن ساهم في استقلال بلاده عن حكم يوغسلافيا الاتحادية. ووسط كل هذا، يعكس الكتاب استغراقه في تأملات روحية يوسع من خلالها أفكار بسيطة أو يقدم بها أفكارًا معقدة في شكل مبسط جدًا. أما عندما يلتفت هذا الرجل ليتأمل ماضيه فلا يملك إلا أن يقول: “لو أتيح لي الحق في أن أعيش مرةً أخرى لرفضت هذا العرض، أما وإن إن كان لا بد منه فسأختار حياتي هذه” هذا بالتحديد كان الدافع الأهم لي لأقرأ له وعنه. وما سأكتبه هنا أقرب للتلخيص منه إلى المراجعة.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب ويعود إليها في كل مرة هي مبدأ الوحدة ثنائية القطب، فهو يرى أن الإسلام”يعني أن نعرف ونعترف بالازدواجية المبدئية للعالم، ثم نتغلب على هذه الازدواجية.” هذه هي الخطوط الأساسية للكتاب، فهناك المادية الشرقية متمثلة في اليهودية كديانة والاشتراكية كفكر، وعلى الطرف الغربي توجد الروحانية المسيحية. وكلا الطرفين قام بإنجازات بشرية عظيمة، لكنه أيضًا انطوى على مشكلات خطيرة جعلت من التمسك به أمرًا مستحيلًا، هذه الاستحالة ترجع دائمًا لأن كلًا منهما أغفل شيئًا مهمًا من حقيقة الإنسان. وجهة نظر بيجوفيتش أن الإسلام كان الديانة الوحيدة التي استطاعت أن توفق بينهما تحت مبدأ الوحدة ثنائية القطب.


من أين جاء هذا المخلوق الغريب؟

أصل الإنسان هو النقطة الحاسمة عند محاولة فهم أي مشكلة إنسانية وطرح حلول لها، إنه “النقطة الأولى للانطلاق في أي نقاش معاصر حول أي شيء”. لا يجيب بيجوفيتش عن هذا السؤال مستندًا للعلم الذي يرى في الإنسان مجرد شكل متطور من أشكال الحياة الحيوانية، لكنه ينظر إليه باعتبار جوهره الذي يحقق له وجوده: “معنى حياة الإنسان لا يتحقق إلا بإنكار الحيوان في داخله” والإنكار لا يتأتى إلا بالاستمرارية فيه أي بتكرار مجاهدة الجانب الحيواني بداخله. ولتوضيح هذه الفكرة يتحدث بيجوفيتش عن الاختلاف من حيث الغرض الوجودي لكلٍ من الإنسان والحيوان، حيث أن “مبدأ وجود الحيوان هو المنفعة والكفاءة وهذا لا ينطبق على الإنسان” فالإنسان يقدم على تصرفات وسلوكيات تقف المنفعة عاجزةً عن فهمها وتفسيرها. بل إنه يرسم لنفسه مبادئًا أخلاقية ويلتزم بها رغم إدراكه أنها تضعف من كفاءته.

ورغم أننا نتقاسم مع الحيوان: “الشعور، الذكاء، وسائل الاتصال متضمنة اللغة-، رغبة الانضمام لمجتمعٍ ما، بل وحتى الاقتصاد.” إلا أن عالمهم لا يتضمن: “الدين، السحر، المحرمات، الفن، المحظورات الأخلاقية، النجاسة السمو، اللعنة والقداسة.” لم يحصل أبدًا أن يجدع الحيوان أنفه أو يقطّع أجزاء من جسده لمجرد إيمانه بأفكار غيبية وقد تكون خرافيةً حتى، الحيوان لا يقدم على هذه التصرفات إلا لأغراضٍ معقولة؛ إذ أنه لن يقطع يده إلا للهروب من مصيدة مثلًا.كل الفروقات السابقة تشير إلى أن “الإنسان دائم التطلع لعالم حقيقي أو متخيل، وليس هذا فرقًا في التطور بل في الجوهر”.

وإذا تأملنا فعل الصيد حيث يشترك المخلوقان في ابتكار الأدوات والتخطيط المسبق، نجد أن أحدهما -دون الآخر- هو من يقوم بأداء الصلوات والابتهالات قبل الخروج لرحلة الصيد، وإذا لم يظفر بشيء فإنه يعود لكهفه وبباله فكرة ما يلبث أن يرسمها على الحائط، أما إذا تحصّل على شيء ليأكله فإنه لا يبادر بأكله فورًا بل يقيم مأدبة مع البقية وقبل أن يشرعوا في الأكل يوقدون النار ويتراقصون حولها! كل الظواهر السابقة هي اختلاف في الجوهر الذي مرده إلى لحظة الخلق أو اللحظة الفارقة التي يستدل عليها بقول الله: “قالوا بلى”، وهكذا تكون “قضية الخلق هي قضية الحرية” فكل تطلعات الإنسان انعكاس لحريته في هذا العالم الموحش، بعكس الحيوان الذي يتحرك وفق منظومة مفهومة مسبقًا ولا يملك حرية قراراته ولا ينفك عن هذا العالم المادي.

نجد أخيرًا أن النقطة الفارقة بين المخلوقين تدور دومًا حول عالم غيبي يؤمن به أحدهما دون الآخر، وعلى هذا الإيمان تنبني تصرفات وأفكار ومخاوف ونظام حياة متكامل. وكما يقول مالك بن نبي: “كلما أوغل المرء في الماضي التاريخي، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية، وجد سطورًا من الفكرة الدينية” وهذا ما يفعله بيجوفيتش، يعود بالقارئ المعاصر للكهف، يشير للرسومات على الجدران وينبهك للرقصات العجيبة والتأويلات البسيطة التي يلقيها إنسان الكهف على رفاقه عندما يهبط الليل وتختفي الشمس. دائمًا هناك فعل عبادة يتطلع لما وراء المرئيات حتى في أكثر الطقوس إلحادًا أو وثنية، وغالبًا ما تكون هذه العبادة منوطة بمكان ولهذا المكان مراسيم وأجواء معينة. يتكرر ذكر دور العبادة في أغلب فصول الكتاب، وما سأفعله هنا هو إعادة النظر فيه من خلال هذه الزاوية وحدها.


العلم والفن

كنت أتساءل دائمًا ما هي مشكلة الطبقة القوية إذا قامت الطبقة الأضعف باتباع مذاهب وأفكار جديدة؟ مالخزي في الأمر حتى يترفع عنه علية القوم؟ “وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي” بيجوفيتش يجيب عن هذا التساؤل بأنه ما من شيء قادر على منح الضعفاء حقوقهم ومساواتهم بالأقوى غير الدين وأن “أهم معنى إنساني لأماكن العبادة يكمن في هذا البرهان المتكرر للمساواة”. إذن علية القوم يترفعون عنه لأنه سيلغي الفوارق التي يقتاتون عليها. الدين يرى الناس “سواسية كأسنان المشط” أما العلم فغير قادر على المساواة لأن وظيفته بالضبط هي رصد الفوارق فهو مرة يدرسها في الكواكب ومرة في الميكروبات. يطلب الدين من الناس أداء بعض عباداتهم في أماكن معينة، امتثل الإنسان لهذا الأمر -الذي لجأ إليه بنفسه قبل أن يوحى إليه ـ وقام بتشييد دور العبادة قبل أن يؤسس للرياضيات والهندسة، لكنه كان منذ البدء لا يستغني عن الفن. وأي تتبع لتاريخ الفن يظهر ارتباطه الوثيق بالدين سواء في موضوعاته أو استخدامه في دور العبادة.

إن الصراع الحاصل بين العلم والفن لا يمكن أن يُحسم؛ إذ “لا يمكن لأحدهما أن يزيح الآخر، فالعلم يستند لمجموعة حقائق يستحيل تفنيدها بينما يستقر الفن في قلوب جميع البشر”. ويقول في موضع آخر: “يقف العلم والفن على طريق تصادم قطعي، فالعلم يحصي الحقائق التي تؤدي بطريقة عنيدة إلى الاستنتاج بأن الإنسان قد تطور تدريجيًا من حيوان إلى إنسان. أما الفن، فإنه يرينا الإنسان في صورة مثيرة قادمًا من عالم مجهول” و“كل الفنون تحكي قصة متصلة لغربة الإنسان في الطبيعة” أما عن غاية الفن فيقول: “المعنى النهائي للفن أن يكتشف الخصوصية الإنسانية في الناس الذين أساءت لهم الحياة، وأن يكشف عن النبل الإنساني عند أناس صغار منسيين في خضم الحياة، وباختصار أن يكشف عن الروح الإنسانية المتساوية القيمة في جميع البشر. وكلما كان وضع الإنسان متدنيًا في الحياة، فإن اكتشاف نبله يكون أبلغ إثارة.”


الحضارة والثقافة

يستفتح بيجوفيتش مقدمة الفصل بقوله: “هناك حقيقتان متعارضتان ارتبطتا بظهور الإنسان: الأداة الأولى والعبادة الأولى”. لم يكن من المثير أن يستخدم الإنسان حجرًا لكسر ثمرة، فالحيوانات سبقته بهذا، لكنه عندما وضع الحجر أمامه باعتباره رمزًا للروح ومعبرًا لعالم غير مرئي فإنه أشار لفعل سيلازمه إلى انتهاء العالم وسيكون هو سمته الأبرز. وبهذا يمكن تفسير تصرفاته الخارجية بتماثلها مع سلوكيات كائنات وجدت قبله أما عالمه الداخلي فلا قبل له إلا العالم العلوي. الحضارة عنده متمثلة في الأداة، فعل التكوين والإنشاء، الكوخ والخيمة وناطحات السحاب، العجلة والمحراث والحاسب الآلي. أما الثقافة فهي عالم الإنسان الداخلي والسماوي، الرسم واختلاق الأساطير والرقصات المتناغمة.

لا يفوته أن يشير إلى تشويه الثقافة، يقول عنها: مشكلة “الثقافة الجماهيرية أنها تخاطب الجمهور، أي أنها تخاطب الحاجات والرغبات وليس الروح” هكذا تعمل الثقافة الجماهيرية التي تقوم المؤسسة الرأسمالية بدعمها لخلق حاجات جديدة باستمرار عند الناس. لعل التقنية أوضح مثال على هذا، لا تهتم الشركات بماذا يريد الناس، المهم هو صنع شيء جديد ومبتكر حتى لو كان تافهًا، مع الوقت سيصير حاجة ضرورية لأغلب الناس وتستمر الشركات في هذه الدائرة: تنتج أمرًا تافهًا يجعله إقبال الناس ضروريًا. يعمل هذا النوع من الثقافة أيضًا على قولبة الجميع مما يتنافى مع مهمة الثقافة الأساسية وهي تعزيز الحرية التي تعني مقاومة التماثل. بالإضافة إلى ما سبق، فإن العلاقة بين المتلقي والمنتج غير متكافئة على الإطلاق، حيث نجد دومًا فئة قليلة من الناس تحتكر الثروة وصنع القرار وتتحكم بصناعة الإعلام، بينما يستقبل الشعب كل هذا دون أدنى تدخل وحتى لو حصل فهو تدخل صوري مسموح به فقط لأنه يرضي مالكي هذه الأدوات. على عكس ما يحدث في الثقافة الجماهيرية، تتمثل الثقافة الشعبية في الإجماع والمشاركة، حيث أن الطقوس فيها ملك القرية أو القبيلة؛ أي أن الجمهور هو نفسه المؤدي.

تتداخل الحضارة مع الثقافة بشكل يصعب معه التفريق بينهما؛ فبالحديث عن وسائل الإعلام نحن نتحدث عن الآلة صانعة الحضارة (الكاميرا، التلفاز، المذياع، ..إلخ) أي أننا نتحدث عن “الخطيئة الأولى في الثقافة” حسب نيكولاي بردييف. من المثير للاهتمام أن يعرب ستيف جوبز عن رغبته في التخلص من هذه الخطيئة بقوله: “إنني قادر على مقايضة كل ماأملك مقابل قضاء أمسية مع سقراط” ولا أعرف بالضبط مالذي يرغب بسماعه من سقراط، لكنه حتمًا لن يكون حول استعباد نساء وأطفال أفريقيا أو تحويل العمال في الصين إلى آلات لصناعة هواتف ذكية لمواطني المدن الحديثة.


في القسم الثاني من الكتاب يتناول الديانات الثلاث باعتبارها مناهج حياة للمؤمنين بها، وعليها تنبني كل التفصيل الأخرى.

اليهودية -التي تمثل الفكرة المادية حسب الكاتب-، تسعى لتحقيق جنة الله في الأرض وفكرتها حول العدالة أنها تتحقق من خلال المسيح المنتقم. لهذا تعول كثيرًا على العلم، أهم النظريات العلمية والتقنيات الحديثة ظهرت بفضل اليهود. وليس أدل على انبثاق كل هذا كجزء من اليهودية أفضل من أن نتتبع أفلام الذكاء الاصطناعي والخيال العلمي؛ إذ دائمًا ما تنطوي هذه الأفلام على الفكرة الدينية اليهودية حول العدالة ونهاية العالم…إلى آخره. بالتالي ينجح اليهود في بناء حضارة وهجراتهم دائمًا حضارية وأداتهم المفضلة هي المال، يقول سومبارت “التاريخ اليهودي هو تاريخ التطور التجاري في العالم”. أما المسيحية فهي دين مجرد يتوجه للعالم الباطني للإنسان وهو غير معني بالعالم الخارجي. صعوبة هذا المنهج في التطبيق أوجدت اتجاهين، فهناك حياة خاصة للقساوسة وحياة أيسر لعامة الشعب.

على العكس من المسيحية، لا يوجد نظامين للحياة في الإسلام. بالتالي لا توجد قداسة لشخص بعينه نظرًا لاتباعه النظام الأصعب. في المسيحية نجد عصمة البابا، في الإسلام العصمة للإجماع. أما أداء العبادة في المسجد فطريقته واحدة لكل الناس. وبالحديث عن المسجد، يستكمل بيجوفيتش مقارناته وتحديدًا حول محور دور العبادة موضحًا الفوارق الجوهرية بين الدينين. عادةً ما تبنى الكنيسة في منطقة نائية وبعيدة عن صخب الحياة، تلتحف بالصمت والظلام، مبنية بارتفاع بحيث تشير لعالم آخر. أما المسجد فغالبًا وسط المناطق المكتظة، قريب من السوق والمنزل، يتناقش فيه الناس أمور دنياهم كما يتعلمون فيه مختلف العلوم؛ “الكنيسة مكان للرب والمسجد للناس”.

أما عن العلم فـ“لا يحتوي القرآن على حقائق علمية جاهزة، ولكنه يتضمن موقفًا علميًا جوهريًا، اهتمامًا بالعالم الخارجي وهو أمر غير مألوف في الأديان”. حتى أن “تطور العلوم الطبيعية حصل كنتيجة لمحاولة تحقيق الفرائض الإسلامية بدقة”. يصل الكتاب إلى استنتاج أنه من الخرافة أن يسعى العلم لتفسير الحياة الجوانية للإنسان وأن يقوم الدين بشرح الطبيعة. فالأول يقود لنتائج مشوهة من نوع: الفن مجرد نتيجة للاضطراب العقلي. أما الثاني فكثيرًا ما يحدث بتحوير مدلولات النصوص الدينية لتتوافق مع ما يتوصل إليه العلم الحديث وكأنه الحقيقة المطلقة والدين مجرد ظل له.

يستمر بيجوفيتش في عرضه الممتع حتى يصل بك للخاتمة، لفكرة لم يكن يصر عليه كالبقية، ربما لبداهتها إذ تتبدى أساسًا في لفظة الإسلام نفسها. يورد قصة الاضطراب الذي حصل أثناء اقتحام الحلفاء لأوروبا عام 1944، هذا الاضطراب أوقف للحظات قليلة الاتصالات اللاسلكية، مما كاد يقضي على العمليات العسكرية. بعد عدة سنوات، رجح أن هذا الاضطراب عائد إلى انفجار نجمي بمجموعة أندروميدا التي تبعد عنا ملايين السنوات الضوئية. يعلق على الموضوع “كلما نمت معرفتنا عن العالم تزايد إدراكنا بأننا لا يمكن أن نكون أسياد مصائرنا” بالتالي لا نملك “إلا التشاؤم والتمرد واللامبالاة، أو التسليم لله”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s