خرافة التقدّم – حنان القرني

مقال نُشر في صحيفة ايوان بتاريخ ٢ اكتوبر ٢٠١٦ م الموافق ٣ محرم ١٤٣٨ هـ:

نحن الذين نعيش عصر الإزدهار التكنولوجي، يحيطنا النماء الحضاري ونحضى بفورة الإنجازات العلمية، تسحرنا قدرة العلم على تسخير الطبيعة لتكون خادمًا لراحتنا، فلا حرّ الصيف أزمة مادامت أجهزة التكييف تنسينا اتقاده، ولا بعد المسافات شاغلنا وقد تيسّرت المواصلات، ولا تأوهات مرضانا تشجينا وقد أخمدها المسكّن وخلق العلاج أملًا بقرب انقضاءها. نؤمن تمامًا أن البشر في قديم الزمن وجدوا أنفسهم بُلهًا أغبياء لا حيلة لهم ولا وسيلة في التعامل مع الطبيعة، وأنهم كانوا كلما “تقدّم” بهم الزمن ازدهرت حضاراتهم، فخرجوا من تخلّف الإنسان البدائي لثقة الإنسان المتحضّر، يسيطر علينا الاعتقاد بأن العالم يعيش اليوم “قمّة الحضارة الإنسانية”، لأننا -نحن والطوفان من بعدنا- نملك ما يثبت هذا الاعتقاد، من أدوات التقنية وخدمات العلم. و أن الإنسان يسير بخطى ثابتة نحو الأفضل، “متقدمًا” أبدًا نحو الكمال.

ولكن؛ في الحين الذي نتبجّح فيه بتقدّم الحضارة الإنسانية ومنجزاتها العلمية والتقنية والطبية، يعجز أربعمئة مليون شخص حول العالم عن الحصول على أي شكل من أشكال الرعاية الصحية الأساسية (١)، ويظل ملياريّ مريض حول العالم عاجزًا عن الحصول على العلاج الذي يحتاجه على الرغم من كل “التقدم” الطبي العالمي. (٢) هذه الأعداد ليست مجرد أرقام تخمينية بل هي احصائيات عالمية معلنة تصرّح بوجود أعداد مهولة لبشر مثلنا من لحم ودم يعيشون في عصر “التقدم” والتكنولوجيا والثراء المعرفي والرفاهية المادية، ثم يعجزون عن التمتع بأبسط مزايا هذا العصر “المتقدّم”.

مثل هذه الأرقام تكشف لنا حقيقة وجود نسبة ضخمة من سكان الأرض غير قادرين على الإستفادة من أبسط لوازم “التقدم” -وأقصد وسائل التداوي والعلاج- فضلًا عن كمالياته وأدوات رفاهيته، وهكذا يكون من غير العادل ولا المنطقي أن نتوقع من المجتمعات الفقيرة أن تؤمن بأفضلية الزمن الحديث على الأزمنة السابقة لأن مجتمعات سواها تعيش أفضل حالات الغنى والرفاهية. ففي ميزان المفاضلة التاريخية، كانت الحياة في أزمنة سابقة -بالنسبة إلى كثير من المجتمعات الفقيرة- أفضل وأكثر رفاهية مما هي عليه اليوم، ذلك أن العديد من الفقراء في دول افريقية واسيوية تعرّضوا في العصر الحديث إلى استغلال شركات عابرة للقارات سرقت منهم مواردهم الطبيعية وجردّتهم من مصادر دخلهم وتركتهم يكابدون مشقة الجوع والفقر والمرض. إذ تدفع الشركات العالمية للحكومات الإفريقية الخاضعة للإمبريالية الغربية مقابل إتاحة تصدير الموارد الطبيعية من افريقيا إلى خارجها، فتُباع -بعقود احتكارية- شواطيء صيد الأسماك والأراضي الزراعية والمناطق الرعوية الخاصة بالأهالي، أما الحكومات الفقيرة فتصرف هذه الأموال المكتسبة من بيع الموارد الطبيعية على إعادة تهيئة المكان ليصبح أكثر “تمدنًا” حسب معايير الحضارة الحديثة، فتُرصف الشوارع وتُبنى مشاريع حضارية شكلية كالميادين والمتاحف على حساب دخل البسطاء.. فمحاولة التشبّه بالنموذج العمراني والحياتي الغربي يكلّف العالم الكثير، وتصوير الحضارة على هيئة بنايات متطاولة واسواق مكتظة بمطاعم الوجبات السريعة يضع الدول الفقيرة في ضغط المسابقة الحضارية الواهمة ومحاولة اللحاق بالـ”متقدّم”، وهكذا يُترك الأهالي -بعد أن تباع مواردهم- للجوع والفقر والمرض، فلن يستفيد الصيّاد البسيط في قرية بسيطة على شاطيء افريقي من مشاريع حكومته التنموية في العاصمة والتي مُوّلت بعوائد بيع الشواطيء بعقود احتكارية لشركة تصدير اسماك اوروبية، ستمنعه الشركة من صيد السمك الذي كان مصدر معيشة له ولقريته على مدى أجيال، ربما تتكرّم عليه بأن توظفه كعامل بسيط بأجر زهيد لا يُسمن و لا يغني من جوع، وستوكّل الشركة الوظائف المجزية لمؤهلين “متقدّمين” تدفع لهم بسخاء بعد أن تستقدمهم من خارج افريقيا، ستصطاد السمك من الشواطيء الافريقية وتعيد بيعه في اوروبا بأسعار خرافية باعتباره من الأنواع النادرة والثمينة. وسيجلس الأوروبي “المتقدّم” على طاولة مطعم فاخر ليأكل وجبة مكلّفة من السمك النادر الذي لا يتوفّر إلا في شاطيء افريقي نائي حُرم أهاليه من خيراته، وستكون عوائد الشركة أرباحًا خيالية مقارنة بتكاليف توريد السمك من بلد فقير معدم يبيع موارده بأبخس الأثمان. سيموت الأهالي من الجوع، سيقتلهم الفقر والمرض! سيعجزهم توفير الدواء لأبسط مرض، و سيقفّ استاذ جامعي في جامعة اميركية عريقة بُنيت بمنحة من اقطاعي أبيض جمع ثروته على حساب جموع العبيد الذين قضوا أعمارهم سخرة ليبني مجده، سيقف الاستاذ ليشرح لطلابه فكرة “التقدّم”! وكيف كان النمو الحضاري البشري من عهد ماقبل التاريخ والإنسان البدائي حتى وصل إلى زمن التكنولوجيا العظيم! سيقنعهم أن المجتمع البشري يتصاعد حضاريًا من التخلّف إلى التقدّم ومن الجهل إلى العلم ومن الفقر إلى الثراء، وسيستشهد بانجازات الطبّ الحديث كوصول الإنسان إلى المضادات الحيوية التي شكّلت ثورة علاجية في الحضارة البشرية.

سينبهر الطلّاب بفكرة “التقدّم” واستشهادات استاذهم وهم يجهلون أن طفلًا يموت كل دقيقتين بالملاريا -معظمهم تحت سن الخامسة- رغم أن “التقدّم” قد أوجد مضادات للملاريا، و لا يدرون بأن أكثر من أربعمئة ألف مصاب بالملاريا يموت سنويًا جميعهم من الدول الفقيرة العاجزة عن شراء الدواء، (٩٠٪ منهم من دول افريقيا). (٣) سيشعر الطالب الغربيّ بالعظمة وهو يعاصر قمّة الحضارة مغمضًا عينيه عن حقيقة الموت جوعًا لثلاثة ملايين طفل سنويًا (٤٥٪ من وفيات أطفال العالم دون الخامسة بسبب الجوع). (٥) ذلك أن معيار القياس الذي يستخدمه الغربيّ وغيره من عبيد الغرب معيار أعرج، يقيس أقصى درجة رفاهية حصل عليها أي شخص حول العالم ويعتبرها منجزًا بشريًا على كل سكان الكوكب أن يحتفون به! حتى ولو كان الجوع يحصدهم وأبسط الأمراض تدمرّ مجتمعاتهم!

خلاصة القول، أننا لا نستطيع أن نقيس رفاهية البشرية وتقدّمها بما تملكه أقلية بسيطة من سكان الأرض من أدوات الرفاهية والثراء، فطوال التاريخ كان هناك مجتمعات فقيرة ويغلبها الجهل تتزامن مع مجتمعات تعيش في ظروف حضارية أفضل، وربما تكون المقارنة بين تزامن العصور الوسطى المظلمة في أوروبا مع عصور أوج التحضّر والازدهار في الاراضي الإسلامية دلالة واضحة على أننا لا يمكن أن نصنع معيار موحّد عالميًا لقياس الحضارة والرفاهية.

المراجع (1) (2) (3) (4)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s