خطوات لتحسين الترجمة – حنان القرني

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠١٦م الموافق ٢٦ ذو الحجة ١٤٣٧ هـ:

ليست الترجمة مجرد أداة لنقل المعنى من لغة إلى أخرى، بل هي وسيلة إثراء لغوي و معرفي قادرة على  أن تحرّك ركود اللغة المعرفية والفكر العلمي والثقافي إن تم تفعيلها بالشكل الصحيح. وتعد الترجمة العلمية أحد أصعب مجالات الترجمة في العصر الحديث، وذلك لسبين: أولاهما هو ارتباطها بمصطلحات علمية حديثة لا وجود لمرادف يعبر عنها في البناء اللغوي التقليدي، وثانيهما أن النص العلمي هو نصّ يعبر عن حقائق علمية محددة، مما يتطلب نقل محتوى النص ومعناه نقلًا أمينًا دون أي تعدي أو تعديل في محتواه،

لا بغرض تجميل النص بلاغيًا و لا لزيادة الشرح العلمي. وبذلك يواجه المترجم للمادة العلمية تحديًا قد لا يواجهه سواه، فهو مطالب بنقل المعنى من لغة إلى لغة أخرى، و هو أيضًا مطالب بعدم المساس بمحوى النص ومعناه، وهو فوق ذلك كلّه أمام مصطلحات حديثة لا وجود لها في المعاجم التقليدية! وهنا يطرأ السؤال: كيف يمكن لنا أن نعمل على تحسين مستوى الترجمة العلميةالعربية، وما الجهود التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق هذا الهدف؟

تتحمّل المعاجم اللغوية المتخصصة مسؤولية استثنائية في تيسير الترجمة العلمية العربية، فاللغة العلمية لغة متجددة وولاّدة، تنتج العديد من المصطلحات العلمية الحديثة سنويًا في شتى المجالات العلمية: الطبية و التقنية والفلكية والفيزيائية وسواهم، وإذا لم تتصدى المعاجم العربية لمسؤوليتها بمواجهة سيل المصطلحات الحديثة بتكييفها مع القواعد البلاغية العربية أو تعريبها تعريبًا  ميسّر وقابل للاستخدام، ثم بإعلان هذا التعريب وتعميمه على الوسط المتخصص الذي يبدأ منه تداول المصطلح بين الناطقين بالعربية، فسوف يجيء يوم نجد فيه أنفسنابكل أسفوسط سيل جارف من المصطلحات الأجنبية المتداولة قسرًا في النصوص العربية، وحينذاك لن يكون من المفيد أن تعاد ترجمة المصطلحات أو يعاد تكييفها مع القواعد البلاغية العربية لأن الشيوع سلطان اللغات. والشائع من الألفاظ أولى من صحيحها

ومهمة المعاجم اللغوية لا تنتهي بعد نقل المصطلح من لغته الأم إلى اللغة العربية، بل تمتد إلى نحت اشتقاقاته و تحديد سياقاته ودلالاته، لتكون مرجعًا لكل من يتولى مهمة الترجمة العلمية. ثم يكون من المهم للغاية أن تكون المعاجم اللغوية قابلة للاستخدام وذلك بتحقيق أهم شرطين لتحقيق هذه الغاية: أولاهما أن يتم توحيدها على امتداد الوطن العربي، فالقارئ العربي في المغرب هو القارئ العربي في الخليج٬ ومن المعيب أن تتعدد وتتضارب الآراء لترجمة المصطلحات إلى لغة واحدة.. فيحدث ارتباك لتعدد المصطلحات المشيرة لذات المصطلح. وثانيهما أن يكون الوصول للمعاجم المتخصصة سهلًا ميسرًا متاحًا للجميع٬ إذ لم تعد الترجمة اليوم عملًا  نخبويًا للمختصين فقط٬ بل هي هواية لدى البعض وجهد مسؤول يؤديه آخرين خدمة للعرب وإثراءً للمحتوى العربي. وربما تكون أسهل طريقة لاتاحة المعاجم للاستخدام هي أن تتوفر على شبكة الانترنت.

وعلى الرغم من مسؤولية المعاجم في تلبية حاجة اللغة العربية للتوسع باحتواء المعاني العلمية المتجددة٬ إلا أنه قد يكون على المترجم أحيانًا أن يتولى هذا الدور لتقصير المعاجم أو لتسارع وتيرة ظهور المصطلحات٬ وفي حالة كهذه يجب على المترجم أن يستشعر مسؤوليته في نحت وتوليد ألفاظ دالة وبليغة لتعبّر عن المعنى الذي يشير إليه المصطلح الأصلي بألفاظ مناسبة للسان العربي. أحيانًا يكون من الممكن أن يُنقل المصطلح من لغته الأم للغة العربية مع تهذيب حروفه بما يتناسب مع اللسان العربي٬ خصوصًا إن ظهر المصطلح كتسمية اشتهرت٬ فالأسماء المتداولة والمعروفة لا تُترجم. و أحيانًا أخرى يكون من الأصح أن يبحث المترجم عن أقرب الألفاظ العربية لدلالة المعنى فيشتق منه اصطلاح يعبر عن المصطلح المراد ترجمته. إذًا٬ فالترجمة العلمية تتطلّب إلمامًا باللغة العربية وألفاظها وأساليبها البلاغية كما تتطلب الإلمام باللغة الأخرى و بالاصطلاحات العلمية. فليس يكفي أن يفهم المترجم النص الأصلي ويتمكّن من معناه ليكون قادرًا على ترجمته٬ بل عليه أن يمتلك مقدرة لغوية عربية تمكّنه من نقل المعنى عبر التراكيب العربية الصحيحة.

أما الشرط الأهم للترجمة العلمية فهي أن تتم ترجمة النص العلميترجمة أمينة. والترجمة الأمينة هي نوع مميز من أنواع الترجمة يختلف عن الترجمة بتصرّف أو الترجمة التأويلية وسواهما من أنواع الترجمة٬ إذ يكون من المهم في حالة الترجمة الأمينة أن يبذل المترجم جهده لينقل المعنى من اللغة الأصلية إلى اللغة الأخرى دون المساس بالنص الأصلي أو تحريفه وتعديله٬ ولذلك يواجه المترجم بعض الصعوبات حين ينقل مصطلح جديد داخل النصّ العلمي ويعجز عن إدراج شروحات توضّحه وتنقل معناه للقارئ. و في هذه الحالة قد يكون من المناسب إدراج الشروحات في الهامش لتوضيح الاصطلاحات الجديدة وشرح معانيها٬ وهذه الخطوة تساعد في تطبيع المصطلح ونشره وتسهيل استخدامه٬ وهي للأسف خطوة مغيّبة في الدوريات العلمية العربية المترجمة. والتزام الترجمة الأمينة كأسلوب للترجمة العلمية لا يعفي المترجم من مسؤوليته اللغوية التي تفرض عليه صياغة النص المترجم صياغة عربية بلاغية رصينة٬ و لا تبيح له التساهل في القواعد البلاغية والنحوية العربية بحجة المحافظة على المعنى الأصلي للنص. فليس من المستحيل أن يحافظ النص على معناه ويصاغ بصياغة عربية واضحة وقويمة٬ وقد يكون من الأفضل في بعض الأحيان أن تتم عملية الترجمة على خطوتين: فيكون أولًا  نقل المعنى إلى اللغة العربية٬ ثم يأتي دور المراجعة اللغوية لإعادة صياغة النص بأسلوب عربي قويم.

وأخيرًا٬ يهمني أن آقول بأنه لا يكفي أن يتم نقل المعنى من لغة إلى أخرى لنقول بأننا أنجزنا الترجمة. بل يجب أن ينتقل المعنى بصياغة بليغة ممتعة سهلة على القارئ٬ فما قيمة النص المترجم الذي لا يلقى رواجًا بين الناس لركاكة ترجمته وضعفها؟ بل وجوده كعدمه!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s