تسويق الدواء: بين الابتذال والنزاهة

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية

 http://www.alfaisal-scientific.com/?p=1375

تُمنح الثقة للصيادلة والأطباء بلا حدود؛ فالمرء يأتمنهم على روحه وماله وأهله والمرضى يصدّقون ادعاءاتهم ويقتنعون بمزاعمهم من دون أن يطلبون منهم حجة أو دليلًا. تحققت هذه الثقة بناءً على اقتناع أكثر الناس بالطب الحديث المبني على التجربة والبرهان بوصفه أفضل مرجعية ممكنة للتداوي في هذا الزمن. غير أن المرض عوز وحاجة، والمريض تحت وطأة أوجاعه ومشقة عذاباته قد يتعلق بأي وهم يمنحه إياه أي مدّعٍ أو مصطنع للمقدرة على الشفاء، فتجد المرضى يتزاحمون على أبواب الأفاكين والدجالين يشترون منهم أملاً لا عاقب له، ورجاءً لا مآب فيه!

ولا فرق بين الدجال المدعي والأطباء والصيادلة إلا في الصدق والأمانة، فالفئة الأولى تدّعي ما لا تملك البرهان عليه، والفئة الثانية توصي بما تؤيده الدراسات العلمية وتثبته التجارب. ومن أجل ذلك يصبح كلّ طبيب وكلّ صيدلي دجالاً في اللحظة التي يقرر فيها أن يخون ثقة المريض به ويضلله.

لذلك فمن المهمّ أن نفهم دوافع هذه الفئة من الأطباء والصيادلة الذين يتاجرون بجهل مرضاهم وثقتهم فيدفعونهم إلى شراء أدوية منخفضة الجودة أو مرتفعة السعر، أو يحثّونهم على استخدام الدواء من دون الحاجة إلى استخدامه؛ لأن أول خطوة لمعالجة الظواهر السيئة هي فهم أسبابها وتجفيف منابعها. ويبدو أن الدافع الأكبر لهؤلاء الذين يخذلون مرضاهم هو عمليات التسويق غير الأخلاقية التي تحفز الأطباء والصيادلة إلى أن يكونوا ترساً في ماكينة صناعة الأرباح في سوق الدواء المحلي.

حكاية السوق السعودي

حكاية طويلة يمكن أن تُحكى عن سوق الدواء في المملكة العربية السعودية الذي يعدّ أحد أكبر أسواق الدواء في المنطقة وأسرعها نموًا، فعلى الرغم من أنه لا يزال ناشئًا إلا أنه استطاع أن يحقق خلال السنوات الخمس الماضية دخلاً يزيد على أحد عشر مليار ريال سعودي. ومن الطبيعي أن نمو سوق الدواء السعودي المطّرد أحدث الحاجة إلى وجود هيئة تشريعية تُعنى بضبط السوق وتنظيمه، وهكذا استُحدثت الهيئة العامة للغذاء والدواء مطلع عام ١٤٢٤هـ الموافق ٢٠٠٣م؛ لتكون جهة تنظيمية تسعى إلى مراقبة كل ما يتعلق بتجارة و ضبط الغذاء و الدواء، ابتداءً من فسح المنتجات المستوردة أو التأكد من جودة المصانع المحلية وصولاً إلى فرض قواعد تنظيمات لتسويق الغذاء والدواء.

وإذا التفتنا إلى تاريخ تسويق الدواء في السعودية وآليات المنافسة التي استمر عليها السوق خلال العقود الماضية سنفهم إلى أي مدى كانت مهمة ضبط السوق وتنظيم فوضاه شاقة ومعقدة، فنحن نتعامل مع شركات الدواء العالمية والمحلية التي ظلت لزمن تعمل من دون رقابة وبلا حساب.

تمتدّ خبرات شركات الدواء العالمية على مدى عقود طويلة، ولها سجلها الحافل بالجرائم الأخلاقية والمهنية في تسويق الدواء أو إخفاء المعلومات التي قد تمنع تحقيق الأرباح وغير ذلك مما اشتهرت به من الممارسات غير الأخلاقية التي تهدف إلى زيادة الأرباح ولو على حساب أرواح البشر. أما شركات الدواء المحلية فيعد نجاحها جزءًا من نمو الاقتصاد الوطني، لكنها تقف موقفًا ضعيفًا في منافسة شرسة مع شركات عالمية تفوقها جودة وإمكانية. هذه كلها أسباب جعلت تنظيم فوضى التسويق الدوائي مهمة عسيرة وطويلة الأمد وتدريجية، فلا يمكن أن تتبدل الحال بين ليلة وضحاها، ولن نستطيع أن نضبط السوق في فترة وجيزة بل سنحتاج إلى زمن نعمل خلاله على تنظيم الاضطراب وضبط الفوضى بصبر ومثابرة.

أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية

كانت الخطوة الأولى في مسيرة ضبط السوق أخلاقيًا قد ظهرت عام ١٤٣٣هـ الموافق ٢٠١٢م حين دشنت هيئة الغذاء والدواء مدونة أخلاقيات ممارسة تسويق المستحضرات الصيدلانية”، التي تكشف عن توجه الهيئة إلى مراقبة السوق أخلاقيًا وقانونيًا وجديتها في ذلك.

لكننا نتحدث عن سوق الدواء، السوق الذي عُرف عالميًا بتاريخه الطويل في عمليات التسويق غير الأخلاقية، ونتحدث عنه في دولة صُنفت في تقرير منظمة الشفافية العالمية عن الرشوة والمنشور عام ٢٠١١م كسابع دولة تتفشى فيها الرشاوى عالميًا. هذان العاملان يجعلان الممارسة غير الأخلاقية في تسويق الدواء متفشية ومتجذرة، مما يجعل مهمة اصلاح السوق و القضاء على مظاهر التسويق غير الأخلاقية فيه مهمة ليست باليسيرة. مع ذلك كان إصدار هذه المدونة خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكن إحباط ممارسات التسويق غير الأخلاقية وتجريمها يتطلب خطوات أخرى كثيرة ومن أهمها النقد المستمرة للظاهرة وكشف أسبابها، وما هذا المقال إلا محاولة للتصدي لتناولها وإماطة الستار عن بعض أسرارها عبر الحديث عن ستة محاور مركزية في تأثيرها في مستوى الانضباط الأخلاقي في تسويق الدواء:

مصلحة المريض أولاً

أول المحاور المؤثرة في الانضباط الأخلاقي في تسويق الدواء يتعلق بالمحور الرئيس والمركزي لمفهوم الرعاية الصحية في جميع مرافقها كالمشافي والصيدليات ومصانع الدواء ومراكز الأبحاث الطبية، وأقصد مصلحة المريض. إذ لا يمكن أن يوجد سوق دواء أخلاقي ما لم تتقدم مصلحة المرضى على ما سواها، وجميع الأعراف والأخلاقيات الطبية والقوانين العالمية تُسلّم وتعترف بذلك.

ومفهوم مصلحة المريض يتأسس على فرعين: الفرع الأول هو عدم الإضرار بالمريض، والفرع الثاني هو تحقيق المنفعة العلاجية له. والواقع أن معظم ممارسات التسويق الدوائي في السوق السعودي تتنبه وتهتم بضرورة عدم المساس بالفرع الأول خوفًا من الملاحقة القانونية أو استجابة للضمير الأخلاقي. لكن المشكلة الحقيقية تمس الفرع الثاني، إذ يتجه بعض الصيادلة والأطباء إلى دفع المرضى إلى شراء بعض الأدوية والمستحضرات الطبية واستخدامها وهي لا تنفع المريض بحجة أنها لن تضره.

وبحسب دراسة نُشرت عام ٢٠١٤م في مجلة الصيدلة السعودية، فإن ٤٣٪ من الصيادلة العاملين في الصيدليات التجارية يقومون ببيع الدواء الذي لا ينفع المريض ولا يضره، وهذه نسبة تبدو كبيرة، ويقابلها بالتأكيد نسبة كبيرة من الأطباء الذين يكتبون لمرضاهم أدوية ليسوا بحاجة إليها.

هؤلاء الصيادلة والأطباء لديهم بالتأكيد أسباب تدفعهم إلى غش مرضاهم واستغلال جهلهم، وهذه الأسباب مختلفة لدى الصيادلة عنها لدى الأطباء، لكنها على اختلافها تقود للنتيجة ذاتها: استغلال جهل المريض وثقته للحصول على منافع شخصية.

فساد البيئة

تنتمي معظم الصيدليات -مع الأسف- إلى شركات كبرى تحتكر قطاع الصيدليات التجارية في البلد، وتحرص إدارة هذه الشركات على أن تتعاون الصيدلية مع كبريات شركات الدواء المحلية والعالمية وفق علاقة تبادل منافع يضيع فيها حق المريض ومصلحة المجتمع، فتقدّم شركات الدواء خصومات ودعم متعدد الأشكال للصيدليات الكبرى نظير أن تُدخل هذه الصيدليات منتجاتها في قائمة الأدوية والمستحضرات التي تتركز فيها عمليات الترويج داخل الصيدلية، وتعمل إدارة هذه الصيدليات على تقديم حوافز تصل إلى ٢٠٠٪ من الدخل الشهري للصيادلة العاملين فيها نظير قيامهم بترويج الأدوية الموجودة في القائمة.

وحين نتأمل مثل هذه الجرائم التسويقية التي يشترك فيها ثلاثة أطراف: شركات الدواء والصيدليات الكبرى والصيادلة العاملين فيها؛ سنفهم أننا للأسف نواجه تحديًا لا يستهان به في محاولتنا ضبط سوق الدواء أخلاقيًا! إذ لا نواجه الصيادلة بصفتهم أفراداً يمكن ردعهم بالقانون، بل نواجه أيضاً تكتلات تجارية متعددة الأطراف ومتشابكة المصالح.

أما في المستشفيات، فنجد أن الفساد يتفاوت حسب بيئة المستشفى ومدى ضبطها لموظفيها. ففي بعض المستشفيات لا تجرؤ أي شركة مهما انحدر مستوى الضبط الأخلاقي فيها أن تعمل على تسويق منتجاتها بطريقة لا أخلاقية، وفي مستشفيات أخرى نجد أن الفريق الصحي من أطباء وممرضين وصيادلة يتغاضون عن الأسلوب التسويقي غير الأخلاقي الذي يصدر عن ممثلي شركات الدواء، بل ربما يدفعونهم إلى ذلك عبر التصريح أو التلميح بتأثير المزايا والحوافز الشخصية التي تقدمها شركات الدواء إليهم، وهذا ما يجعل العبء الأخلاقي مشتركًا بين الطرفين، فلا يمكن أن نلوم قطاع التجارة الدوائية دون أن نلوم شركاءهم في قطاع الرعاية الصحية.  ويتفشي هذا السلوك غير الأخلاقي بقبول الحصول على منافع شخصية في القطاع الخاص للرعاية الصحية، متمثلاً بمستشفيات وصيدليات القطاع الخاص، ويرجع ذلك كما يبدو للطبيعة الربحية التي يتأسس عليها هذا القطاع، وهذا ما يجعل العاملين فيه خاضعين لفكرة تبادل المنافع، وهي بذاتها ليست فكرة مرفوضة، إلا حين يكون المريض ضائعًا وسطها! فكيف يمكن لطبيب أو صيدلاني أن يقبل بأن يجعل مصلحته الشخصية بوصلة يؤسس عليها قراراته الطبية؟ وهل يمكن للطبيب الذي أقسم بأن يخلص لمرضاه، ويحرص على مصالحهم أن يبيع ضميره في مقابل مصلحة شخصية منقضية؟

يجب ألا تخرج علاقة شركات الدواء بالعاملين في القطاع الصحي عن محور مصلحة المريض؛ فالقيمة التي تتوقّعها منشآت القطاع الصحي وموظفوها من شركات الدواء يجب أن تصبّ في مصلحة المريض، والربح الذي تسعى إليه شركات الأدوية يجب أن تحوزه بناءً على ما تقدّمه من منفعةٍ للمريض، ويجب أن نرفض بصرامةٍ ونُجرِّم خروج العلاقة بين الطرفين عن هذا المحور؛ لأن قبول تفشّي تقديم الحوافز الشخصية إلى الأطباء والصيادلة وصنّاع القرار في القطاع الصحي، بوصف ذلك وسيلةً تخدم شركات الدواء في المنافسة السوقية، يعني أننا نقتل الوسائل التنافسية الأكثر نفعاً للمرضى، والسوق الدوائي، وقطاع صناعة الدواء، والبحث العلمي في المملكة.

التنافس مطلوب، ولكن!

إن المنافسة بين شركات الدواء مطلوبة، ولولا التنافس لكان إيقاع التطور الدوائي العالمي أبطأ بكثير عما هو عليه الآن. صحيح أن الأهداف الربحية التي تسيطر على مفهوم المنافسة في تجارة الدواء وصناعته عالميًا قد ترينا بعض الممارسات غير المقبولة أخلاقياً، لكننا بشكل عام لا نستطيع أن ننكر أن التنافس في السوق الدوائي العالمي كان حافزًا دائمًا لتطوير صناعة الدواء. والأمر ينطبق أيضًا على السوق المحلية، فما دامت مصانع الدواء وشركاته المحلية تعتمد في منافستها مع الشركات العالمية على إرضاء أصحاب القرار بالحوافز الشخصية والكوبونات المجانية وتذاكر السفر وغير ذلك من الوسائل المبتذلة لكسب المنافسة، فلن تضطر يومًا إلى أن ترفع من مستوى جودة منتجاتها أو أن ترفع ميزانيات الأبحاث والتطوير الدوائي لإيجاد منتج يستطيع منافسة بقية المنتجات في السوق العالمية من حيث الجودة والابتكار. فليس من المنطقي أن نجد دعمًا محليًا من قطاع الرعاية الصحية للشركات الدوائية المحلية -ولو بقصد دعم الاقتصاد المحلي- دون أن نرى في المقابل تطورًا مرضيًا في قطاع صناعة الدواء محليًا!

إنني أدعو إلى أن نقسو على الصناعة الدوائية المحلية قليلاً؛ لنحفزها إلى أن تحسن من مستوى منتجاتها، وتبتكر جرعات وتركيبات وأشكالاً صيدلانية لا تتوافر في سوق الدواء العالمي حتى تستطيع أن تقدم ميزة تنافس بها الشركات العالمية، أملاً بأن نصل يومًا إلى صناعة دوائية تكتشف وتطور أدوية جديدة غير مسبوقة.  والأهم من كل هذا أن الشركات المحلية لن تستطيع دخول سوق الدواء الأمريكي والأوربي اللذان يمثلان ٨٠٪ من سوق الدواء العالمي ما لم تحسّن المستوى الأخلاقي لتسويقها لمنتجاتها وتُلزم موظفيها قواعد وضوابط أخلاقية وقانونية صارمة، فدخول أسواق الدواء الغربية يعني الوصول إلى الجزء الأكبر من سوق الدواء العالمي، ومن ثم، ارتفاع ضخم في أرباح الشركات الدوائية، لكنه مصحوب بمخاطرة التعرض لغرامات مالية ضخمة إن ثبت تورط إحدى الشركات (متمثلة في أي فرد من موظفيها) في تجاوز أخلاقي أو قانوني يتعارض مع أنظمة و تشريعات الدول الغربية.

و يجب أن يُؤخذ في الحسبان كذلك أن شركات الدواء ومصانعه التي تُوجد في السوق المحلي مسؤولة عن تحريك قطاع البحث الدوائي ودعمه في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث المحلية؛ فعلى الرغم من أن البديهي أن يكون لشركات الدواء دور رائد في مجال دعم البحوث الدوائية محلياً إلا أن واقع الحال يُثبت أن شركات الدواء المحلية والعالمية في سوق الدواء المحلي لا تكاد تؤدّي دورها تجاه الدعم العلمي والبحثي محلياً، بل تتملّص من واجبها في رصد بيانات المشكلات المتعلقة بالدواء؛ أي: ما يُعرف بـ(التيقّظ الدوائي pharmacovigilance)، الذي يهتمّ برصد ومتابعة كلّ المشكلات التي قد تطرأ على المنتج بعد وجوده في السوق؛ كالمشكلات التصنيعية، ومشكلات التخزين، أو الآثار والمشكلات الجانبية التي تظهر مع استخدام الدواء.

التدريب والتيقظ الدوائي

ما يؤسف له أن كثيراً من شركات الدواء العالمية والمحلية لا تقدم التدريب الكافي لموظفيها للقيام بدورهم في عملية التيقظ الدوائي بشكل متقن، وهكذا ربما يكون من واجب هيئة الغذاء والدواء إلزام الشركات بتدريب موظفيها عبر منهج مفصل تسن الهيئة محاوره. إذ لا تقتصر أهمية التيقظ الدوائي في رصد الأدوية التي تعاني خللاً تصنيعيًا ومنع استخدامها؛ فهذا هو العائد قصير المدى من برامج التيقظ الدوائي، أما العائد طويل المدى والأهم فهو ما نحوزه عن طريق رصد هذه البيانات، فمثلاً يمكن عن طريق رصد الآثار الجانبية التي تحدث بشكل متوقع أو تطرأ بشكل غير متوقع لدى المرضى في المستشفيات المحلية أن ندرس مدى شيوع الآثار الجانبية للدواء في المجتمع المحلي، وفهم أسباب الشيوع كالاختلافات الجينية أو نمط الحياة مشتملاً العادات الغذائية أو الأمراض الشائعة محليًا، وبالطبع يمكن إعادة فهم الأعراض الجانبية، وإنتاج نشرات دوائية محلية تقدم معلومات أكثر دقة عن شيوع الآثار الجانبية والمخاطر المحتملة من استخدام الدواء أو الطريقة المثلى لتخزينه في الظروف المناخية المحلية المختلفة عن ظروف التخزين في بلد المنشأ. لذلك فعلى هيئة الغذاء والدواء أن تلزم شركات الأدوية بإجراء بحوث خاصة تحدد ظروف التخزين المثالية للمنتج الدوائي في البيئة والمناخ المحلي قبل تسجيله. و إنني أتوق إلى اليوم الذي يصبح فيه طلب إجراء البحوث الدوائية في الظروف المحلية نهجاً شائعاً للحصول على المنفعة من شركات الدواء، بدلاً من شيوع الأسلوب المُبتذل في طلب منافع شخصية لا تعود بالمصلحة على المرضى أو أنظمة الرعاية الصحية أو المجتمع.

آفة الرشوة

يؤسفني أن أقول إن الرشوة تبدو أهم مشكلات قطاع تسويق الدواء لدينا، وتنتشر ظاهرة الرشوة على مستويين، وفي قطاعين مختلفين: المستوى الأول لدى بعض المسؤولين في القطاع الحكومي، والمستوى الثاني لدى الأطباء والصيادلة في القطاع الخاص. على أن الرشوة لتسويق الأدوية قد تمتد لغير هؤلاء.  وأشهر ثلاثة مسوغات تُستخدم في المستشفيات أو الصيدليات لتسويغ الرشوة، هي: أولًا أننا لا نطلب حافزاً للقيام بعمل غير قانوني أو غير أخلاقي، بل نقوم بواجبنا الطبيعي في شراء الأدوية أو بيعها، وهذا العمل نؤدّيه بحوافز أو من دونها. ثانيًا أن لدينا شركات متنافسة وعلينا أن نفاضل بينها، وبذلك من الطبيعي أن نعدّ الحوافز التي تقدمها الشركات إحدى وسائل المفاضلة. ثالثًا أن شركات الدواء تحقق أرباحًا خرافية عبر سياسات رأسمالية تهتم بالأرباح من دون الالتفات إلى المجتمع والفقراء من المرضى محليًا وحول العالم.

و لنقض المسوغ الأول لا بدّ من توضيح مفهوم الرشوة حسب نظام مكافحة الرشوة السعودي الصادر سنة ١٤١٢هـ، إذ ينص هذا النظام على أن كل موظف طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعدًا أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته، أو يزعم أنه من أعمال وظيفته، ولو كان هذا العمل مشروعًا، أو للامتناع عن عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه ليس من أعمال وظيفته، ولو كان هذا الامتناع مشروعًا، أو يخل بواجبات وظيفته، يعدّ الموظف مرتشيًا ويعاقب بالسجن مدة تصل إلى عشر سنوات، وبغرامة تصل إلى مليون ريال، وقد جاء فيه أيضًا نصيًا: “ولا يؤثر في قيام الجريمة اتجاه قصد الموظف إلى عدم القيام بالعمل الذي وعد به”. أما تعريف منظمة الشفافية العالمية للرشوة فهو: عرض أو وعد أو تقديم أو قبول أو طلب فائدة كحافز مقابل عمل غير قانوني أو غير أخلاقي،  يمكن أن يكون على شكل قروض أو هدايا أو مكافآت أو مزايا أخرى.

ونجد -من خلال استقراء التعريفين- أن النظام السعودي لا يشترط أن يكون العمل المقدم مقابل المنفعة عملاً مخالفًا للقانون أو للأخلاق، بل حتى تلقي الحوافز نظير العمل الذي يقوم به الموظف كجزء من مهامه ودون الإخلال بوظيفته يعدّ رشوة صريحة. وهكذا لا يكون من المنطقي أن نرى تلقي الحوافز من شركات الدواء نظير رجحان كفتهم في المناقصات الدوائية أو في عملية صرف الدواء أمرًا مشروعًا حسب النظام السعودي أو حسب الشريعة الإسلامية.

و يستند المسوغ الثاني في قبول الرشوة في عمليات تسويق الدوائي إلى وجود شركات متعددة في السوق، وهذا ما يجعل المفاضلة بينها أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان، لكن أبسط طالب في كلية الصيدلة سيفهم أن الوسيلة المثلى للمفاضلة بين المنتجات المنافسة هي مقارنتها من ناحيتي الفعالية والسعر، ففي مثل هذه الحالة يمكن إرغام شركات الأدوية على تخفيض أسعار منتجاتهم خوفًا من خسارة العملاء، والبديهي أن التنافس بين المنتجات المتشابهة يعتمد على سعر المنتج، وليس على الحوافز التي تقدمها الشركة إلى المستشفى أو الموظفين فيه.

و يبدو المسوغ الثالث منطقيًا ومقبولاً جداً، فكما تنتفع شركات الدواء من المجتمع فإن عليها أن تقدم إلى هذا المجتمع منفعة مقابلة. وليس من المقبول أبدًا أن تتملص هذه الشركات من دورها الضروري في خدمة المجتمع ودعمه، إلا أنه من غير المنطقي أن تكون خدمة المجتمع التي تقدمها الشركات موجهة إلى عملائها الذين هم مصدر أرباحها! فالعلاقة بين الشركة وعملائها يجب أن تظل منحصرة في محورين: جودة المنتج وسعره، فهي تقدم لهم أدوية ومنتجات طبية بجودة محددة تتلقى نظيرها السعر المستحق حسب تكلفة صناعته ونقله ووفرة الدواء أو ندرته، أما مسؤولية الشركات تجاه المجتمع فتترجم عبر تخصيص جزء معلن من أرباحها لدعم المستشفيات الخيرية أو مراكز غسيل الكلى التي تخدم فئات فقيرة غير مشمولة بالعلاج المجاني الحكومي أو تغطية شركات التأمين، أو غير ذلك من أشكال الدعم الدائم للمجتمع.

السياسة الوظيفية في شركات الأدوية

تعتمد سياسة شركات الدواء الوظيفية على تخصيص مكافأة سنوية أو نصف سنوية لموظّفيها مقابل تحقيقهم الهدف المطلوب من المبيعات، وتعدّ هذه السياسة حافزاً للموظفين؛ إذ لا يمكن أن يتساوى الموظف الجادّ والموظف العابث، وتكون المشكلة هنا عندما تُصبح المكافأة السنوية للموظّف أعلى من دخله السنوي أو تساويه؛ فحينئذٍ قد يُصبح هاجس الموظف بتحقيق هدف المبيعات مُتعارضاً مع معياره الأخلاقي وضميره الديني، وقد يسلك الموظف أيّ طريقة ممكنة -أخلاقيةً كانت أم غير أخلاقية- بغرض الحصول على المكافأة؛ لذلك يشيع الاعتقاد بين كثير من الناس أن العمل في شركات الدواء هو بالضرورة غير أخلاقي (أتفهّم شخصياً هذا الرأي، لكنني لا أوافقه) فمن دون المكاتب العلمية لشركات الأدوية العالمية، ومن دون وجود صناعة دوائية محلية، سيكون على المجتمع مواجهة نقص متكرّر في الإمداد الدوائي، ولن يكون من السهل تقدير الاحتياج المحلي للدواء، كما أننا في حاجة إلى الجهد العلمي الذي يبذله موظّفو المكاتب العلمية لشركات الأدوية في إيصال المعلومة الصحيحة عن الدواء، واستخداماته، وآثاره الجانبية، والطريقة المُثلى لاستخدامه، ومستجدات البحوث العلمية المتعلقة به؛ لرفع مستوى الرعاية الصحية محلياً.

وفي الختام، يهمّني أن أوضّح أن الرعاية الصحية لا يمكن أن تتحسّن ما لم تتكامل جميع مرافقها وتنضبط وتسعى إلى تقديم مصلحة المرضى على كلّ ما سواها، ولن يحدث ذلك ما لم تتغيّر طبيعة العلاقة بين شركات الأدوية وعملائها من الشركات الصيدلية أو المؤسسات الصحية الحكومية أو الخاصة أو الأفراد من الأطباء والصيادلة، ولا يبدو من السهل ضبط هذه العلاقة، لكن ذلك ليس مستحيلاً إذا شدّدت الجهات المسؤولة على ضرورة الانضباط في عمليات تسويق الدواء لدى الطرفين، واهتمّت بتوضيح معايير التنافس الأخلاقي والمقبول بين شركات الدواء، وأهمها: تحسين جودة المنتج، أو تخفيض سعره.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s