تأملات فكرية

عبء الفضيلة: هل الفضيلة حكرٌ للنساء؟

“إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” الأحزاب – الآية ٣٥

يصرّحُ الخطابُ القرآني بأن الرجل و المرأة كلاهما مسئولٌ عن أفعالهِ مسئوليةً مستقلةً، و أن التكليفَ لا يقعُ على الرجلِ وحدهُ أو على المرأةِ وحدها، فكلاهما معنيٌّ بالرسالةِ و كلاهما محاسبٌ على التزامهِ بها. غير أن المجتمعات المسلمة تصرّ على أن تتجاوز ذلك وتمايز بين الجنسين في بعض نواحي المسئولية الأخلاقية، فيكون أحدهما مسئولًا عن الآخر بطريقتين: فالمرأةُ مسئولةٌ عن خطأ الرجلِ، لأن التصورَ الاجتماعي يجعلُها سببًا لغوايتهِ، و هو -أي الرجل- من ناحيةٍ أخرى مسئولٌ عن ضبطها و مراقبتها لأنهُ حسب التبرير الاجتماعي أقدر و أصلح للحكم على الأمور. و هذا ليس مقبولًا في سياق الخطاب القرآني، فالمرأةُ و الرجلُ كلٌ منهما فتنةٌ للآخرِ دون شك، ولذلك فعقوبة أحدهما في الزنا مساويةً لعقوبة الآخر. و كذلك فليس معقولًا أن يجعل الله الرجل رقيبًا على المرأة وسلوكها، فالقول بذلك يعني من جهة أن المرأة لا يمكن أن تنضبط بذاتها بل هي محتاجةٌ لضابطٍ خارجي، و هذا يتنافى مع اعتبارها مكلّفة، إذ كيف يمكن أن تكلّفها الشريعة بمسئولية أخلاقية هي غير قادرة على التزامها إلا بوجود رجلٍ يلزمها بها؟ و هو من جهة يحمّل الرجل ما لا يُعقل أن يتحمّله، فكيف يحاسب الله رجلًا لأن ابنته أذنبت؟ و هل يُعقل أن يلام الرجل على خطايا النساء من حوله باعتباره مسئولًا عن سلوكياتهن؟ أما الخطاب القرآني، فكما أسلفتُ يرفضُ هذا، و كذلك العقل و المنطق، و أما خطاب الوعظ الاجتماعي فيقبلهُ و يروّجهُ و يعيد انتاجه بنبرة دينية، كل ذلك بهدف اخضاع النساء للمحاكمات الأخلاقية الصارمة بسلطة الرجل الذي -بطبيعة الحال- لا يخضع لمثل هذه المحاكمة. فالرجل حارس الفضيلة، و المرأة هي مركز الفضيلة الذي يجب حراسته. لذلك، فالرجل يشعر دائمًا بأن شرفهُ و فضيلتهُ معلّقة بقريباته، فلو أحسن السلوك والتزم الفضيلة واخطأت احداهنّ، فإنهُ يشعرُ بأنه فقد شرفه وفضيلته. و لو تمادى في الرذيلة واستمرأ المبتذلات وهنّ ملتزمات بالفضيلة، فلن يشعر بخزي الرذيلة. ألا يبدو هذا الخطاب و كأنه وسيلة ذكورية جيدة للتخفف من المسئولية الأخلاقية بتكليف النساء وحدهن عبء الفضيلة؟

 

يُصدر المجتمع هذا الخطاب في صور عديدة، و لأنه من المعيب ضمن الثقافة الإسلامية أن يتمّسك قومٌ بأعرافٍ جاهلية، فإن المجتمع يحاول دائمًا أن يصيغ خطابه الأخلاقي المعوج و الذكوري بصيغ دينية، و هي ليست في حقيقتها سوى إلباس الباطل بالحقّ، أذكر مثلًا رسالة وصلتني قبل أيام تقول: “ملابس المرأة تحكي تربية أبيها و غيرة أخيها و رجولة زوجها و حرص و متابعة والدتها و قبل هذا كله استشعارها بمراقبة الله لها، لذلك قالوا لمريم (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء و ما كانت أمك بغيًا)، ذكروها بأخيها و أبيها وأمها. ففي صلاح هؤلاء صلاحها”. تحاول هذه الرسالة أن تكرّس الفكرة الاجتماعية التي تجعل تقييم الرجل الأخلاقي متعلقًا بالنساء من حوله، فليس سلوك الرجل هو معيار تقييمه الأخلاقي، بل سلوك قريباته. و هو، مسؤول ليس عن أفعاله الأخلاقية، بل عن أفعالهنّ. و بالنسبة للمرأة، فهي حسب الخطاب محتاجة لرجل يعلّمها الحشمة، أخ أو أب أو زوج، و صحيح أنه قد تمّت الاشارة إلى المسئولية الأخلاقية الفردية لديها، غير أنها كانت اشارة عرضية، تثبتها لكن لا تجعلها مركزًا للضبط و الإلزام الأخلاقي. و ليس غريبًا أن الرسالة أعلاه استندت إلى القرآن لتبرر فكرتها الجاهلية، واستخدمت الآية كدليل لكنه بغير دلالة تدعم الفكرة! إذ تستشهد الرسالة بقول الله تعالى في سورة مريم الآية ٢٨-٢٩:

 (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)

فهذه الآية تحكي الموقف الذي دار بين مريم الطاهرة الصدّيقة وقومها الذين اتهموها باطلًا، و قد قيلت على لسان قوم مريم، و بالطبع فليس كل ما يرد في القرآن موافقًا لروحه، فالله تعالى قال على لسان فرعون (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)، و نقل الله تعالى لهذا القول لا يعني أنه يؤكده. أما عن قولهم يا أخت هارون، ففي تفسير ابن كثير: “أي يا شبيهة هارون في العبادة”، فهارون ليس أخوها بل هو رجل اشتهر بصلاحه في قومها. و هكذا نرى كيف فشلت الرسالة أعلاه في تبرير الفكرة الاجتماعية التي تجعل الرجل مقيّمًا لسلوك المرأة ومسئولًا عنها بهذه الآية، فخطاب الآية يمثل اتهام لامرأة صالحة وهو أمر مستنكر لا يصح الاستشهاد به، و من ناحية أخرى فمخاطبة المرأة بأخيها في الآية ليست حقيقية بل مجازية، أما الاشارة للأم و الأب فتعبر عن مسئوليتهما في التربية، جاء في تفسير ابن كثير: “كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ، ولا يعرفون بالفساد ، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به ، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به”.

و لأن الخطاب الاجتماعي شرس في محاولته أسلمة جاهليته الأخلاقية، فلم يعجز عن ايجاد صياغات أخرى متزينة بالنص القرآني لدعم فكرته. ففي برنامج الصورة المائلة و الذي عُرض على قناة المجد الفضائية، ظهر عبدالله الداوود مؤكدًا على أن “الرجل هو الأساس في قضية الحشمة و الحجاب…”

حشمة المرأة هي مسؤولية الرجل أولاً | أ. عبدالله الداوود

يستشهد الداوود هنا بآية الحجاب في سورة الأحزاب حيث يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ

و هنا، يسيئ الداوود فهم الخطاب القرآني الذي يتوجه نحو النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بصفته مبلغًا للرسالة، إذ يقول الله تعالى بلفظ صريح: “يا أيها النبي قل…”، و لفظ “قل” الوارد في الآية لا يحمل دلالة تمييز جندرية لأنه موجه للنبي دونًا عن رجال ونساء العالمين، فالداوود هنا أساء فهم الآية لما تصوّر الخطاب القرآني موجهًا للرجل بصفته مسؤولًا عن حشمة المرأة. و بطبيعة الحال فليس هناك أي استناد شرعي يمكن أن يستند عليه قولٌ كهذا، فجميع الأدلة التي يحاول الخطاب الاجتماعي أن يوردها ليدعم من خلالها جاهليته و يصورها كفكرة دينية واردة في الخطاب القرآني هي أدلة هشّة و غير صائبة كالدليلين السابقين.

ذلك أن الخطاب القرآني الأخلاقي شامل لا يتوجه نحو فئة دون أخرى، و لذا فمن غير الممكن أن نجد في القرآن دليلًا يثبت تفوّق الرجل على المرأة أخلاقيًا بمنحه حق مراقبتها، يقول دراز في كتاب دستور الأخلاق في القرآن – ص ٥٣: (و يتجلى طابع الشمول في القانون الأخلاقي في القرآن بوضوح لا ريبة معه، لا لأن مجموع أوامره يتوجه في جملته إلى الإنسانية جمعاء فحسب، و هو ما يقرره قوله تعالى: “قل يا آيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا”، … وهو ما قد يُحمل على معنى توزيعي. بل إن القاعدة الواحدة، و لتكن قاعدة العدالة أو الفضيلة بعامة، يجب على كل فرد أن يطبقها على نسق واحد، سواء أكان تطبيقه لها على نفسه، أم على الآخرين: “أتأمرون الناس بالبرّ و تنسون أنفسكم”.)  

 

 

 

 

 

 

Advertisements
صيدلة

تسويق الدواء: بين الابتذال والنزاهة

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية

تُمنح الثقة للصيادلة والأطباء بلا حدود؛ فالمرء يأتمنهم على روحه وماله وأهله والمرضى يصدّقون ادعاءاتهم ويقتنعون بمزاعمهم من دون أن يطلبون منهم حجة أو دليلًا. تحققت هذه الثقة بناءً على اقتناع أكثر الناس بالطب الحديث المبني على التجربة والبرهان بوصفه أفضل مرجعية ممكنة للتداوي في هذا الزمن. غير أن المرض عوز وحاجة، والمريض تحت وطأة أوجاعه ومشقة عذاباته قد يتعلق بأي وهم يمنحه إياه أي مدّعٍ أو مصطنع للمقدرة على الشفاء، فتجد المرضى يتزاحمون على أبواب الأفاكين والدجالين يشترون منهم أملاً لا عاقب له، ورجاءً لا مآب فيه!

ولا فرق بين الدجال المدعي والأطباء والصيادلة إلا في الصدق والأمانة، فالفئة الأولى تدّعي ما لا تملك البرهان عليه، والفئة الثانية توصي بما تؤيده الدراسات العلمية وتثبته التجارب. ومن أجل ذلك يصبح كلّ طبيب وكلّ صيدلي دجالاً في اللحظة التي يقرر فيها أن يخون ثقة المريض به ويضلله.

لذلك فمن المهمّ أن نفهم دوافع هذه الفئة من الأطباء والصيادلة الذين يتاجرون بجهل مرضاهم وثقتهم فيدفعونهم إلى شراء أدوية منخفضة الجودة أو مرتفعة السعر، أو يحثّونهم على استخدام الدواء من دون الحاجة إلى استخدامه؛ لأن أول خطوة لمعالجة الظواهر السيئة هي فهم أسبابها وتجفيف منابعها. ويبدو أن الدافع الأكبر لهؤلاء الذين يخذلون مرضاهم هو عمليات التسويق غير الأخلاقية التي تحفز الأطباء والصيادلة إلى أن يكونوا ترساً في ماكينة صناعة الأرباح في سوق الدواء المحلي.

Continue reading “تسويق الدواء: بين الابتذال والنزاهة”

تأملات فكرية

خرافة التقدّم

مقال نُشر في صحيفة ايوان بتاريخ ٢ اكتوبر ٢٠١٦ م الموافق ٣ محرم ١٤٣٨ هـ:

نحن الذين نعيش عصر الإزدهار التكنولوجي، يحيطنا النماء الحضاري ونحضى بفورة الإنجازات العلمية، تسحرنا قدرة العلم على تسخير الطبيعة لتكون خادمًا لراحتنا، فلا حرّ الصيف أزمة مادامت أجهزة التكييف تنسينا اتقاده، ولا بعد المسافات شاغلنا وقد تيسّرت المواصلات، ولا تأوهات مرضانا تشجينا وقد أخمدها المسكّن وخلق العلاج أملًا بقرب انقضاءها. نؤمن تمامًا أن البشر في قديم الزمن وجدوا أنفسهم بُلهًا أغبياء لا حيلة لهم ولا وسيلة في التعامل مع الطبيعة، وأنهم كانوا كلما “تقدّم” بهم الزمن ازدهرت حضاراتهم، فخرجوا من تخلّف الإنسان البدائي لثقة الإنسان المتحضّر، يسيطر علينا الاعتقاد بأن العالم يعيش اليوم “قمّة الحضارة الإنسانية”، لأننا -نحن والطوفان من بعدنا- نملك ما يثبت هذا الاعتقاد، من أدوات التقنية وخدمات العلم. و أن الإنسان يسير بخطى ثابتة نحو الأفضل، “متقدمًا” أبدًا نحو الكمال.

ولكن؛ في الحين الذي نتبجّح فيه بتقدّم الحضارة الإنسانية ومنجزاتها العلمية والتقنية والطبية، يعجز أربعمئة مليون شخص حول العالم عن الحصول على أي شكل من أشكال الرعاية الصحية الأساسية (١)، ويظل ملياريّ مريض حول العالم عاجزًا عن الحصول على العلاج الذي يحتاجه على الرغم من كل “التقدم” الطبي العالمي. (٢) هذه الأعداد ليست مجرد أرقام تخمينية بل هي احصائيات عالمية معلنة تصرّح بوجود أعداد مهولة لبشر مثلنا من لحم ودم يعيشون في عصر “التقدم” والتكنولوجيا والثراء المعرفي والرفاهية المادية، ثم يعجزون عن التمتع بأبسط مزايا هذا العصر “المتقدّم”.

Continue reading “خرافة التقدّم”

لغويات ونقد

خطوات لتحسين الترجمة

مقال منشور في مجلة الفيصل العلمية الصادرة عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية بتاريخ ٢٧ سبتمبر ٢٠١٦م الموافق ٢٦ ذو الحجة ١٤٣٧ هـ:

ليست الترجمة مجرد أداة لنقل المعنى من لغة إلى أخرى، بل هي وسيلة إثراء لغوي و معرفي قادرة على  أن تحرّك ركود اللغة المعرفية والفكر العلمي والثقافي إن تم تفعيلها بالشكل الصحيح. وتعد الترجمة العلمية أحد أصعب مجالات الترجمة في العصر الحديث، وذلك لسبين: أولاهما هو ارتباطها بمصطلحات علمية حديثة لا وجود لمرادف يعبر عنها في البناء اللغوي التقليدي، وثانيهما أن النص العلمي هو نصّ يعبر عن حقائق علمية محددة، مما يتطلب نقل محتوى النص ومعناه نقلًا أمينًا دون أي تعدي أو تعديل في محتواه،

لا بغرض تجميل النص بلاغيًا و لا لزيادة الشرح العلمي. وبذلك يواجه المترجم للمادة العلمية تحديًا قد لا يواجهه سواه، فهو مطالب بنقل المعنى من لغة إلى لغة أخرى، و هو أيضًا مطالب بعدم المساس بمحوى النص ومعناه، وهو فوق ذلك كلّه أمام مصطلحات حديثة لا وجود لها في المعاجم التقليدية! وهنا يطرأ السؤال: كيف يمكن لنا أن نعمل على تحسين مستوى الترجمة العلميةالعربية، وما الجهود التي ينبغي التركيز عليها لتحقيق هذا الهدف؟

تتحمّل المعاجم اللغوية المتخصصة مسؤولية استثنائية في تيسير الترجمة العلمية العربية، فاللغة العلمية لغة متجددة وولاّدة، تنتج العديد من المصطلحات العلمية الحديثة سنويًا في شتى المجالات العلمية: الطبية و التقنية والفلكية والفيزيائية وسواهم، وإذا لم تتصدى المعاجم العربية لمسؤوليتها بمواجهة سيل المصطلحات الحديثة بتكييفها مع القواعد البلاغية العربية أو تعريبها تعريبًا  ميسّر وقابل للاستخدام، ثم بإعلان هذا التعريب وتعميمه على الوسط المتخصص الذي يبدأ منه تداول المصطلح بين الناطقين بالعربية، فسوف يجيء يوم نجد فيه أنفسنابكل أسفوسط سيل جارف من المصطلحات الأجنبية المتداولة قسرًا في النصوص العربية، وحينذاك لن يكون من المفيد أن تعاد ترجمة المصطلحات أو يعاد تكييفها مع القواعد البلاغية العربية لأن الشيوع سلطان اللغات. والشائع من الألفاظ أولى من صحيحها

ومهمة المعاجم اللغوية لا تنتهي بعد نقل المصطلح من لغته الأم إلى اللغة العربية، بل تمتد إلى نحت اشتقاقاته و تحديد سياقاته ودلالاته، لتكون مرجعًا لكل من يتولى مهمة الترجمة العلمية. ثم يكون من المهم للغاية أن تكون المعاجم اللغوية قابلة للاستخدام وذلك بتحقيق أهم شرطين لتحقيق هذه الغاية: أولاهما أن يتم توحيدها على امتداد الوطن العربي، فالقارئ العربي في المغرب هو القارئ العربي في الخليج٬ ومن المعيب أن تتعدد وتتضارب الآراء لترجمة المصطلحات إلى لغة واحدة.. فيحدث ارتباك لتعدد المصطلحات المشيرة لذات المصطلح. وثانيهما أن يكون الوصول للمعاجم المتخصصة سهلًا ميسرًا متاحًا للجميع٬ إذ لم تعد الترجمة اليوم عملًا  نخبويًا للمختصين فقط٬ بل هي هواية لدى البعض وجهد مسؤول يؤديه آخرين خدمة للعرب وإثراءً للمحتوى العربي. وربما تكون أسهل طريقة لاتاحة المعاجم للاستخدام هي أن تتوفر على شبكة الانترنت.

Continue reading “خطوات لتحسين الترجمة”

صيد الخاطر

على باب الصبر – قراءة لقصيدة السيّاب “سفر أيوب”

جميل هو السّهدُ أرعى سماك

بعينيّ حتى تغيب النجوم

ويلمس شبّاك داري سناك.

جميل هو الليل: أصداء بوم

وأبواق سيارة من بعيد

وآهاتُ مرضى، وأم تُعيد

أساطير آبائها للوليد.

وغابات ليل السُّهاد، الغيوم

تحجّبُ وجه السماء

وتجلوه تحت القمر

وحده بدر شاكر السياب من يملك أن يصنع من الألم أغنية معجونة باللوعة وممزوجة بالجوى، ذلك أنه حين يحكي عن الألم.. لا يكتفي بأن يطوف على ظاهره من آلام الجسد، بل يدرك قرار آلام الروح، فيلمسها بأطراف أنامله لمس المشفق المتطفل، يجس كيانها و يميز بواعثها ويحاكي مبتدأها، حتى يألفها ألفة الخدن الرفيق، يؤنسه طول ملازمتها و يوحشه الغياب منها. فالوجع حين يضرب الروح، لا ينشر فيها ألمًا مجردًا كما تفعل أوجاع الجسد، بل ينشر فيها حزمًا من المشاعر لا تنحصر في كلمات اللغة.. وجع الروح يتمخض ألمًا وأملًا واضطرابًا وسكينةً وذلةً واستغناءً ورضا ويقينًا وزهدًا وتسليمًا واحتياجًا ورأفةً وقهرًا وحبًا وما يخطر أو لا يخطر على اللغة من سوى هذا وذاك. لذلك، حين هوى الألم من جسد السيّاب إلى روحه، تمّكن من بلوغ نبوة البيان ببلاغة المعنى الذي ابترى ثقله بأبسط الألفاظ العربية وبلا وزن ولا قافية.. فجاءت مجموعة “سفر أيوب” مخضرمة في فصاحتها، فلا تتوسل بناء الشعر وقافيته لتخلق وقارها، ولا تذعن لغرائب الألفاظ المتقعرة لتبرهن أنها قادرة على أن تكون معجزة لغوية.

Continue reading “على باب الصبر – قراءة لقصيدة السيّاب “سفر أيوب””

العلوم الطبيعية

سلطة العلم

منشور في صحيفة التقرير 28 أغسطس 2014

بعد أن خرجت معامل العلماء و مختبراتهم بالعديد من المنتجات و التطبيقات النافعة و الفاعلة، حاز العلم التجريبي على ثقة معظم الناس وآمنوا به باعتباره الوسيلة الأصدق للوصول إلى الحقيقة. فلا المعرفة الموروثة شعبيًا و لا المعتقدات الدينية و لا غيرهم من المعارف كانت قادرة على منافسة العلم في منزلته التي احتلها في العصر الحديث، بل إن هذه المعارف اضطرت للوقوف في موقف التقييم والاختبار تحت عين العلم التجريبي ليثبتها فتتأكد مكانتها أو ينفيها ويرفضها فتنهار قيمتها، و ليس لأحد أن يرفض رأي العلم أو ينتقده، لأن العلم في نظر معظم الناس يعني الحقيقة. وهكذا ظهرت سلطة العلم، فهل يستحق العلم هذه السلطة؟

خلال هذا المقال سأستعرض ثلاثة محاور رئيسية لأجيب على هذا التساؤل: أولًا ما هي مبررات سلطة العلم؟ ثانيًا هل هناك ما ينقض هذه السلطة؟ ثالثًا ما هي الفلسفات الحديثة التي تفسر العلم وما موقفها من سلطته.

تستند سلطة العلم على ركيزتين أساسيتين: الأولى أنه كما سبقت الاشارة، استطاع أن يثبت جدواه ومنفعته بالتطبيقات العملية التي ينتجها وفي جميع المجالات، فقدرة العلم على توقّع الكوارث البيئية وتقديم العلاجات الشافية وصناعة الأسلحة المدمرة تمنحه الثقة. أما الركيزة الثانية فأنه قد بني أساسًا على منهج يستحق الثقة. وهو منهج الاستقراء الموضوعي الذي يعتمد على التجربة والملاحظة، فيمكن لأي شخص أن يستخدم حواسه ليثبت صحة التجربة العلمية. فالعلم موضوعي، والبعد الذاتي والشخصي ليس له دور فيه. و ليس كافيًا في منهج العلم أن تثبت الملاحظة/التجربة مرة واحدة لنبني عليها معرفة علمية، إذ لا بد أن تخضع أولًا لشرطين صارمين: أن تتكرر لعدد كبير من المرات، وفي ظروف متنوعة. فمثلًا، لا يكفي أن نلاحظ لمرة واحدة أن التفاعل الذي يحدث بين حمض وقاعدة سيعطي ملحًا وماءً، بل يجب أن نكرر التجربة لمرات كثيرة و في ظروف مختلفة – كتغيير درجة الحرارة وتركيز المواد- ونحصل على نفس النتيجة في كل مرة، عندها يمكننا القول بأننا “نستنتج علميًا” أن (كل تفاعل كيميائي يحدث بين حمض وقاعدة سينتج عنه ملحًا و ماءً). فطالما استطاع العلم أن يثبت فاعليته، و طالما أنه قد بني على أساس منهج موضوعي صارم، فهو أهل لأن يحوز على تلك السلطة، هكذا يبرر المؤيدون لسلطة العلم آراءهم.

Continue reading “سلطة العلم”

تأملات فكرية

في نقد العولمة و المعايير العالمية

منشور في موقع المقال في عام 1979م قدمت الأمم المتحدة مبادرة لتحسين أوضاع النساء “حول العالم”؛ عرفت بـمعاهدة “سيداو” الدولية، ومنذ ذلك التاريخ وهي تحاول فرض الالتزام ببنود هذه المعاهدة على المجتمع الدولي. إلا أنها واجهت مشكلة كانت تتعلق بما يلي: كثير من الدول الموقعة على المعاهدة قدّمت تحفظاتها واعتراضاتها على عدد من بنود المعاهدة كونها تخالف أسس الثقافة المحلية فيها، فإذا وجّهت الأمم المتحدة لإحدى تلك الدول ملاحظاتها وتحذيراتها بخصوص بعض الممارسات القانونية التي تنافي أحد بنود المعاهدة، تعذرت الدولة بأن عاداتها الثقافية والدينية تتعارض مع هذا البند. فسنغافورة مثلًا أكّدت حقها في الامتناع عن الالتزام بالمادة (2) التي تطالب بفرض المساواة التامة بين المرأة والرجل قانونيًّا، والمادة (16) المتعلقة بقوانين الزواج والأسرة، وبررت ذلك بأنها قد تتعارض مع قوانينها الدينية أو الشخصية، أما بنجلاديش فقد قالت إنها غير ملزمة ببند المادة (2) في المعاهدة التي تطالب بمساواة المرأة بالرجل قانونيًّا، كون محتواها يتعارض مع قوانين الشريعة الإسلامية (قانون المواريث مثلًا). وتحفّظت سويسرا على أجزاء من المادتين (15) و (16) لأنها تخالف قوانينها المدنية المتعلقة بالزواج والأسرة. أما السعودية فقد أبدت تحفّظًا عاما تجاه (أي بند) يمكن أن تتعارض مضامينه مع أسس الشريعة الإسلامية. إثر ذلك قدّمت اللجنة القائمة على المعاهدة بيانًا في عام 1997 قالت فيه: “إن تعارض بعض بنود المعاهدة مع الممارسات التقليدية أو الدينية أو الثقافية لا يبرر انتهاك المعاهدة، …وإن التحفظ على المادة 16 (المتعلقة بقوانين الزواج والعلاقات الأسرية)… سواء أ كان لأسباب قومية أو تقليدية أو دينية، فإنه يعد منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها، وعليه فلا بد من سحبه”.

وهنا تظهر نبرة الأمر التي تحاول أن تفرض وبحزم على الجميع التخلي عن أي ملامح “محلية” تخالف “النمط العالمي” الذي تسعى الاتفاقية إلى فرضه. هذا التعارض بين “المعايير العالمية” وبين التفاصيل الثقافية في المجتمعات المحلية لا يتعلق فقط بمعاهدة سيداو، بل هو حالة عامة تظهر كلما حاول البشر إيجاد “معيار/ نمط عالمي” يُعمَّم على جميع المجتمعات المحلية حول العالم. هذه “المعايير العالمية” ظهرت نتيجةً -أو أداةً- لحركة “العولمة” التي تهدف لإيجاد نظام عالمي تتوحد فيه القواعد والقيم والممارسات الثقافية، أي أن العولمة تسعى إلى محو التعددية الثقافية والحضارية في سبيل إيجاد ذلك “النظام العالمي الموحّد”، وهي بذلك تعمل على محو الهويات المختلفة سعيًا لإبدالها بهوية “عالمية” مشتركة للإنسانية جمعاء. لكن في الحين ذاته، لم تكن معطيات العولمة قد تأسست أصلًا على أساس المشتركات الإنسانية كي يُتعامَل معها بصفتها”منتجات عالمية” صالحة للتطبيق في جميع أرجاء العالم. فهذه “المعايير” التي تقدّمها العولمة؛ وهذه “الهوية العالمية” بكل تفاصيلها الأخلاقية والثقافية لم تكن نتيجة تغليب المصالح والقيم الإنسانية المشتركة، ولا كانت خلاصة تمازج ثقافات العالم المختلفة، بل كانت عملية تعميم لثقافة غربية ناشئة في مجتمعات محكومة بسياقاتها الثقافية والسياسية والتاريخية الخاصة. ولذلك كان ريجيس دُبريه – وهو فيلسوف فرنسي معاصر- يصف العولمة القائمة حاليًا بأنها (عولمة زائفة)، إذ يشير إلى أن الحيّز المطروح فيها تحتله تمامًا الصبغة الأمريكية، فنمط الحياة والقيم الثقافية والأخلاقية التي تروّج العولمة لها كلها ليست سوى منتجات أمريكية، يُروَّج لها عالميا دون تمريرها بأي عملية تقييم أخلاقية وثقافية.

Continue reading “في نقد العولمة و المعايير العالمية”