الزينة التي يباح إبداءها مع الحجاب

هذه التدوينة هي مجرد تفريغ نصي للأحكام الشرعية التي قدّمها العلامة محمد ولد الحسن الددو في برنامج مفاهيم فيما يختص بشرح الأحكام التي تستنبط من الآية  (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)  و لمن أراد أن يتحقق من أي معلومة كتبت أدناه فليتفضل بزيارة هذا الرابط

هناك ثلاثة أحكام في هذه الآية:

1- يغضضن من أبصارهن: و لم يقل يغضضن أبصارهن بل قال يغضضن من أبصارهن و “من” للتبعيض و هذا يدل على إباحة النظر حين الحاجة و الاضطرار

2- يحفظن فروجهن: و هذا يقتضي منع الريبة و منع الخلوة و منع كل ما من شأنه أن يفضي إلى المحرم

3- ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها:

  و الأمران الأولان جاءا بصيغة الأمر أما هذا فبصيغة النهي، فيجب عليهن ستر ما أوجب الله ستره و لا يبدين زينتهن، و قال: لا يبدين “نهي” و لم يقل: ليسترن “أمر”، فلو قال ليسترن فهذا معناه أن الستر يحتاج إلى أداة أو وسيلة مخصوصة لكن لما قال ولا يبدين فهذا معناه أن كل ما فيه ستر فهو يمتثل به النهي.  و لذلك الأصوليين يقولون: النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده و الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فلو قال لك أحد: “لا تجلس” فهذا نهي عن الجلوس فقط و ليس نهي عن الاتكاء ولا الارتفاق، أما لو قال: “اجلس” فهذا نهي عن الوقوف و الاتكاء و الارتفاق وكل حالة تخالف الجلوس. فالنهي يفيد توسعة و لذلك لم يقل وليسترن زينتهن بل قال و لا يبدين زينتهن، و الإبداء معناه شيء مقصود، فلو بدت من غير قصد فلا إثم عليها.

Continue reading →

لتحقيق العدالة، هل نقاطع إسرائيل؟

مصدر الصورة: مجهول

في عام 2008 اعتدت اسرائيل على الفلسطينيين في غزة المحاصرة، شنت عليهم هجومًا إرهابيًا عسكريًا و قتلت خلال تلك الحملة الإرهابية حوالي 1400 فلسطيني ليس لهم أي ذنب، إلا أنهم دافعوا عن الأرض و العرض في وجه المحتل.

طبعًا كان رد الحكومات العربية و الإسلامية رد سلبي جدًا، مجرد رفض و استنكار بالكلام لا بالفعل! أما الشعوب العربية و الإسلامية، فقد انتقلت لها العدوى من حكوماتها (عدوى الكلام دون الأفعال) ، فتناقلوا القصائد التي تلعن إسرائيل، و كتبوا المقالات التي ترثي لحال شعب فلسطين… ثم ناموا في العسل. و إن كان كل هذا هو نوع من أنواع التضامن مع الشعب الفلسطيني، إلا أنه بصراحة تضامن ناقص و سلبي و ليس له أي فائدة لولا أنه يخرجنا من دائرة الشياطين الخرس (باعتبار أن الساكت عن الحق شيطان أخرس).

السؤال: فماذا باستطاعتي لأعبر عن موقفي (بالفعل لا بالكلام) في رفض الإرهاب الإسرائيلي؟

الجواب: قاطع اسرائيل

1- ما هي المقاطعة؟

هي التوقف عن التعامل مع دولة الإحتلال (اسرائيل) بجميع الطرق، السياسية و الثقافية و الرياضية و الأكاديمية و الفنية و الإقتصادية. للمزيد عن الموضوع يمكنكم الإطلاع على الروابط التالية هنا بالإنجليزية و هنا بالعربية ، و سنركز هنا على المقاطعة الاقتصادية لأنها النموذج الوحيد الذي يمكننا اتباعه نحن الشعوب.

2- هل مقاطعة اسرائيل مفيدة؟ هل نتائجها فعالة؟

نعم، و نعم مرة أخرى. و من يشكك في فائدة المقاطعة كوسيلة سلمية للتغيير إما جاهل أو خائن. و الدليل على فاعلية حملات المقاطعة هو أن هناك حملات مضادة تنظمهما جماعات صهيونية للرد على المقاطعين، فتحاول التواصل مع الجمهور الصهيوني حول العالم (المؤيدين لإسرائيل أو الكارهين للمسلمين)  ليقوموا بزيادة مشترياتهم من الشركات الإسرائيلية أو التي تدعم إسرائيل، حتى يضعفوا النتائج الإقتصادية للمقاطعات التي يقوم بها أنصار القضية الفلسطينية.

هذا الموقع مثلًا ينظم حملات مضادة لمواجهة أي نوع من أنواع المقاطعة.

و إضافة إلى هذا، فقد تراجعت معدلات التبرعات التي تقدمها بعض الشركات إلى الجيش الإسرائيلي بعد عدة حملات مقاطعة نظمها نشطاء أوروبيين لدعم القضية الفلسطينية!

3- نقاطع من لدعم القضية الفلسطينية؟

نقاطع كل الشركات الإسرائيلية وجميع البضائع المصنوعة في اسرائيل (في السعودية لا تدخل البضائع الإسرائيلية إلى الأسواق، لكن التنويه للأخوة المبتعثين أو العرب خارج السعودية)، نقاطع كل الشركات الأجنبية التي تدعم الجيش الاسرائيلي ، نقاطع كل الشركات الوطنية التي تتعاقد مع شركات اسرائيلية أو داعمة لإسرائيل.

4- ماذا أيضًا؟

التشهير! التشهير بكل رجل أعمال عربي أو سعودي يعقد اتفاقيات مع شركات اسرائيلية، و التشهير بكل شركة عربية أو سعودية تتشارك مع شركات صهيونية أو داعمة لجيش الإحتلال في إسرائيل. مثل شركة الصافي السعودية للألبان و التي عقدت شراكة مع شركة دانون الاسرائيلية!

5-قائمة الشركات و المنتجات الاسرائيلية و الداعمة لاسرائيل:

Continue reading →

القمع الجديد في الإعلام الجديد

منذ أن كنّا أطفالًا صغارًا و نحن نقرأ الأدب يرثي الحرية المسلوبة للفكر و التعبير، حتى كبرنا و لازال الشعب العربي يناضل من خليجه إلى المحيط لينال حقوقه وعلى رأسها حرية التعبير و الاعتقاد، و كم قرأنا في أدبيات المناضلين العرب للحرية سخطهم من الطاغية العربيّ الذي يحرّم حق الكلام و يجرّم مخالفيه.

وطبعًا، لأن حرية التعبير حقّ مسلوب منذ اليوم الذي استبد فيه الحاكم و حرّم مخالفته حتى على مستوى القناعات الدينية (و قصة أحمد بن حنبل في فتنة القول بخلق القرآن معروفة!)، و لأن نيل الحقوق بعد طول حرمان يصنع داخل الإنسان سعادة مجنونة، فقد قدّس أغلب المثقفين العرب شبكات التواصل الاجتماعية التي تركت لهم متنفسًا يمارسون فيه نوعًا من حرية التعبير، و من يتابع ساحة النشر الإلكتروني _بدءًا بالمدونات وصولًا إلى تويتر_ يدرك أن أهم سبب يجعلها وسائل نشر ثورية أنها وسائل تعبير حرّة لا تخضع لرقيب، أما السبب الثاني في الأهمية؛ فهو أنها وسائل عامّة لكل من تقع أصابعه على لوحة المفاتيح، فإن كنت بروفيسور في أصعب التخصصات العلمية، لن تنال امتيازات تفوق بكثير تلك التي سينالها خريج الإبتدائية في عالم النشر الإلكتروني. و هذه الأسباب هي التي جعلت رواد الإعلام الجديد ينتفضون في حرب جدّية ضد جمال خاشقجي (حين كان مديرًا لتحرير صحيفة الوطن) لأنه زعم بأن صحيفته إذ لا تخشى الإعلام الجديد فلأنها الإعلام الجديد!

إلى هنا تبدو الصورة جميلة و مشرقة، لكنها سرعان ما تنقلب حين ندرك أن أبطال الدفاع عن حرية التعبير في وسائل النشر الإلكتروني/ الإعلام الجديد هم أنفسهم أبطال معارك الهجوم على مخالفيهم ممن يمارسون حريتهم في التعبير عن آرائهم في الإعلام الجديد! إذ شنّت مجموعة من الأشخاص حربًا كتابية ضد راشد الجلعود الذي مارس حريته في التعبير عن أفكاره:

Continue reading →

كيف عبر السعوديون 2011 ؟

كلنا نعرف حقيقة أن المجتمع السعودي يعاني من “فوبيا التغيير”، إذ نجده يتمسك بأدق التفاصيل التقليدية لنمط الحياة الاجتماعية فيه و يحارب أي تطور قد يهزّ ثبات تقليديته، بدءًا من محاربته للتعليم النظامي ثم تعليم البنات مرورًا بمشاكل القبول بالراديو ثم التلفزيون وصولُا إلى الخوف غير المبرر من الانترنت أو تقنية البلوتوث مثلاً.  هنا؛ قد تطرق أذهاننا أسئلة مستفسرة عن ردة الفعل داخل هذا المجتمع المعقدّ و الرافض للتغيير تجاه الثورات التي غيّرت المنطقة تغييرًا جذريًا، هل تطوّرت تركيبته الثقافية؟ و هل شكلت أحداث 2011 المتزاحمة انعطافًا في ثقافة التغيير فيه؟

في الحقيقة، كانت بدايات (2011م – 1431 هـ) مفاجئة للجميع داخل الوطن العربي و خارجه، حيث تصاعدت وتيرة الثورة الشعبية في تونس قبل بدايات هذا العام حتى وصلت ذروتها في 14 يناير، و تناقل الناس خبر “هروب” بن علي من تونس على متن طائرة طافت به حول العالم لتستقر به أخيرًا في السعودية، مثل بقية رؤساء العالم المخلوعين، و حدث هذا بترحيب حكومي ضاربًا عرض الحائط رفض الشعب لهذا الاستقبال .

بدأت ثورة تونس في ديسمبر من عام 2010 و استمرت لأكثر من شهر، حاول خلالها بن علي أن يحافظ على استقرار حكمه بالوعود و العطايا، و كان العالم يراقب حينها تلك المظاهرات ضدّ البطالة و غلاء الأسعار _كما وصفت_  بروتينية، معتقدًا أنها ستنتهي بهدوء مشابه لهدوء وسائل الإعلام خلال تغطيتها لهذه المظاهرات.

نجحت تلك المظاهرات/ الثورة في تونس، و بنجاحها في استبعاد أحد المستبدين العرب، اشتعل الأمل في الشعوب العربية و آمنت بعد كفرها بـ

إذا الشعب يومًا أراد الحياة      فلابدّ أن يستجيب القدر

 بدت الشعوب حينها و كأنها اكتشفت فجأة أنها وحدها من تملك حق تقرير مصيرها، و تتالت بعد ذلك انتفاضات الشعوب رافضًة الظلم و القمع و الفساد و الاستبداد حالمًة بكثير من العدل و الحرية، و بسرعة غير معقولة تفشّى مفعول هذا الأمل في الشعوب العربية الأخرى فانتفضت ليبيا و مصر و اليمن و سوريا ضدّ طغاتها، كما طالبت كثير من الشعوب الأخرى بكامل حقوقها بعد طول صمت.

رد الفعل السعودي تجاه الثورات : ثورة حنين (1)

اللافت حقًا، أني منذ بداية الثورات العربية إلى اليوم لم أجد من التفت إلى تأثير هذه الاهتزازات على المجتمع السعودي، و على الرغم من أن كتّابنا حللوا و انتقدوا و بالغوا في استشفاف ما خلف الموقف العربي، إلا أن أيّ منهم لم يخرج لنا بقراءة نقدية لردة الفعل للشعب السعودي تجاه أحداث 2011، و مدى تأثيرها عليه!

و يبدو أننا كنّا _هنا في السعودية_ خلال سير الأحداث نراقب الثورات ثم نباركها و نحاربها في آن واحد؛ نباركها نحن الشعب طمعًا بانتصار المستضعفين، في حين تحاربها حكومتنا السعودية خوفًا من أن تفقد بعض حلفاءها (مصر و اليمن مثلًا) أو أن تصل لها عدوى المطالبة الشعبية.

و يبدو أن هذا ما حدث فعلًا، و لا أظن أن دولة عربية عبرت 2011 دون أن تصلها عدوى الانتفاضات الشعبية؛ و كذلك الدولة السعودية، إذ ظهرت في منتصف فبراير _تقريبًا_ من عام 2011 دعوة على المواقع الاجتماعية تدعو للاحتشاد ثم التظاهر للمطالبة بمطالب مبهمة و غير واضحة، عُرف التنظيم باسم (ثورة حنين) و اختار المنضمون يوم الجمعة 11 مارس موعدًا لاحتجاجاتهم.

لاقت ثورة حنين رواجًا نسبيًا في العالم الإلكتروني فيما فشلت فشلًا ذريعًا على أرض الواقع، و يبدو أن أبرز مسببات هذا الفشل هو غموض المطالب المنشودة من هذا الاحتشاد، إذ قد يتفق مواطن و آخر على المطالبة بإيجاد حلول للبطالة و زيادة الأسعار مثلًا، في حين يكون من الصعب أن يتفقوا على أكثر القضايا الحقوقية الأخرى، خصوصًا و نحن ندرك حجم المسافة المكهربة الفاصلة بين التيارات الثقافية، الطبقات الاجتماعية، الفئات العمرية… هنا في السعودية.

و يبدو أن المجتمع السعودي اعتاد على أن يخوّن كل من روّج لهذه الثورة أو مثيلاتها، ربما يكون خوف المجتمع _كما أسلفنا_ من التغيير سببًا للرفض الشعبي لفكرة الاحتجاج، ثم لأن مصطلح “الثورة” وحده قد يسبب حالة من الهلع داخل أفئدة الشعب المعتاد و المطمئن على حالة الهدوء و الركود التي تعيشها المملكة، زد على هذا كلّه الحماس الطائفي الذي اشتعل داخل المجتمعات الشيعية في السعودية مما زرع ألف ظن و ظن في النوايا التي قد تكون خلف التنظيم هذا، إضافة إلى تفشّي وباء الطائفية _أصلًا_ داخل المجتمعات السنّية في السعودية. النتيجة؛ أنه في نهار الجمعة الموعود لم يخرج أحد من بيته، إذ خلت الشوارع تقريبًا و اتضح فشل الخطة! و بذلك اندثرت فكرة الثورة السعودية تمامًا كما يبدو.

دولة الحقوق و المؤسسات (2)

أما بيان دولة الحقوق و المؤسسات،  و الذي وقعّ عليه عدد كبير من الشخصيات السعودية البارزة في مجالات مختلفة، ما بين إعلاميين و أكاديميين و دعاة؛ إضافة إلى كثير من الشباب السعودي. فقد استند إلى مطالب واضحة، منطقية، شعبية، و توجّه بطريقة تقليدية إلى الحكومة السعودية التي قابلت البيان بكثير من التجاهل في محاولة لإسقاط أهميته و ركنه إلى النسيان، في حين تبدو المطالبة ببنوده و كأنها لازالت مستمرة.

النخبة الدينية في السعودية

هاتان الحادثتان كانتا خلاصة رد الفعل الشعبي على موجة التغيير التي عبرت الوطن العربي خلال 2011، أما النخبة الدينية في السعودية، فقد ماشت المصلحة السياسية السعودية بذكاء ملحوظ عبر الفتاوى الفقهية، في البدء أثناء الثورة المصرية على نظام حسني مبارك “الصديق المقرب لحكومة السعودية”، حين عبّر المفتي العام للسعودية عن رؤيته تجاه الثورة المصرية باعتبارها نوع من الإفساد في الأرض المنهي عنه شرعًا، بتخطيط من أعداء الأمة الذين يوهمون الشعوب بقدرتهم على الوصول إلى حكم عادل فيما هم يقودون مجتمعاتهم إلى الهلاك؛ فـ” امسك قردك لا يجيك أقرد منه” بالإضافة إلى أن طاعة وليّ الأمر في منظوره واجبة “ولو ضرب ظهرك و أخذ مالك”.

ثم في المرحلة الثانية من دعم النخبة الدينية للحكومة و إثبات الوفاء لها، حيث كانت في الفترة السابقة لجمعة 11 مارس، فخلال هذه المرحلة أصدر المفتي العام للمملكة بيانًا يتضمن فتوى فقهيه تنص على تحريم المظاهرات بخيرها و شرها، و اعتبارها نوعًا من الإفساد في الأرض و الذي يستحق فاعلة عقوبة التعزير شرعًا.

و بغض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع مضمون الفتوى، لازلنا نتساءل لليوم عن عقوبة المفسدين في الأرض المتسببين بحادثتيّ سيول جدة الأولى و الثانية، بعد مرور أكثر من سنتين على إنشاء “لجنة التحقيق في قضية سيول جدة و معاقبة المتسبب بها كائنًا من كان”!. اللافت للنظر؛ هو قوة الأمل داخل نفوس الشعب السعودي، مما يجعلهم مترقبين إلى هذه اللحظة؛ رد فعل من لجنة التحقيق في سيول جدة و نتيجة لمحاكمة المتهمين فيها.

Continue reading →

كيف تتغير الآراء بهذه البساطة؟

كيف تغيّر رأي المفتي بشأن مشاركة المرأة في مجلس الشورى؟

بعد أن كان (الأمر أبعد بكثير من مشاركة المرأة في الشورى أو المساواة ونحو ذلك من الدعاوى، الأمر يدور حول السعي لهدم الدين في معقله ومئرزه)

أصبحت القرارات التي تسمح للمرأة بالترشح في الإنتخابات و المشاركة في مجلس الشورى (كلها خير) !

هذا التناقض على ذمة موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية و الإفتاء، و موقع صحيفة عكاظ !

فإن كان الوارد في موقع الرئاسة خاطئ، فهذا يعني أننا أمام موقع يضلل الأمة بأراء غير موثوقة منسوبة إلى علماء كبار، أما إن كان صحيحًا تمامًا فالمطلوب أن يتقدم لنا سماحة الوالد المفتي بتبرير واضح و منطقي لهذا التناقض الغريب!

هل تتغير الفتاوى تبعًا لسياسة الحكم أم أن العكس هو المفترض؟

لا أريد أن يفهم أحد أني استحقر المفتي أو ألمزه، لكن من حقي أن أستوضح الأشياء الغريبة و غير المفهومة في هذا العالم، و من أبسط حقوقي الإنسانية أن انتقد أي تصرف لا أجده موافقًا للمبادئ التي ينادي بها صاحبها، و من حق الجميع في هذا الوطن أن يتعرفوا إلى طبيعة التطور في فكر سماحة المفتي حين أصبح يرى الإختلاط في مجلس الشورى خير، و مشاركة المرأة السياسية خير، و انتخابها بعد ترشحها في الانتخابات البلدية خير آخر، بعد أن كان يعلمنا أن قول الرسول صلى الله عليه و سلم لمّا قال: “ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء”، دليلًا على أن ما يروجه الأعداء من مفاهيم كـ حقوق المرأة ليست أكثر من مكائد لمعاداة الإسلام في معقله.

ليتني استطيع أن استوعب كيف كانت مشاركة المرأة في مجلس الشورى و الانتخابات (باب شر*) ؛ و أصبحت اليوم كلّها خير؟

لست معارضة لقرار الملك، و لا أجد حرجًا حتى من قبل أن يصدر القرار في أن تشارك المرأة في مجلس الشورى أو في الانتخابات أو حتى في أن تتولى الوزارة أو أن تقود السيارة، و لا أقف ضدّ القرار أبدًا كما أني لم أجد فيه حماسًا مجنونًا كهذا الذي أجده لدى الآخرين، و ربما أستطيع أن أقول بأني محايدة بشأن هذه المشاركة، و لا أراها ستقدّم أو تؤخر من الأمر شيء، لولا اعتقادي بأن تغيير ما قد يحدث (و يبدو لي إيجابيًا) في فكر المجتمع تجاه المرأة كشخص منجز.

كل ما في الأمر أني أستغرب فعلًا كيف كان المفتي معارض بشدة و ها هو اليوم أصبح من المعجبين بهذا القرار !

___________________

* (فأنا أحب من أخواتي أن يكن واعيات بصيرات بواقعهن، مدركات حجم المسؤولية عليهن، وألا يفتحن على أهل الإسلام باب شر) مفتي المملكة

زواج الاقارب

 

في مجتمع قبلي كمجتمعنا السعودي (أو العربي بشكل عام) ، تترتفع معدلات التزاوج بين الأقارب لأعلى مستوياتها مقارنة ببقية دول العالم (57.7% في السعودية)*؛ بالتالي ترتفع أيضًا نسبة انتشار الأمراض الوراثية و نسبة ظهور أمراض نادرة جدًا و خطيرة جدًا، و المشكلة تتزايد و لا يزال المجتمع مستمر في تقديم أجياله الجديدة قرابين للأعراف و التقاليد القبلية، ضاربًا بمستقبل الأجيال و بمصيرها الصحي عرض الحائط، و لسان حال كل وليد مبتلى بمرض وراثي يشدو “هذا ما جناه عليّ أبي”

لا ذنب للطفل الذي يولد مصابًا بمرض وراثي سوى أنه ابن لأبوين تربطهما صلة قرابة في أغلب الأحيان، و لا ذنب لوالده الذي أجرم بحق ابنه سوى أنه لم يدرك مدى خطورة الزواج من الأقارب إلا بعد فوات الآوان، و اللوم كلّه يقع على العارفين و أهل الإختصاص في نقص توعيتهم المجتمع بهذه الخطورة التي ينتجها زواج الأقارب نقصًا يصل حد الإنعدام، و كل اللوم _هنا في السعودية_ على دائرة الطب الوقائي/ وزارة الصحة؛ التي لازالت تواجه المشكلة بمزيد من الصمت و مزيد من التجاهل، و لا ندري إن كانت تنتظر أن يتحول المجتمع إلى جماعة من المرضى العاجزين المتخلفين بعد أجيال من تزاوج الأقارب حتى تبذل مزيدًا من الجهد في توعية المجتمع بمخاطر مثل هذا النوع من الزيجات؟!

الخدعة الضخمة : فحص ما قبل الزواج 

مع كل الأسف، هناك مفهوم خاطئ منتشر في مجتمعنا حول ما يسمى بفحص ما قبل الزواج ، و اللوم يرجع مرة أخرى إلى وزارة الصحة التي تقدّم خدمة فحص ما قبل الزواج و تنسى أن تُكمل جميلها بتوضيح فائدة هذا الفحص المحدودة للشاب و الفتاة المقبلين على الزواج؛ خصوصًا إن كانوا أقرباء.

بدأت قصة الفحص الطبي قبل الزواج منذ أن لوحظ تفشي نسبة الإصابة بأمراض الدم الوراثية في السعودية؛ الثلاسيميا و الأنيميا المنجلية تحديدًا(7 مرضى من كل 1000 مواطن، تزيد النسبة في المنطقة الشرقية و منطقة جنوب المملكة حيث ترتفع معدلات زواج الأقارب)، و لأن ولادة طفل مصاب بمرض وراثي كهذا تعني مزيد من عبء التكلفة العلاجية التي تصرفها الدولة على المواطن، وجدت وزارة الصحة أن أفضل طريقة للحد من إنتشار هذين المرضين هي فرض الفحص الطبي للكشف عن إحتمالية توريث هذين المرضين إلى الأبناء، فنشأت فكرة مغلوطة في أذهان الكثير من أبناء المجتمع بخصوص هذا الفحص، حيث يظن الكثير أن نتائج الفحص الإيجابية تعني بالضرورة سلامة الأبناء من “جميع” الأمراض الوراثية، فيما هنالك أمراض أخرى كثيرة لا يتم فحص إمكانية توريثها، إضافة إلى استحالة الكشف عن جميع الأمراض الوراثية بحسب الإمكانات العلمية الموجودة في الزمن الحالي، و كم هو صادم و شنيع أن يفاجئ الوالد بإبن مصاب بمرض وراثي مزمن رغم سلامة الفحص الذي أجراه قبل الزواج، ليكتشف بعد فوات الآوان أن الفحص لم يكن ليشمل سوى مرضين اثنين من بين مئات الأمراض الوراثية النادرة أو المنتشرة، و يظل الحلّ الوحيد هو الحذر من زواج الأقارب و الإبتعاد عنه كمحاولة للحدّ من انتشار الأمراض الوراثية التي تفشّت بشكل مجنون لدينا و هي في إزدياد مع الأسف.

و أعود لأقول بأن مشكلة الفحص الطبي تكمن في أنه يوحي للمقبلين على الزواج بأنهم غير معرضين البتة لإنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية، و من المهم أن يعي المجتمع بأن الفحص الطبي لا يفي بالغرض و إنما هناك خيارين لتفادي نقل الأمراض الوراثية إلى الأجيال الجديدة، و هي إما بالإبتعاد عن زواج الأقارب أو استشارة طبيب وراثي خبير ليقوم بفحص التاريخ الوراثي للعائلتين (عائلة الشاب و عائلة الفتاة)، و تحديد إحتمال إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي.

صحيح أن قضاء الله تعالى و قدره نافذ فوق كل إرادة بشرية، لكن يظل الأخذ بالأسباب مطلب إسلامي واضح في قاعدة (إعقلها و توكل)، فمن غير المنطقي أن يتم التزاوج من أسرة واحدة و لأجيال دون ظهور مرض وراثي في آخر الأمر، و من غير المنطقي أن يتم الارتباط بين شخصين في عائلة تكرر فيها وجود أمراض وراثية دون أن يظهر المرض مرة أخرى في أجيال قادمة.

Continue reading →