نسخة مصدقة

Screen Shot 2015-12-07 at 5.34.27 AM

يتحدث برناردو آتشاغا عن فكرة الانتحال في الأدب باعتبارها أمرًا لا مناص منه ولهذا قام بتقديم نصائحه أو منهجه في الانتحال. النصيحة التي لا تزال عالقةً بذهني هي: لا تسرق من كاتب مغمور، والسبب: لأن أمرك سيفتضح حالما يلمع نجمه؛ فبمجرد أن يشتهر بأي عمل “أدبي أو غيره” سيهرع الناس إلى اقتناء جميع أعماله وعندها سينتبهون لما ارتكتبه. مالمخرج الذي يقترحه آتشاغا إذن؟ أن تنتحل من كاتب مشهور، شكسبير مثلًا أو دوستويفسكي! ورأيه يتلخص في أننا كلنا نعرف تاجر البندقية والجريمة والعقاب، لكن معرفتنا بها لا تتجاوز الاسم والخطوط العريضة، من المحرج أن تنكر معرفتك بهما؛ لهذا ربما ندعي أننا قرأنا أكثر مما نعرف. أضف إلى ذلك أن الأعمال الخالدة عمومًا تتناول مواضيع بشرية مشتركة، من الطبيعي أن يتم تكرار الحديث عنها وحتى بالأفكار أو بالأسلوب نفسه. قد يكتشف النقاد أمر انتحالك يومًا ما، لكنهم على الأقل يدركون أن الأدب بحر من الانتحالات، وأن التناص، وخزانة القارئ، ومصطلحاتهم الكثيرة ليست سوى مبررات لدوامة التكرارات هذه.

ماذا عن الأعمال الفنية حيث لا يحصل تداخل بين عملين إنما استنساخ كامل للعمل؟ يقدم عباس كياروستامي رؤيته حول الموضوع في فلمه “نسخة مصدقة Certified Copy”. الفلم يحكي قصة كاتب إنجليزي يروج لكتابه في لقاء صغير بإيطاليا. يبتدئ الفلم بمشهد اللقاء حيث يتحدث الكاتب جيمس ميلر عن مؤلفه “نسخة مصدقة” وإثارةً للجدل يضيف الناشرون عنوانًا فرعيًا: “دعك من الأصل، فقط احصل على نسخة جيدة”. يبتدئ ميلر بشكر زميله الذي قام بترجمة/ نسخ العمل من الإنجليزية إلى الإيطالية معلقًا بأنها ترجمة مثالية وأنه استطاع نقل روح الكتاب للغة الأخرى. وهذه مقدمة ذكية للدلالة على  انسجام الكاتب مع مُؤَلفه.

يوضح نظريته حول النسخ والتقليد في الفن؛ الفكرة أن القيمة الأهم لإعادة إنتاج صورة أو منحوتة تكمن في أنها توصلنا لفهم أفضل للعمل الأصلي. وفي حديثه حول الأصل والأصالة يقودنا إلى أصل كلمة Original والتي تعني: حقيقي، موثوق، أصيل، باق. الجذر اللاتيني للكلمة oriri يعني يشير للولادة. وهنا أخذ الفكرة لنطاق آخر إذ لا يرى الأمر منحصرًا في اللغة أو الفن، بل يتعداه لفكرة التناسل في الجنس البشري حيث أن ما يحصل لدينا بالضبط ما هو إلا عملية نسخ DNA الأجداد، وعليه يكون البحث ومساءلة الأصل بمثابة التغلغل واكتشاف حضارتنا. إثباتًا لنظريته يذكر قارئًا قام بشكره لأن كتابه كان بمثابة دعوة ساعدته للوصول لفهم أفضل لذاته، لكنه لا يعطي إيضاحات حول آلية حدوث هذا.

Continue reading →

الإسلام بين الشرق والغرب

الإسلام بين الشرق والغرب

قراءة الإسلام بين الشرق والغرب، أعطتني تصورًا جيدًا لحياة علي عزت بيجوفيتش، لقد كانت سلسلةً من النضال الفكري والروحي والجسدي. المراجع التي يحيل إليها بالاستناد عليها أو لتفنيدها، تعطي دلالة واضحة لحجم استيعابه للفلسفة الأوروبية، لا يقف هذا الاستيعاب عند فهم الفكر بشكل مجرد، إنما يعكس اهتمامه بالأخبار العالمية والإحصائيات الكثيرة، تتبعه لتأثير هذا الفكر على حياة الإنسان الغربي في السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع. مما يجعله في موقع ممتاز لنقد هذه الفلسفة ومساءلتها. إلى جانب هذا، قضى بيجوفيتش فترتين من حياته في السجن، إذ سجن في أوائل العشرين من عمره بسبب نشاطه الفكري والسياسي، ثم سجن مرة أخرى عام 1980 وحُكم عليه بأربع عشرة سنة تقلصت فيما بعد لخمس سنوات ونصف ليخرج في عام 1988 وقد تجاوز الستين من عمره، حكى عن سنين السجن في كتابه هروبي إلى الحرية. وبعد خروجه من السجن ساهم في استقلال بلاده عن حكم يوغسلافيا الاتحادية. ووسط كل هذا، يعكس الكتاب استغراقه في تأملات روحية يوسع من خلالها أفكار بسيطة أو يقدم بها أفكارًا معقدة في شكل مبسط جدًا. أما عندما يلتفت هذا الرجل ليتأمل ماضيه فلا يملك إلا أن يقول: “لو أتيح لي الحق في أن أعيش مرةً أخرى لرفضت هذا العرض، أما وإن إن كان لا بد منه فسأختار حياتي هذه” هذا بالتحديد كان الدافع الأهم لي لأقرأ له وعنه. وما سأكتبه هنا أقرب للتلخيص منه إلى المراجعة.

الفكرة الأساسية التي ينطلق منها الكتاب ويعود إليها في كل مرة هي مبدأ الوحدة ثنائية القطب، فهو يرى أن الإسلام”يعني أن نعرف ونعترف بالازدواجية المبدئية للعالم، ثم نتغلب على هذه الازدواجية.” هذه هي الخطوط الأساسية للكتاب، فهناك المادية الشرقية متمثلة في اليهودية كديانة والاشتراكية كفكر، وعلى الطرف الغربي توجد الروحانية المسيحية. وكلا الطرفين قام بإنجازات بشرية عظيمة، لكنه أيضًا انطوى على مشكلات خطيرة جعلت من التمسك به أمرًا مستحيلًا، هذه الاستحالة ترجع دائمًا لأن كلًا منهما أغفل شيئًا مهمًا من حقيقة الإنسان. وجهة نظر بيجوفيتش أن الإسلام كان الديانة الوحيدة التي استطاعت أن توفق بينهما تحت مبدأ الوحدة ثنائية القطب.

Continue reading →

أجمل قصة عن اللغة

أجمل قصة عن اللغة

لا زلت أذكر اليوم الذي عدت فيه من المدرسة وبذهني سؤالٌ مهمٌ أريد توجيهه لأمي: هل الله قادر على أن يجعل من اللام الشمسية لامًا قمرية؟ ما إن أجابتني أمي بالإثبات، حتى استشعرت عظمة الله ولا محدوديته بشكلٍ لم أكن قد عرفته من قبل. بعدها – بفترة كافية لأستوعب ضآلة الإنسان أمام اللغة – تلقيت أولى صدماتي اللغوية؛ فهذه اللغة اللامتناهية وكل ما يصدر عنها من احتمالات الكلام الممكنة، يمكن تصنيف مفرداتها إلى ثلاثة أنواع فقط: اسم، فعل، وحرف! لتتزعزع قناعتي ثانيةً؛ فأيهما أعظم من الآخر: اللسان أم الكلام الذي ينتجه؟ الإنسان أم اللغة التي أوجدها؟ لم تكن النقطة التالية في تساؤلاتي اللغوية بعيدةً عما سبق، فسرعان ما اصطدمت بقصة آدم؛ لقد كان المفزع في هذه القصة أني كنت أتخيل أشياء مبهمة تراها الملائكة ولا تكاد تميزها، وما إن يطلق عليها آدم الاسم المناسب حتى تتبين معالمها، هكذا وبكل بساطة، الاسم وحده هو ما نقل الكائنات من الظلام إلى النور، من العدم إلى الوجود. بعد أن ينتهي هذا المشهد، كنت أعود لبداية القصة، لأدرك أننا أمام معجزة، ولكن…المعجزات تتحدى البشر، أما هنا فإن البشري الوحيد في القصة هو من يملك المعجزة! في روايتها اللامتناهي في راحة اليد، تصور جيوكندا بيللي مشهدًا تحكي فيه عما يجول بفكر حواء: “وقد لا يصدقها عندما تخبره أن كائنات بلا حكاية كائنات قد تظل في العدم”. وبعيدًا عن هذا المشهد بسنوات ضوئية، يحكي باسكال بيك عن الفكرة نفسها مضفيًا لمسةً عصرية : “بواسطة ملكة اللغة وفعل القول، يكون الإنسان قادرًا على الخلق. في مجال اختصاصي، تفتح الباليوأنثروبولوجيا، أي عملية اكتشاف أحافير تعود لجنس جديد وإعطائها اسمًا، سبيلًا لتخليد ذكرى هذا الجنس”.

Continue reading →

الإخوة كارامازوف

Untitled 2_Fotor

عندما سألت صديقتي -التي قرأت أغلب ما كتبه دوستويفسكي- عن نصه المحوري؛ فهذا لأني أرى أن لكل كاتب منظومة أفكار ورؤى تحوم حولها غالب نصوصه الأدبية، وهذا واضح في أدباء أمريكا اللاتينية الذين انشغلت بالقراءة لهم مؤخرًا، وهم من ألهمني فكرة البحث عن النص المحوري لكل كاتب. إنه نص لا يشترط أن يكون أول أعماله ولا آخرها، لا يشترط أن يتخذه المخرجون منطلقًا لأفلام عديدة، وبالطبع لا يفترض أن يكون أكثر كتبه مبيعًا. في الأخير، رشحت لي الإخوة كارامازوف، وأنا كنت ممتنة لهذا الاقتراح. قضيت قرابة شهر برفقة الرواية، استغرق المجلد الأول عشرة أيام واحتجت عشرة أيام أُخَر لإنهاء الجزأين الآخرين، وضاعت عشرة أيام بسبب المرض والبرد. إنني أكتب هذه التفاصيل لأنها مهمة بالنسبة لي، فطول الوقت الذي احتجته في قراءة أصغر الأجزاء كان ضروريًا لتجربة أولى مع دوستويفسكي؛ اضطرني هذا لاتباع آليات قرائية جديدة لم أكن قد جربتها من قبل، كنت أسجل ملاحظاتي على الأسلوب والمضمون وعلى أحداث الرواية، كما أنني كنت مهتمة برصد التناسق في الشخصيات وتتبعها، فقد بدا من الواضح جدًا أن الإخوة كارامازوف -وأظن أن هذه سمة فيدور الأساسية- قائمة على الموازنة ما بين إظهار دواخل الأشخاص وما بين ربطها بما يفعلونه في العالم الخارجي، فالحكاية بحد ذاتها لا تهم، رغم أن ١٥٠٠ صفحة لا يمكن لها أن تكون ممتعةً بالاستناد فقط على المكاشفة الداخلية؛ إذ ستصير كتابًا في علم النفس ولن تكون رواية، وهذه بالضبط عبقرية فيدور!

Continue reading →

في نقد العولمة و المعايير العالمية

منشور في موقع المقال في عام 1979م قدمت الأمم المتحدة مبادرة لتحسين أوضاع النساء “حول العالم”؛ عرفت بـمعاهدة “سيداو” الدولية، ومنذ ذلك التاريخ وهي تحاول فرض الالتزام ببنود هذه المعاهدة على المجتمع الدولي. إلا أنها واجهت مشكلة كانت تتعلق بما يلي: كثير من الدول الموقعة على المعاهدة قدّمت تحفظاتها واعتراضاتها على عدد من بنود المعاهدة كونها تخالف أسس الثقافة المحلية فيها، فإذا وجّهت الأمم المتحدة لإحدى تلك الدول ملاحظاتها وتحذيراتها بخصوص بعض الممارسات القانونية التي تنافي أحد بنود المعاهدة، تعذرت الدولة بأن عاداتها الثقافية والدينية تتعارض مع هذا البند. فسنغافورة مثلًا أكّدت حقها في الامتناع عن الالتزام بالمادة (2) التي تطالب بفرض المساواة التامة بين المرأة والرجل قانونيًّا، والمادة (16) المتعلقة بقوانين الزواج والأسرة، وبررت ذلك بأنها قد تتعارض مع قوانينها الدينية أو الشخصية، أما بنجلاديش فقد قالت إنها غير ملزمة ببند المادة (2) في المعاهدة التي تطالب بمساواة المرأة بالرجل قانونيًّا، كون محتواها يتعارض مع قوانين الشريعة الإسلامية (قانون المواريث مثلًا). وتحفّظت سويسرا على أجزاء من المادتين (15) و (16) لأنها تخالف قوانينها المدنية المتعلقة بالزواج والأسرة. أما السعودية فقد أبدت تحفّظًا عاما تجاه (أي بند) يمكن أن تتعارض مضامينه مع أسس الشريعة الإسلامية. إثر ذلك قدّمت اللجنة القائمة على المعاهدة بيانًا في عام 1997 قالت فيه: “إن تعارض بعض بنود المعاهدة مع الممارسات التقليدية أو الدينية أو الثقافية لا يبرر انتهاك المعاهدة، …وإن التحفظ على المادة 16 (المتعلقة بقوانين الزواج والعلاقات الأسرية)… سواء أ كان لأسباب قومية أو تقليدية أو دينية، فإنه يعد منافيًا لموضوع الاتفاقية وغرضها، وعليه فلا بد من سحبه”.

وهنا تظهر نبرة الأمر التي تحاول أن تفرض وبحزم على الجميع التخلي عن أي ملامح “محلية” تخالف “النمط العالمي” الذي تسعى الاتفاقية إلى فرضه. هذا التعارض بين “المعايير العالمية” وبين التفاصيل الثقافية في المجتمعات المحلية لا يتعلق فقط بمعاهدة سيداو، بل هو حالة عامة تظهر كلما حاول البشر إيجاد “معيار/ نمط عالمي” يُعمَّم على جميع المجتمعات المحلية حول العالم. هذه “المعايير العالمية” ظهرت نتيجةً -أو أداةً- لحركة “العولمة” التي تهدف لإيجاد نظام عالمي تتوحد فيه القواعد والقيم والممارسات الثقافية، أي أن العولمة تسعى إلى محو التعددية الثقافية والحضارية في سبيل إيجاد ذلك “النظام العالمي الموحّد”، وهي بذلك تعمل على محو الهويات المختلفة سعيًا لإبدالها بهوية “عالمية” مشتركة للإنسانية جمعاء. لكن في الحين ذاته، لم تكن معطيات العولمة قد تأسست أصلًا على أساس المشتركات الإنسانية كي يُتعامَل معها بصفتها”منتجات عالمية” صالحة للتطبيق في جميع أرجاء العالم. فهذه “المعايير” التي تقدّمها العولمة؛ وهذه “الهوية العالمية” بكل تفاصيلها الأخلاقية والثقافية لم تكن نتيجة تغليب المصالح والقيم الإنسانية المشتركة، ولا كانت خلاصة تمازج ثقافات العالم المختلفة، بل كانت عملية تعميم لثقافة غربية ناشئة في مجتمعات محكومة بسياقاتها الثقافية والسياسية والتاريخية الخاصة. ولذلك كان ريجيس دُبريه – وهو فيلسوف فرنسي معاصر- يصف العولمة القائمة حاليًا بأنها (عولمة زائفة)، إذ يشير إلى أن الحيّز المطروح فيها تحتله تمامًا الصبغة الأمريكية، فنمط الحياة والقيم الثقافية والأخلاقية التي تروّج العولمة لها كلها ليست سوى منتجات أمريكية، يُروَّج لها عالميا دون تمريرها بأي عملية تقييم أخلاقية وثقافية.

Continue reading →

أين منزل الصديق؟

images أن تكون طفلًا وتنسى دفتر الفروض في المنزل فتلك جريمة يعاقب عليها النظام التعليمي كما تعلم، أما أن تنسى دفتر زميلك معك فالجريمة عندئذٍ تتخذ منحى آخر: هو المعاقب وأنت السبب. هذه باختصار قصة الفلم الإيراني ?Where is the friend’s home  للمخرج عباس كياروستامي والتي لو حُكيت لي لما استمعت إليها فضلًا  عن أن أشاهدها كفلم؛ مما يعني ساعات جلوس أطول مع قدرة متدنية على التأمل! عبقرية فلم كهذا لا تكمن في قصته بل في أن يحولك لهذا الطفل، تشاركه مخاوفه وترقبه، تعيش داخل التوجس الذي يحيط به وتكتشف كم هو العالم الخارجي بارد ومظلم إذ لا يلتفت إليك ولا لهمومك التافهة.
 
يبتدئ الفلم بمشهدٍ مدرسي يتكرر بكل إحداثياته في أي مدرسة مع اختلافات بسيطة في اللغة والديكور: معلم قروي تقليدي وأطفال مشاغبون. يسرد عليهم قائمة التعليمات المدرسية: كم مرةً أخبرتكم بوجوب الحضور المبكر؟ من أذن لكم بالجلوس؟ والجميل أنه أستاذ تقليدي وحسب، مما يزيل كل الاعتبارات التي تضيف جوًا من الغرابة أو الرعب إلى الفلم. بعد سرد التعليمات يحين وقت تصحيح الفروض. وعندما يصل لمحمد رضا نعمت زاده، يجد أنه وللمرة الرابعة لم يكتب فرضه في الدفتر! لا يستطيع أن يؤول الأستاذ موقف كهذا إلا بأنه استهتار؛ نعمت زاده تجاهل التنبيه ثلاث مرات ولا زال يكتب الحلول في المكان الخاطئ. عندها قرر معاقبته بتمزيق أوراقه. لم يكن للصبي من خيار غير أن يبكي، ذاك البكاء الذي نبكيه خوفًا في المدرسة. بعدها يستجوبه الأستاذ ليجد أن نعمت زاده نسي دفتره عند ابن عمه، في هذه اللحظة يقول أحد الطلاب بأن الدفتر معه. عندها يفترض الأستاذ أن التلميذ يكذب عليه دون أن يطرأ بباله أن زميله في الصف يكون ابن عمه أيضًا! المهم أن الأستاذ يسامحه هذه المرة ويتوعده بالطرد من المدرسة في حالة تكرار الخطأ خصوصًا بعد أن حكى للتلاميذ عن مبررات استخدام الدفاتر: تعلم الانضباط، والقدرة على تقييم الذات من خلال تتبع تقدمها في الكتابة. في نهاية اليوم الدراسي ينسى نعمت زاده دفتره في حقيبة زميله أحمد. في البيت يكتشف أحمد أنه أخذ دفتر زميله معه بسبب تشابه الدفترين وتبدأ رحلة الطفل من هنا.

الكونت دي مونت كريستو، تأويل القارئ والمشاهد*

غلاف الكونت دي مونت كريستو
 
الذين قرأوا الكونت دي مونت كريستو لا بد أنهم تساءلوا: مالذي دفع إدموند دانتيس ليخوض مغامرته تلك؟ سؤال المغزى هذا يعمل بمثابة مصباح يدوي بيد القارئ الذي يدخل لرواية ألكسندر دوماس دخوله لمغارة عريقة تحوي الكثير من كنوز سبادا وتتوزع على حوائطها نقوش تشهد على براعة الإنسان حينما يعيد رسم الحياة وسرد الحكاية. تستطيع رسم دائرة ضوئية على ناحية من حوائطه لتكتشف رغبة محمومة لدى بطل الرواية في الانتقام، وقد ترسم دائرة ضوئية أخرى تختلف في حجمها عن الأولى وتعتمد بالضرورة على مدى قربك من الحائط؛ فتقف على صور مغايرة ودوافع أخرى، وهكذا تظل مع كل قراءة وكل دائرة ضوئية تكتشف مغزىً جديدًا للرواية ودوافع أخرى لدانتيس؛ حتى تصل لحقيقة مركبة تستكمل بها رؤية الحكاية.

بداخل كل منا توق للاطلاع على خبايا العوالم التي لا يبدو منها سوى أجزاء بسيطة، وعالم الكونت يحوي الكثير من إمكانيات البداية لاستكشاف خباياه. بدأت رحلتي مع الرواية منذ أن قرأت مقالة “عاشق غير ناضج” التي حكى فيها ماركيز عن تفاصيل الاجتماع الذي ضمه والروائيين: وليام ستيرون وكارلوس فوينتيس ببيل كلينتون. يقول ماركيز في منتصف مقالته بأن الحديث وبعد أن اتخذ طابعًا حميميًا، بدأ ينجر لسياق رسمي جاف مما اضطرهم لتغيير مساره بالتساؤل عن الكتاب المفضل لدى كل منهم. كنت متشوقة لمعرفة إجابة ماركيز الذي قال بأنه يفضل الكونت دي مونت كريستو لأسباب تقنية جعلته يقدمه حتى على كتابه الأثير “الملك أوديب” وبطبيعة الحال شعرت برغبة عميقة لمعرفة أسبابه، غير أنه لم يذكر أي شيء عنها.

في مقالة أخرى وكردٍ على سؤال إحدى القارئات ذكر ماركيز بأن لغز الحكاية كان بالنسبة له في تحول البطل من بحار جاهل وفقير إلى أمير مثقف وثري وكل هذا يتم عبر الهروب من سجن قلعة إيف! يرى ماركيز أن ذكاء الروائي كان كامنًا في حشد كل العناصر التي يستحيل معها هذا التحول لدانتيس. والحيلة الفنية التي لجأ إليها دوماس كانت في خلق شخصية فاريا القس الإيطالي المعتقل في زنزانة أخرى، والذي قضى سنين سجنه في محاولة الهرب واكتساب الحكمة، لكن شاء القدر أن يخطئ في الحساب حيث انتهى به المطاف إلى زنزانة بطل الرواية بدل أن يصل للبحر. وبعد أن انقضى عمر فاريا في العمل باتجاهٍ خاطئ، قرر أن ينقل حكمته وإرادة الهرب التي انغرست فيه إلى السجين دانتيس، الذي كان بدوره تلميذًا نجيبًا وأبدى براعته في التلمذة. قبيل أن يموت فاريا، قام بإخبار دانتيس عن السر الذي خبأه طوال سنين سجنه وأرشده لمكان كنوز سبادا التي ورثها. وهكذا كان النجاح الذي حققه دوماس في إحلال شخص مكان شخص، حيث لم يبق من ذاك البحار الجاهل الشاب سوى مزية البحار بعد أن حلت فيه روح القس وحكمته، خالقة شخصًا جديدًا هو الكونت دي مونت كريستو.

وبهذه الأفكار دخلت عالم الكونت دي مونت كرسيتو ورحت أتأمل جغرافية المكان ودواخل أبطاله برسم العديد من الدوائر الضوئية على أوراق الرواية وأتساءل: هل للانتقام وحده أن يرسم حكاية متقنة كهذه؟ هل كان الفضل لدافع كشف الحقيقة؟ وهل الحقيقة ملحة إلى هذا الحد؟ هل نحن مستعدون لتحمل تبعات التوق والفضول؟ وكيف تأخذ العدالة أشكالها المختلفة، ولماذا لا نستطيع إدراكها مبكرًا؟ كيف لجذور الخيانة والحقد أن تمتد دون أن ننتبه، وكيف للإخلاص أن يحافظ على جوهره؟ كيف ستكون الحياة بالنسبة لشخص اضطر أن يعيش خلاف ما يهوى؟

Continue reading →