الاحتلال المعرفي (2)

 

استكمالًا للتدوينة التي نشرناها في الجمعة الماضية (الاحتلال المعرفي (1) )، ننشر في هذه التدوينة الجزء المتبقي من الأسئلة التي طرحتها مدونة سحارية على المفكر الفلسطيني منير فاشة، المهتم بمجال التربية و التعليم. و نرفق بالتدوينة لقاء سابق أجرته صحيفة قدس الاخبارية معه.
لقاء منير فاشة مع صحيفة قدس
 
 
المجتمع الحديث

“نحتاج في الوقت المعاصر إلى حماية وليس إلى تنمية، وإلى يقظة وليس إلى تقدم.”

10. تكرر كثيرًا في مقالاتك رفضك للمفاهيم المتكررة في المجتمعات المدنية الجديدة، مثل: التنمية، التقدّم، التخلّف، الذكاء، الأميّة… الخ، فهل تعتبرها مفاهيم مشوّهة؟
أعتبرها أكثر من مشوِّهة، فغرضها الجوهري هو السيطرة على عقول الناس والتي بدأت بالمجتمعات الغربية. معظم التخريب والتمزيق الذي حصل خلال قرون، كانت هذه الكلمات مبررا له. تشكل هذه الكلمات الأداة الرئيسية في خداع العقول، بحجة تمدين الشعوب وتنميتهم ورفع درجة ذكائهم من خلال التعليم! يدعون في أروقة الجامعات والوزارات والمؤسسات الأهلية إلى محاربة الأمية بينما لا نعرف عن أمي استطاع أن ينتج ما يقضي على مئات من البشر في دقائق كما فعل علماء يفتقرون إلى ضمير وحكمة مثل إينشتاين وفرمي وأوبنهايمر… نحتاج في الوقت المعاصر إلى حماية وليس إلى تنمية، وإلى يقظة وليس إلى تقدم.

 
11. هل تعتقد بأن حضارة العولمة أساءت لشعوب العالم بدلًا من أن تخدمها  (الشعوب العربية تحديدًا)؟

يعتمد الجواب على ما نشير إليه بالعولمة، فمثلا مكتبة الاسكندرية قبل 2300 سنة وبيت الحكمة في بغداد قبل 1200 سنة مثّلا عولمة من نوع كان نعمة على البشر. أما العولمة الحديثة فهي احتكار لوسائل السيطرة.

“الإنجليز حولوا ساحة الأقصى من ساحة تجسّد التعددية إلى ساحة تكرّس الطائفية”

12. من أكثر الأفكار التي لفتتني بعد أن تعرفت عليك، فكرة التجاور ووجوب استغلالها من قبل الأهالي للتصدي لمضاعفات التحاور. كيف بلورت هذا المفهوم؟ وكيف تستطيع مجتمعات ترزح تحت هول الطائفية أن تستثمر هذا المفهوم (المجتمع العراقي مثلًا)؟ 

أول مرة انتبهت للفرق الشاسع بين المجاورة والمحاورة كانت عندما قرأت مذكرات “واصف جوهرية” عن القدس. عاش “واصف” فترة حكم العثمانيين وفترة الاحتلال الانكليزي وكتب مذكراته. يذكر مثلا كيف أن من بين أول القوانين التي وضعها الانكليز بعد احتلالهم للقدس عام 1917 كان المتعلق بدخول ساحة الأقصى، حيث خصصوا أياما للمسلمين وأخرى للمسيحيين وأياما لليهود بحجة المحافظة على حقوق الجميع! قبل قدوم الانكليز كانت ساحة الأقصى مكانا لجميع الناس دون حراس. لاحظي ما فعله الانكليز: حولوا الساحة من مكان يؤمه الرجال حيث يتحادثون، وتؤمه النساء من مختلف الخلفيات والأديان والمذاهب حيث يتجاورن ويجدلن أنسجة على شتى المستويات وحيث يتجاور الأطفال ويلعبون… حولها الانكليز من ساحة تجسّد التعددية إلى ساحة تكرّس الطائفية، واستبدلوا المجاورة إلى محاورة لفظية تؤدي في أغلبها إلى كراهية وتمزيق كما يحدث في المؤتمرات. 

الاحتلال المعرفي (1) – مع منير فاشه

اقتبسنا عنوان التدوينة من مقطع فيديو لمحاضرة مختلفة و مدهشة قدّمها المفكر الفلسطيني (منير فاشة) في إحدى تجمعات تيدكس TEDx في رام الله، وفي هذه التدوينة نقدم الجزء الأول من الأسئلة التي طرحتها مدوّنة سحارية على المفكر منير فاشة لاستيضاح أفكاره و الاستفادة منها، ففي مقالاته المنشورة في موقع الملتقى التربوي العربي و مجلة رؤى تربوية و موقع التغيير قدّم منير العديد من الأفكار المختلفة و العميقة عن تعليم المؤسسات و عن عيوب الحضارة التي لا يتنبه لها العديد من الناس، و عن المعرفة التي يكتسبها المرء من الحياة مقابل المعلومات “المعلّبة” التي تمنحها له المدرسة!
و تنبه أيضًا إلى تأثير اللغة على المجتمعات، إذ يقول في مقاله (نحو حمايتنا من العولمة: انتزاع الفكر والإدراك من الأقفاص السائدة) : “جزء من المنطق السائد (الذي يدعي أنه المنطق الوحيد) هو منطق أرسطو: كل شخص إما أنا أو ليس أنا ولا يوجد احتمال ثالث. وهذا المنطق يعبّر عنه الرئيس بوش باستمرار “أنتم معنا أو ضدنا ولا يوجد بديل ثالث”. نحارب بوش لأنه يستعمل هذا المنطق في السياسة، ولكننا لا نلاحظه عندما نستعمله مع طلبتنا! نحن كعرب لا مبرر لنا لإهمال البديل الثالث فهو موجود في لغتنا بقوة، ألا وهو المثنى. لا يوجد مثنى في اللغات الأوروبية، وذلك يؤثر على إدراك الناس وفهمهم وتعاملهم، وبخاصة مع الغرباء (فهم إما معنا يخدمون مصالحنا أو هم أعداء يجب التخلص منهم). المثنى هو عبارة عن “مخلوق” ثالث هو العلاقة بين الشخصين، بحيث يبقى كل شخص محتفظاً بكيانه المستقل. أنا أبقى أنا وأنت تبقى أنت، ولكن يتكون “مخلوق ثالث” هو العلاقة بين أنا وأنت، العلاقة التي تجمعنا معاً. هذه العلاقة بين الشخصين ليست علاقة قانونية، وإنما علاقة تصبح وكأنها “مخلوق” جديد أشعر بوجوده باستمرار، ولا أستطيع أن أقرر شيئاً دون أخذ ذلك المخلوق بعين الاعتبار.”
و في رسالنه إلى البابا و التي كتبها في عام 2006 ردًا على الاساءة التي وجهها البابا إلى الإسلام، كتب: “إن الفرضية التي تقول إن المرء يستطيع أن يفهم عالما آخر من خلال كلمات ومفاهيم هي إحدى خرافات العالم الحديث، حيث يعتقد أن المعرفة يمكن تجسيدها دوما في كلمات يمكن نقل المعرفة عن طريقها. وينطبق هذا على معرفة الغربيين عن الإسلام، من خلال كلمات وصور بشكل رئيسي. فالعقول التي تتشكل عن طريق نصوص وصور تكون محدودة، فالكلمات والصور لا تعبر عن الواقع، فحتى يفهم المرء عالما آخر، عليه أن يجربه ويختبره؛ أي أن يدخله دون مفاهيم وأفكار مسبقة.”

منير فاشة يتحدث في برنامج “زيارة خاصة” على قناة الجزيرة، لقراءة نص المقابلة هنا

في البداية أود أن أوضّح بعض الأمور: لا يوجد معنى مطلق أو عالمي. الإجابات أدناه نبعت من سياق وخبرات واجتهادات شخصية… يرتبط هذا بقناعة عميقة لديّ بأن أخطر ما يهدد البشر ويخرّب الحياة على الأرض هو استمرار الفكر العالمي في الهيمنة على إدراكات وسلوك وعلاقات الناس. أعني بالفكر العالمي الادعاء بأن هناك مسارا أحاديا للتقدم والتعلم، ومصدرا رئيسيا للمعاني والمعارف، ومقياسا عموديا لتقييم الناس والمجتمعات. الفكر العالمي محكوم بمؤسسات ومهنيين وخبراء، خاصة من خلال التصنيفات الأكاديمية. هو أخطر أنواع العنصرية لأنه يستبطن عنصرية غير مرئية، خفية حتى على من يمارسها، إذ في معظم الأحيان ينشر الشخص هذا “الفيروس” دون وعي بالعنصرية التي يستبطنها فهي مغلّفة بأغطية أكاديمية مهنية رسمية، وبالتالي يقبلها الناس عادة دون تردد. لذا أرى أهمية توضيح القناعة الجوهرية التي أعمل وفقها: أنا ضد الاعتقاد بمسار أحادي عالمي للتعلم والتقدم وتكوين معرفة وتقييم الإنسان؛ هناك مسارات ومصادر متعددة ومتنوعة. ربما يكون أكثر ما فعلته عبر ال 40 سنة الفائتة هو حث الطلبة والناس عامة على الشك بالخبراء والاحتكام بالحكمة واستعادة مسؤوليتهم وحقّهم في أن يكونوا شركاء في توليف معاني وفهم، وبوجه خاص معاني الكلمات التي يستعملونها أو يسمعونها أو يقرأونها (وهو حق مغيّبٌ من التعليم والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحقوق الطفل). (منير فاشة)

اللغة كمدخل للتعليم

1. “من هنا فإن أي محاولة لتحسين التعليم، بحيث تبقيه سجينا للغة، هي محاولة تشبه بناء قصور في الهواء، محكوم عليها بالفشل مسبقا ” كيف نحرر التعليم والتعلم من سجن اللغة؟ أسأل من حيث اللغة كونها عربية أو إنجليزية مثلا ومن حيث اللغة التي تقيد المعنى باللفظ (على مستوى المصطلحات والتعابير)؟

ليس المهم فيما إذا كانت مدرسة تستعمل العربية أو لغة أجنبية بقدر المعاني والقيم والقناعات التي تحكم الإدراك والأفعال والعلاقات. فكلمة “راسب” أو “فاشل” (التي ذكرتها بأعلاه) والتي تُطلَق على نسبة عالية من الطلبة حول العالم، بشهادة رسمية من وزارات التربية والتعليم في نهاية المرحلة الثانوية هي جريمة تُقْتَرَف سنويا سواء استعملنا الكلمة العربية أو الانكليزية. بعبارة أخرى، لا تكمن المشكلة في سجن الفكر ضمن لغة معينة وإنما في ربطها بكلمات ميتافيزيقية محكومة من قبل سلطة ولا تستمد معانيها من حياة الناس ومن اجتهاداتهم في توليفها.

التعليم النظامي والأطفال

“ترك ابني المدرسة فتعلمت منه أهم ما يمكن أن يتعلمه إنسان: ارتباط عافية الجسم بنمط الحياة.”

2. عندما كان ابنك في التاسعة من عمره انقطع عن الذهاب إلى مدرسته، و لم تبد أي اعتراض على هذا. احك لنا عن تجربتك معه.

عندما كان ابني 9 سنوات، في الصف الرابع، قال لي أنه لا يجد المدرسة ذات معنى ويرغب بتركها. قلت له: “كان عمري 30 سنة عندما توصلت لنفس القناعة؛ أنت توصلت لها في عمر 9 سنوات! يخزي العين عنك. لكن شرطي الوحيد أن لا يكون التلفزيون وما شابه هو البديل”. خرج من المدرسة، وبعد ثلاث سنوات طلب العودة… لم أمنعه في الحالتين. رغب بالعودة بشكل رئيسي بسبب وجود جو اجتماعي وليس لوجود جو تعلمي، إذ اكتشف أنه تعلم خارج المدرسة أكثر بكثير من المدرسة، بما في ذلك حقيقة أن الكتب التي قرأها لم تكن عقيمة ومملّة كما هي الكتب المقررة. كانت الكتب التي قرأها من اختياره وذات علاقة ومعنى لما يبحث عنه في حياته وهو معنى يختلف جذريا عن إجراء بحث في مؤسسة تعليمية والذي عادة لا علاقة له بما يبحث عنه الشخص، بل يرتبط بمتطلب أكاديمي أو تمويل. من الجدير بالذكر أن ابني الذي ترك المدرسة قرأ أكثر بكثير مما قرأته إلى جانب أن ما قرأه كان نابعا من رغبةً ذاتية في مواصلة بحثه عن معنى وفهم لحياته، والذي تبلور مع الوقت في اهتمامه بحماية الناس من مأكولات ضارة. منه تعلمت أهم ما يمكن أن يتعلمه إنسان: ارتباط عافية الجسم بنمط الحياة.

“المدرسة الحديثة حولت الإنسان من حيوان ناطق إلى حيوان صامت”

3. هل يمكن أن يعيش الطفل حياة طبيعية دون أن يرتاد المدرسة؟ خصوصًا إن اعترفنا بأن أغلب علاقات الطفل الاجتماعية – إن لم تكن كلها – تتشكل في المدرسة، و ما هو البديل عنها في المجتمعات الحديثة المنغلقة؟ كمجتمعنا السعودي مثلًا.

ماذا يعنيه تعبير “حياة طبيعية”؟ هل جلوس الطفل على قفاه مدة 12 سنة والادعاء بأنه يتعلم يعكس حياة طبيعية؟ وهل العلاقة الصامتة مع اللغة (مثل الجلوس أمام كتاب أو شاشة دون نطق ودون سماع) علاقة طبيعية؟ أشار العرب القدماء إلى الإنسان ب”حيوان ناطق”. حوّلته المدرسة الحديثة إلى “حيوان صامت”! كما قلت بأعلاه، قرر ابني العودة إلى المدرسة للسبب الاجتماعي الذي تذكرينه، ليس لأن المدرسة أفضل، ولكن لأننا فقدنا في العصر الحديث الفسح الحقيقية التي كانت تجدل نسيجا اجتماعيا فكريا روحيا ترفيهيا بين الناس – مثل الحوش والحارة والحيّ. اختفت كثيرا وساءت الأمور في يومنا هذا بتسارع كبير وخطير نتيجة التواصل الإلكتروني.

الثورة، حتى لا تفقد المعنى

مهمة الثورة لا تنتهي بعد انتخاب أول رئيس مدني، بل تبدأ من هنا.. تلك الثورة السياسية التي تمت في مصر للاطاحة بنظام مبارك المستبد ستمرض لو لم تتبعها ثورة “مفاهيم” تعدّل كثيرًا من المفاهيم التي تشوهت بفعل شيطان الاستبداد. و ليس من المخجل أن نعترف نحن العرب بهذا الخلل الثقافي بل علينا أن نبدأ في تداركه وتصحيحه و سدّ الفراغات التي تنتجها مرحلة الانتقال من “مبايعة الشعب للسلطان” على السمع و الطاعة و الانقياد له في خيره و شره، إلى “مرحلة مبايعة السلطان للشعب” على الصدق في خدمتهم والتزام القانون، و المساواة التامّة في تطبيقه على القوي قبل الضعيف، و تقديم مصالح الأمة على مصالحه الشخصية، و أن يدرك أن له حقوق و واجبات واضحة و محددة و أن تجاوزه الحقوق المفروضة له إلى ما هو أكثر منها، أو إخلاله بواجباته و التساهل في تأديتها، هو خيانة لمنصبه الرئاسي و للشعب بأكمله، كما أن منصبه الرئاسي لا يعطيه امتيازات أو لأحد أقاربه أو أصدقاءه، و أن عائلة الرئيس تقف أمام القانون من حيث حقوقها و حدودها كما يقف أي مواطن بسيط / مجهول / فقير آخر، و أن مهمة الرئيس لا تتعالى على المناضلة لحفظ و حماية حق أي فرد من أفراد الشعب داخل و خارج البلاد باستخدام كافة الإمكانات الدبلوماسية المتاحة*. و في نظري أن هذه النقلة في علاقة الحاكم بالمحكوم – إن تمت؛ و ستتم بإذن الله- هي أهم دلائل نجاح الثورة المصرية و سواها من ثورات الربيع العربي المبارك.

 فالتغيير السطحي قد لا يكفي لتجاوز الفشل، بل على البشر أن ينبشوا على الدوام بكل قوتهم عن أساسات السقطة ليعدّلوها، و لذلك لا يبدو كافيًا أن تُغيّر مصر –أو أي بلد عربية أخرى- رئيسها لتتجاوز النكسة الحضارية التي مرّت بها خلال العقود الماضية، مصر تحتاج لأن يتغير شعبها كما تغير الرئيس، تحتاج (كما يحتاج العرب كلهم) إلى أن يتعلم شعبها الامتناع عن تمجيد الرئيس و تعظيم شخصه، أن يتوقف إعلامها عن رصد مآثره و مزاياه، و أن يكف النظام العسكري فيها عن حصد أرواح الشعب و راحتهم لصالح روح الرئيس وراحته.. مهمة الرئيس و الجيش و الحكومة بأكملها هي توفير أفضل حياة ممكنة لكل مواطن في البلد، و ليس من المنطق أن تنقلب الحال فيصبح من واجب الشعب أن يتضايق لتتسع الشوارع لمواكب المسئولين، و على الجيش بالذات أن يتذكر دائمًا أن مهمته هي حماية المواطن و الوطن، أما حفظ الأمن الداخلي فله ألف طريقة و طريقة سلمية و فاعلة لا يهان بها المواطن و لا يعتدى عليه بالقوة.

و المهمة لا تبدو بسيطة أبدًا، و المسؤولية هنا ليست معلقة برقبة “مرسي” وحده، بل على الشعب المصري كلّه أن ينبذ كلّ مؤشرات العبودية للرئيس أو للحكومة، فلا يقبل بالإعلام التجاري الذي يصفّق للرئيس على كل شاردة و واردة، و يشعره بأن قيامه بواجباته الرئاسية هو فضل منه على الشعب المصري! و المثل يقول: لا شكر على واجب، لكن الصحافة النفاقية التي تحاول حجز مقاعد مصلحة في الحكومة الجديدة تصرّ على أن تطنطن بشكر الرئيس على أقل واجباته، و إذا كان بيغوفيتش قد قال للمصلين لمّا أفسحوا له في المسجد ليصل إلى الصف الأول رغم أنه جاء متأخرًا: هكذا تصنعون طغاتكم. فالأولى أن يقولها مرسي لجموع المنافقين من حوله!. هذا الإنبهار الذي يبديه الإعلام المصري و يتابعه بحماسة رجل الشارع البسيط يدلّ على خلل عميق في الثقافة العربية، فعلى عكس المفترض.. لا يستنكر العرب تقصير المسئول في واجباته إنما يبهرهم الشخص الذي يؤدي واجبه بالشكل المطلوب منه! لذلك لم يستنكر إعلامنا المنافق تخاذل المسئولين في جدّة حين قتلت السيول البشر، و لذلك أيضًا لازال الشعب السعودي يطالب بـ”إقالة” المسئول المقصّر بدلًا من أن يطالب بمعاقبته، إذ يبدو التقصير في أداء الواجب مألوفًا جدًا بالنسبة لنا.

Continue reading →

إعادة نظر

معروفٌ أن اليوم الواحد فيه أربع وعشرون ساعة، والساعة الثانية عشرة صباحًا (وهي تأتي ليلاً في الحقيقة) هي بداية اليوم الجديد، والفجر هي الصلاة الأولى في كل يوم، ونبدأ سنة جديدة بعد مرور ثلاث مئة وخمسة وستون يومًا من الآن، وهكذا نعرف الزمن واعتدنا على سيره بهذه الطريقة. مع طرح اسئلة أكثر دقة تتعلق بالثواني وأجزائها سنجد أننا نقع في عدة مشاكل بالنسبة لما اعتدنا عليه، على سبيل المثال: لو كانت الساعة الآن 11:59 ومرّت ستون ثانية بعد الدقيقة التاسعة والخمسين، هل سننتقل مباشرة لليوم الجديد؟ ماذا لو أن أجزاء الثانية الأخيرة من ضمن الدقيقة الأخيرة لم تمر؟ في أي يوم سنكون؟ هل لهذه الأجزاء الصغيرة اعتبار؟ لماذا يتم الاعتبار أصلاً بحسب الساعة الثانية عشر؟ من وضع لنا كل هذه القوانين؟ هذا ما سأتطرّق له خلال هذا الموضوع.

في الماضي كانت حركة الشمس الظاهرية هي المقياس للناس في تحديد الأيام، ونعني بها (الشروق والزوال والغروب) ومع التطورات التي مرّت بها البشرية على وجه العموم، والتي مرّت بها عقولنا في طريقة فهمها للزمن تغيّرت المعايير واختلّت بعض الأمور واستقامت أخرى وكل ذلك مع وجود الآلات (من ساعة و أسطرلاب وغيرها) ومع مزيد من التطورات المتقدّمة قسّم الفلكيّون الأيام لساعات وجعلوا لكل يوم بداية ونهاية عند الثانية عشرة، واخترعوا الثانية، وأوجدوا لها أجزاءً، وربما أجزاء من الأجزاء، وهكذا، وليس في هذا التقسيم أي حكمة سوى التنظيم؛ إذًا لو أراد كل شخص تنظيم حياته بطريقه مختلفة عن الآخر فهذا ممكن، إذ لا أحد يملك زمن الآخر، وعليه فالتقاويم التي وُضعت وضعت بطرق مختلفة أيضًا، منها ما يكون طول السنة فيها 365.2422 مثل التقويم الجريجوري، ومنها ما يكون 365.25 يوم كما في اليولياني، و365 يوم في التقويم المصري، لكن ثمّة مشكلة كانت تظهر في الأول والثاني، وهو وجود الكسر، إذا لا يمكن أن يكون لدينا نصف يوم فقط ثم تأتي السنة التالية، أما في الثالث فمع أنه لا يوجد كسر، يوجد فرق زمني يصحح نفسه كل 1460 سنة، وهو بسبب اعتماد المصريين في ضبط التقاويم على رصد ظاهرة الشروق الاحتراقي للشعرى اليمانية (اسم نجم) وهو شروق الشعرى قبل شروق الشمس بمدة قصيرة. مع مزيد من الحسابات في التقويم الجريجوري وصل الفلكيون إلى أن زيادة تحدث كل عشرة آلاف سنة مقدارها ثلاثة أيام، السؤال هنا، هذه الثلاث الأيام في أي سنة تُوضع؟ الفلكيون بكل بساطة قاموا بتقسيمها على الأيام الموجودة أصلاً في السنوات هذه، وهذا هو سبب أن بعض الشهور الميلادية طولها ثمانية وعشرين يوم وبعضها تسع وعشرون، وبعض السنوات كبيسة وبعضها بسيطة، نخرج من هذه التفاصيل إلى قاعدة بسيطة، التقسيم الذي عرفناه ليس تقسيمًا دقيقًا متساويًا كما نظن، وما هو إلا تنظيم للزمن لنستطيع التعامل معه وحسابه.

نحنُ كمسلمين يجدر بنا أن يكون لنا تقسيم خاص نرتّب به ما يخصنا من العبادات دون غيرنا من صيام وصلاة وأيام حُرم، صحيح أن لنا تقويم هجري نتعامل به في بدايات الشهور ونهاياتها، لكن Continue reading →

المرأة، المتن والهامش

20111104-093307 PM.jpg

لا زالت الثقافة تمارس دورها التهميشي للمرأة وبمباركة أولية منها. هذه المباركة تتخذ أشكالًا عدة لعل أسوأها ذاك المتمثل في نضالها الموسوم بـ”قضية المرأة”. فمجرد ارتباط وجودها وفعالية هذا الوجود بكلمة مثل قضية، يعني أننا أمام أزمةٍ تقول بأن المرأة كائنٌ مزعجٌ للحضارة ومجتمعها التقدمي، تمامًا كأي قضية سيئة نحاول تخليص البشرية منها. لهذا وبدل أن تستجدي الرجل والثقافة الذكورية حل معضلتها التي نزلت بهم وإعادة متنها المسلوب، عليها الاهتمام بذاتها وما تطمح إليه هذه الذات. وإلا ستنتهي بها وصايا هؤلاء إلى تحويلها لكائن آخر (رجل أو آلة) أي سلبها قيمها الأنثوية والإنسانية.

ولا شيء يسلب المرأة قيمتها كأنثى وقيمها كإنسان فاعل له حرية التفكير والتقرير، غير رضاها بدور الرجل السلطوي في حياتها. وهو دور يمكن تفاديه، لو أن المرأة أدركت أهمية الانتقال من تجاهل أمر قضيتها لأمر تفعيل وجودها. إلا أن فشل الأنثى في التعبير والتأثير كان الدافع الأقوى لاحتلال الرجل كل هذه المساحات في حياتها وفرض قوانينه عليها وجعلها مجرد هامشٍ على هذه المساحة. وفي هذه المساحة الهامشية تقف المرأة أمام ثلاث خيارات: الرضا بهذا الهامش، بناء مساحة خاصة مصبوغة بالتمرد السطحي مما ينقل الحياة مع الرجل لمرحلة المعارك بين هذه المساحات وقوانينهما، والثالث هو أن تستعيد مساحتها المسلوبة وتعيش عليها وفق شروطها هي.

لكن المرأة ما إن تبدأ باستعادة هذه المساحة/المتن والعيش عليها، حتى ترتكب أفظع أخطائها على الإطلاق: الاكتفاء بالتعبير والمطالبة بفعل الكلام! بحيث يتجاوز عدد الناشطات والحقوقيات، عدد الفاعلات وتكتظ الصحف وصفحات الإنترنت بكلام لنساء وفتيات “قاعدات”. وعلاوةً على الصورة السلبية التي ينقلها هذا الخطأ، نجد أنه ينضوي على خطأٍ أكبر حيث يحمل هذا التصرف اعترافًا بفوقية الرجل وتغدو المرأة مجرد كائن يطالبه بإرجاع حقوقه. وهذه المطالبة رغم أشكالها العديدة، إلا أننا نستطيع تلمس ملامح فارقة فيها وهي ملامح تعطي صورة نمطية عن الناشطات والحقوقيات بل وحتى أي أنثى رافضة لهذا التهميش الذي يقع عليها. هذه الصورة تتسم بنقطتين كلتاهما تحكيان ارتباط المرأة بثقافتها المحلية: التمرد والانتماء. ولو أردنا توضيح هذه النقطة من ناحية سعودية فلنا أن نرى إصرارها على الخروج عن النمط العام لمجرد أنه نمط ارتبط بالسلطة الذكورية. وهي من جهة أخرى تصر على انتمائها لهذا النمط وثقافته السائدة وتعلن أنها “بنت البلد” لتثبت أن هذه آراؤها الخاصة والتي لم تتدخل فيها الأيدي الخارجية! وهاتان السمتان متكررتان في الثقافات الأخرى مع فارق الشكل، مما ينبي بوجود أزمة إطار عام وافتقار للمنطلق الراسخ. وغني عن القول أن ضعف المنطلقات يؤدي لضعف الأفكار المنبثقة عنها ولهذا يبحث المرء تلقائيًا عن أرضية صلبة ينطلق منها.

والسؤال الذي جرني لكتابة الموضوع هو هل يشكل الإسلام المنطلق المناسب بقوته وصحته؟! وهو سؤال لا يقتضي اللجوء للإمام، بل إن إجابته سابقة للفقه. فهو سؤالٌ يبحث في أصل رؤية القرآن للمرأة وطبيعة دورها على الأرض. فهل تحظى المرأة بتقدير الرؤية القرآنية؟ وهل يعطيها الإسلام متنها غير منقوص؟
Continue reading →

مع ميسي، درسٌ في الانتماء

20110923-044403.jpg

قبل فترة كنت في الحرم النبوي وفي الساحة تحديدًا سمعت صبيًا لا يتجاوز السبع سنوات يقول لوالده: “ميسي لعّيب يا رجل” ذهبا في اتجاه معاكس لسيري وبقيت أفكر في ثلاثتهم: الصبي، ميسي والانتماءات الضائعة! حاولت أن أبعد عن ذهني فكرة ضياع الانتماءات والتكون الجديد لها، لكن حصل موقف أقوى في دلالته من الذي سمعته؛ فإذا فهمنا أن الحرم هو المكان الأقدس لأداء العبادة وأخذنا بعين الاعتبار أنهما تحدثا عن ميسي وقت خروجهما من الحرم أي وقت الانتهاء المجازي من أداء شعيرة دينية واستقبال صخب الحياة واستطعت ألا أحمّل الأمر أكثر مما يحتمل، فإن الموقف الثاني -في هيكله الخارجي- على نقيض الأول تمامًا.

في المرة الثانية حصل تمثيل الانتماء بطريقة يتوازى فيها المقدس الموروث مع المبدأ الجديد، حيث يحتل كلا الطرفين قيمة عليا في تكوين الفرد وصهره في جماعة أكبر تدين بالولاء والانتماء لهذين الطرفين. في رمضان الماضي شاهدت برنامجًا تلفزيونيًا على محطة الفرات العراقية، يهدف لمساعدة الأسر التي تعيش تحت ظروف صعبة ويقدم لهم المعونات بطريقة إنسانية؛ حيث يقدمون لهم وجبة إفطار بالمشاركة مع فريق عمل البرنامج. في تلك الحلقة، كانت الأسرة تعيش بمنطقة صحراوية منعزلة، داخل منزل طيني متواضع. وبطبيعة الحال كان المنزل مؤثثًا بطريقة بسيطة جدًا. أثناء تجول المذيعة، وقفت كاميرا المخرج على ملصق كبير يعرض بورتريه تخيلي للحسن والحسين عليهما السلام. قوة الانتماء هذه وسط الظروف التي يمر بها العراقيون وهذه الأسرة تحديدًا، كانت دليلًا على تجذر المبدأ بداخلهم وتغلبه على كل شيء يحاول تهديده. وقتها سبحت في التفكير بلحظة تركهم لمنزلهم الأول قبل الظروف التي أجبرتهم على تركه وغرقت أكثر في اللحظة التي بحثوا فيها عن هذه الملصقات وعن عنايتهم بها طوال الطريق حتى استقر بها الحال على ما هي عليه. لم يعكر صفو هذا التأمل سوى ملصق آخر وضع بجانب الأول وعليه صورة لفريق كرة قدم عالمي!
Continue reading →

علة الطفولة العربية

من يحاول عزل أطفاله عن هذا الانفتاح العالمي لا يفعل أكثر من حجب الشمس بغربال ورغم استهلاكية هذا التشبيه إلا أني أجدني مدفوعةً إليه لما يحمله كل من الغلاف الجوي، الأرض والشمس من مضامين. فحينما تجد من يدافع باستماتة عن ضرورة انفتاح الأطفال على الثقافات الأخرى، ثق تمامًا بوجود التطرف على الجهة الأخرى: من يعزل أطفاله تمامًا عن عوالم الآخرين وبينهما تضيع حقائق كان الأجدر بها أن تحظى بقبول جماهيري ولو حتى بأن تطرح للمناقشة. بين طرفي النقيض نجد أن سبب النزاع هو تغير الأدوات التي تساهم في بناء الطفل. وبالبنسبة لي، لا أجد فرقًا بين جلوس الطفل اليوم أمام شاشة التلفاز وبين جلوسه أمس أمام مسرح الدمى؛ فمالفرق بينهما سوى فرق طبيعي يحدثه عبور الزمان وتقدمه المستمر وهذا العمق التقني الذي يضرب في صميمه. هذا الزمان الذي ينسب إليه الطرفان فوارق مصطنعة بين الجلوسين؛ إذ يظن أحدهما أن تقدم الزمن وما يجلبه من مستجدات هو سبب تآكل العلاقات بين الأطفال وبين العالم وهو ذاته سبب ميلهم للكسل وقلة نشاطهم وهو وحده من حرمهم لذة المعرفة وبراءة السؤال! في حين يرى الآخر أنه وحده منقذ الأطفال من رجعية الأمة التي عانت منها لقرون. لكننا وبقليل من الإنصاف سنجد أنه ليس سبب التأخر الذي يعاني منه الطفل العربي فهذه المستجدات لا تسبب الضرر من تلقاء نفسها؛ أي أن علة الطفولة العربية لا تتعلق بالتلفاز وألعاب الفيديو بقدر ما تتعلق بصناعة هذه الأدوات وبالبيئة التي تتواجد هي و الطفل فيها: الأسرة، المجتمع، المدرسة. وبالتالي لا مجال للامتعاض من تعامل الأطفال مع مستجدات العصر وإنما يكون الامتعاض وتتوجه الأنظار بالنقد والتحليل لهذا السياق الذي توضع فيه أطروحات هذه المستجدات والتي تتعلق كما ذكرت بصناعة الأدوات وببيئة تفعيلها. بهذه المقدمة أريد أن أصل بالقارئ لضرورة استغلال الانفتاح من جهة وضرورة تجنب أخطاره من جهة أخرى ولن يتسنى لنا هذا الاستغلال مالم نتجه بأنظارنا نحو فهم العلة الحقيقية وفهم العثرات التي نكررها ونظن مع كل تكرار أننا على مشارف الحل.

لنقف على عثراتنا في إصلاح ما أفسدناه، نحن بحاجة لنعرف أولًا وبتفصيل نوع الفساد الذي يحدث وأن نفهم المنطلقات الفكرية لإصلاحه وإلا فستفشل كل محاولاتنا في النهضة بالطفولة وربما تضر أكثر مما تنفع كما سأناقش هنا. مبدئيًا يلحظ المتأمل في وضع الطفل العربي افتقاره لأمر جوهري، إنه يفتقر للهوية وكأن شيئًا ما سحبها منه وبطبيعة الحال، فإن هذا السحب تم أولًا عبر التغلغل لوعي الطفل ومن ثم تحديد مساره مما سهل المهمة وأغراها بالمضي قدمًا نحو الخطوة الأخيرة: استبدال الهوية وهذه بالضبط سبب صعوبة التواصل أو انعدامه بين جيل المربين سواء في الأسر أو المؤسسات التربوية وبين هؤلاء الأطفال حتى بات كل صنف لغته الخاصة مما يستحيل معها حصول التفاهم، ناهيك عن الإصلاح. وأنا إذ أتحدث هنا عن الهوية فلا أقصد بها سوى الثقافة من منظور مالك بن نبي. فالثقافة حسب نظريته النهضوية هي: “أسلوب حياة، الأسلوب المشترك لمجتمع بأكمله من علمائه إلى فلاحيه” وأفهمها أنا على أنها اسم آخر للهوية. وبما أنني بدأت الحديث عن عالم مفتوح ساهم كل من الإنترنت والتلفاز في إلغاء حدوده، فليس من المنطقي أن أتحدث عن ثقافة سعودية وأخرى مصرية وثالثة مغربية وما في هذه الدول من خلفيات سياسية واقتصادية تحدد المستوى التعليمي والتربية الأسرية وحتى الديانة وإنما سأتطرق فقط للثقافة العربية المشتركة، أي الإطار العام لهذه الثقافة وما يحتله كل من التاريخ واللغة في تشكيل هذا الإطار. هذا الإطار الذي أرى أن افتقاده هو جوهر علة الطفولة العربية. ولتكوينه علينا العناية بأربعة عناصر كما يراها مالك في نظريته:

  • العنصر الأول: التوجيه الأخلاقي ويعني به تفعيل الأخلاق في الواقع مما يساهم في إنشاء “عالم علاقات” مبني على أساس صلب وبالتالي مؤهل للمهمة التاريخية.
  • العنصر الثاني: الذوق الجمالي باعتباره المحرك الأول لتكوين الأفكار التي تُبنى عليها الأعمال فكلما حسنت الصور تحسّن التصور ومعه العمل.
  • العنصر الثالث: المنطق العملي والذي يعده بن نبي أهم ما نفتقر إليه في زحمة التنظير الأجوف الذي نعانيه.
  • العنصر الرابع: التوجيه الفني “الصناعة” وهي التي تشكل ما سبق وتجعل منه ثقافة ملموسة ومُعاشة باعتبار أن ما سبق يعد مفاهيم معنوية أكثر من كونه مظاهر مادية ووسائل صناعة. هذا العنصر يشتمل على جميع أنواع الفن، المهن والعلوم.

Continue reading →