رسائل إلى جامعي شاب

 جامعة القرويين
بما أني تخرجت حديثًا وبما أني أقرأ حاليًا: رسائل إلى روائي شاب، -وهو كتاب ممل بالمناسبة- فقد قررت أن أقوم بتحوير عنوان يوسا ليتماشى مع الرسائل الصغيرة التي أود كتابتها والتي لم يخطط لها أن ترسل إلى شخص معين -مثلما هو الأمر مع يوسا، ربما!-.

أين تذهب تلك الحياة التي عشناها وانتهت؟ في أفضل الأحوال سنحاول الاستعانة بالتقنية لرصدها وحفظها من خلال الكاميرا. تنجح التقنية في نقل ما سجلته كما هو، لا تفوتها أي لحظة، ولا تغفل أي تعبير من تعابير الوجه البسيطة، بل إنها تتعقب حتى الارتفاع والانخفاض في مستوى التنفس؛ تقوم الكاميرا بأعظم مما تقوم به الذاكرة: إنها تحفظ كل شيء وتسترجع كل ما حفظته بتدخل بسيط من الإنسان، لكن يفوتها أهم شيء: تلك الخبرة التي تتكون في كل مرة يتذكر فيها الإنسان مشهدًا من مشاهد الحياة الماضية رابطًا إياه بما يحدث له الآن، مرتكزًا عليه في استشرافه للمستقبل. ولأن الخبرة، تستعصي على التصوير، فأنا ألجأ لحيلة أخرى: الكتابة.

هذه الرسائل التي خلصت إليها حتى الآن وأنا أسترجع خمس سنوات في الجامعة: Continue reading →

هيبة التغيير

“ليس من روح الاسلام أن يجمد المؤمن على عادة موروثة لأنها عادة موروثة وليس من روحه أن يرفض عادة جديدة لأنها عادة جديدة”                                                                                                        عباس محمود العقاد

منذ أن جاء الإسلام ديانة ثورية (التوحيد) وسط مجتمع تقليدي و مشرك (وجدنا آبائنا لها عابدون) ، استلهم المسلمون فكرة التخلص من الرواسب الفكرية الموروثة لتجديد نمط الحياة و صناعة الحضارة بالتغيير و الاختراع، لا بالتكرار و المعاودة. فكان مفهوم عمارة الأرض في أذهان رواد الحضارة الإسلامية هو الوصول إلى أفضل ما يمكن في حماية/ رعاية الإنسان و بيئته (وفي كل كبد رطبة أجر) و التركيز على كل ما يمكن تطويره أو تجديده أو تغييره للأفضل من أدوات عملية أو مفاهيم نظرية، تصل جميعها آخر الأمر إلى نقطة تلاقي تصب في كف كل إنسان يستحق لإنسانيته أن يحيا حياة أفضل.

فمنذ بدايتها في -المجتمع الجاهلي- ثارت الحضارة الإسلامية على كل الثوابت و التقاليد الجاهلية المتوارثة، و لاحظوا أننا هنا نحكي عن ثورة على موروث! و لكي نستوعب حجم التغيير الذي أحدثه الإسلام في المجتمعات التي نهض بها؛ علينا أن نتخيل حجم الممانعة و الرفض الصادرة عن المجتمع الذي اعتاد على عادات و تخدرت ذهنيته تجاهها حتّى ما عاد يميز بين صحيحها و خاطئها، و تجربة القرود تبرهن على أن عقلية الجماهير لا منطقية! فالمجتمع يأخذه الحماس لنبذ غير المألوف، و كل من يخالف المألوف مهاجم و مرفوض في مجتمعه، و لهذا لم تكن رسالة الكريم محمد عليه الصلاة و السلام مقبولة و مرحب بها في المجتمع الجاهلي، و كذلك باقي الرسالات التي جاء بها بقية رسل الله الكرام.

و كمقدمة للحديث عن التغيير، مهمٌ أن نذكر حقيقة أن التغيير كفعل ليس إيجابيًا على الدوام، بل هناك نوع من التغيير السلبي و هناك نواقص و عيوب تشوّه التغيير الإيجابي إن حصل، و مادام التغيير فعلٌ بشري فهو و لا بد محتاج إلى تعديل و مراجعة مستمرة تحيله آخر الأمر إلى قديم و تنقضه بتغيير آخر ( والتغيير الإلهي عبر النبوة و الرسالات كامل بلا شك، و لا ينطبق عليه النقص الذي نتحدث عنه هنا)، و البشرية مستمرة في نقض العادات القديمة و إبدالها بعادات جديدة إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.

و لأن الإنسان كائن متكيف، فهو غالبًا ما يتكيف مع نواقص حضارته حتى لا يعود يشعر بها، و إن عاد الإنسان إلى اللحظة التي انبثقت فيها تلك العادات التي شكلت حضارته و راقب التوتر الذي أربك الناس حين استحداثها فهو غالبًا ما يتعجّب و يستنكر هلعهم مما اعتاده، متجاهلًا حقيقة أنهم تعاملوا مع عاداته كمتغيرات! و فرقٌ كبير بين العادة و المتغيّر.

 و مع أننا اليوم في زمن تسارعت فيه وتيرة التغيير إلا أننا لم نتخلَ بعد عن الهوس القديم بالتقليد و الثبات على نمط محدد، و لا زالنا رهائن خوفنا من التغيير مطمئنين إلى المعتاد و القديم حتى و إن بدت لنا في الجديد مزايا لا يمكن التفريط بها! فستشتعل النسقية و التقليدية في نفوسنا و تنبهنا إلى العيوب الصغيرة و غير الملحوظة في هذا الجديد و تضخمها لنا، و لأن الإنسان بطبعه خوّاف من المجهول؛ فسيفضل البقاء على النمط التقليدي بأدواته القديمة محافظًا على شعوره بالأمان النفسي مقابل ابتعاده عن المجهول، متنازلًا عن المزايا الضخمة التي قد يحوزها من ذلك التغيير الذي يخشاه.

وهنا يجيء السؤال؛ هل يمكن أن يكون خوف الإنسان الفطريّ من التبديل و التغيير إيجابيًا؟

Continue reading →

القمع الجديد في الإعلام الجديد

منذ أن كنّا أطفالًا صغارًا و نحن نقرأ الأدب يرثي الحرية المسلوبة للفكر و التعبير، حتى كبرنا و لازال الشعب العربي يناضل من خليجه إلى المحيط لينال حقوقه وعلى رأسها حرية التعبير و الاعتقاد، و كم قرأنا في أدبيات المناضلين العرب للحرية سخطهم من الطاغية العربيّ الذي يحرّم حق الكلام و يجرّم مخالفيه.

وطبعًا، لأن حرية التعبير حقّ مسلوب منذ اليوم الذي استبد فيه الحاكم و حرّم مخالفته حتى على مستوى القناعات الدينية (و قصة أحمد بن حنبل في فتنة القول بخلق القرآن معروفة!)، و لأن نيل الحقوق بعد طول حرمان يصنع داخل الإنسان سعادة مجنونة، فقد قدّس أغلب المثقفين العرب شبكات التواصل الاجتماعية التي تركت لهم متنفسًا يمارسون فيه نوعًا من حرية التعبير، و من يتابع ساحة النشر الإلكتروني _بدءًا بالمدونات وصولًا إلى تويتر_ يدرك أن أهم سبب يجعلها وسائل نشر ثورية أنها وسائل تعبير حرّة لا تخضع لرقيب، أما السبب الثاني في الأهمية؛ فهو أنها وسائل عامّة لكل من تقع أصابعه على لوحة المفاتيح، فإن كنت بروفيسور في أصعب التخصصات العلمية، لن تنال امتيازات تفوق بكثير تلك التي سينالها خريج الإبتدائية في عالم النشر الإلكتروني. و هذه الأسباب هي التي جعلت رواد الإعلام الجديد ينتفضون في حرب جدّية ضد جمال خاشقجي (حين كان مديرًا لتحرير صحيفة الوطن) لأنه زعم بأن صحيفته إذ لا تخشى الإعلام الجديد فلأنها الإعلام الجديد!

إلى هنا تبدو الصورة جميلة و مشرقة، لكنها سرعان ما تنقلب حين ندرك أن أبطال الدفاع عن حرية التعبير في وسائل النشر الإلكتروني/ الإعلام الجديد هم أنفسهم أبطال معارك الهجوم على مخالفيهم ممن يمارسون حريتهم في التعبير عن آرائهم في الإعلام الجديد! إذ شنّت مجموعة من الأشخاص حربًا كتابية ضد راشد الجلعود الذي مارس حريته في التعبير عن أفكاره:

Continue reading →

منعطفات في حياتي

تكمن قوة المعرفة في أنها تحميك من الوقوع في إحراج أمام نفسك كلما بادرت بالحديث. بالنسبة لي، الكتابة -غير الأدبية- أي في مدونتي وأوراقي الخاصة هي نوع من ترتيب الذات وإنعاش الروح. إذ أنه وبعد كم من القراءة والغوص المعرفي –مهما بلغت بساطته-، بعد الجدالات مع الآخرين، ونشرة أخبار التاسعة، بعد المذاكرة وبعثرة الأفكار على الأوراق والأجهزة، بعد انتعاش الحاسة النقدية وإزعاج الآخرين، بعد مواقف الحياة في الحافلة والشارع والمدرسة. أجد أني أحمل كومة أفكار وآراء، اعتراضات شاطحة وتأييدات مزعجة. كيف لي أن أعرف فيم إن كانت تستحق الإيمان أم لا؟ وفيم إن كنت مخطئة عندما اخترتها لي؟ بهذا أجد ألا شيء يعيد ترتيب النفس وتعرية الأفكار وتجريد المواقف مثل الكتابة.

هذا الصيف، خططت لكتابة العديد من التدوينات، لكني كنت أواجه أزمة متى ما بدأت الكتابة: أملك فكرة موحدة للموضوع الواحد وأستطيع اختيار اللغة المناسبة لكل موضوع (قد يسيء القارئ فهمها!) أستمتع بترتيب الأفكار وسلسلتها المنطقية وإيجاد العلاقات فيما بينها. لكن كل هذه المهارات تبدو أدبية جدًا ولا تجدي وحدها في كتابة تدوينة لإحدى مسوداتي العشرين! فأي خيبة تضعنا الحياة بإزائها ونحن نهم بالكتابة لنكتشف أننا مفتقرون للمعلومة! لا أقصد المعلومات التي نصل إليها عند البحث عبر محركات البحث أو ويكيبيديا، بل تلك التي تتطلب كتابًا وسيرة ذاتية وملف اقتباسات وملاحظات، وربما يصل الأمر لفيلم وثائقي. قد لا يحتاج القارئ لكل ما سبق، بقدر حاجة الكاتب للثقة أثناء الكتابة باستناده لرصيد جيد من المعلومات وأنه يعرف ما يقول بالضبط. ما تفعله المعرفة ببساطة، هو أنها تنتشلك من الوضع المزعج: إحراج نفسك أمام نفسك كلما هممت بالحديث!

لهذا السبب قررت أن تدوينتي ستكون عن المعرفة نفسها وحول بعض المواقف التي شكلت انعطافات في مسيرتي القرائية، على الأقل فتوفر المعلومات يجعلني أكثر استعدادًا للتدوين حوله. بدأت الحكاية من قبل المدرسة، حين كنت أرى أن القراءة والكتابة معجزتان تمنحان للكبار فقط. ومن باب رفض هذه الفكرة كونت الكثير من الرموز والتي تحمل دلالات محددة عندي وكتبت بها بعض القصص التي ما إن أعرضها على أمي حتى تمتدح ما فعلت. لكن المحرج في الأمر أنها كلما قرأت واحدة منها، خرجت بنص مختلف عن الذي كتبته؛ ومن ثم أصاب بالإحباط! في الحقيقة كان هذا الدرس الأول الذي علي حفظه.

بعدها، قررت والدتي أن تعلمني الأبجدية وبفضلها صرت أتقن القراءة والكتابة قبل المدرسة. حينها، كنت أستمتع بقراءة لوحات السيارات والتي بقدر ما كانت صادمة لي إلا أنها هيأتني بشكل جيد لتقبل الدرس الثاني. وكانت المتعة تبلغ ذروتها حين تظهر سيارة ما تحمل حروفًا مكونة لكلمة حقيقية! فحينها لا أكتفي بالقراءة وإنما أجمع هذه الحروف مع مواصفات سياراتها ومن ثم أدون كل هذه الملاحظات؛ فسيارات تحمل معان قابلة للقراءة هي بلا شك تستحق وقفة.
Continue reading →