سلطة العلم

منشور في صحيفة التقرير 28 أغسطس 2014

بعد أن خرجت معامل العلماء و مختبراتهم بالعديد من المنتجات و التطبيقات النافعة و الفاعلة، حاز العلم التجريبي على ثقة معظم الناس وآمنوا به باعتباره الوسيلة الأصدق للوصول إلى الحقيقة. فلا المعرفة الموروثة شعبيًا و لا المعتقدات الدينية و لا غيرهم من المعارف كانت قادرة على منافسة العلم في منزلته التي احتلها في العصر الحديث، بل إن هذه المعارف اضطرت للوقوف في موقف التقييم والاختبار تحت عين العلم التجريبي ليثبتها فتتأكد مكانتها أو ينفيها ويرفضها فتنهار قيمتها، و ليس لأحد أن يرفض رأي العلم أو ينتقده، لأن العلم في نظر معظم الناس يعني الحقيقة. وهكذا ظهرت سلطة العلم، فهل يستحق العلم هذه السلطة؟

خلال هذا المقال سأستعرض ثلاثة محاور رئيسية لأجيب على هذا التساؤل: أولًا ما هي مبررات سلطة العلم؟ ثانيًا هل هناك ما ينقض هذه السلطة؟ ثالثًا ما هي الفلسفات الحديثة التي تفسر العلم وما موقفها من سلطته.

تستند سلطة العلم على ركيزتين أساسيتين: الأولى أنه كما سبقت الاشارة، استطاع أن يثبت جدواه ومنفعته بالتطبيقات العملية التي ينتجها وفي جميع المجالات، فقدرة العلم على توقّع الكوارث البيئية وتقديم العلاجات الشافية وصناعة الأسلحة المدمرة تمنحه الثقة. أما الركيزة الثانية فأنه قد بني أساسًا على منهج يستحق الثقة. وهو منهج الاستقراء الموضوعي الذي يعتمد على التجربة والملاحظة، فيمكن لأي شخص أن يستخدم حواسه ليثبت صحة التجربة العلمية. فالعلم موضوعي، والبعد الذاتي والشخصي ليس له دور فيه. و ليس كافيًا في منهج العلم أن تثبت الملاحظة/التجربة مرة واحدة لنبني عليها معرفة علمية، إذ لا بد أن تخضع أولًا لشرطين صارمين: أن تتكرر لعدد كبير من المرات، وفي ظروف متنوعة. فمثلًا، لا يكفي أن نلاحظ لمرة واحدة أن التفاعل الذي يحدث بين حمض وقاعدة سيعطي ملحًا وماءً، بل يجب أن نكرر التجربة لمرات كثيرة و في ظروف مختلفة – كتغيير درجة الحرارة وتركيز المواد- ونحصل على نفس النتيجة في كل مرة، عندها يمكننا القول بأننا “نستنتج علميًا” أن (كل تفاعل كيميائي يحدث بين حمض وقاعدة سينتج عنه ملحًا و ماءً). فطالما استطاع العلم أن يثبت فاعليته، و طالما أنه قد بني على أساس منهج موضوعي صارم، فهو أهل لأن يحوز على تلك السلطة، هكذا يبرر المؤيدون لسلطة العلم آراءهم.

Continue reading →

هل يمكن أن نسافر عبر الزمن؟

في عام 1895م نشر الكاتب الانجليزي هربرت ويلز رواية (آلة الزمن) الخيالية، والتي تتحدث عن باحث استطاع أن يصنع آلة عجيبة ويسافر عبرها للمستقبل البعيد للأرض. قبل هذه الرواية لم يكن مفهوم (السفر عبر الزمن) متداولًا بين الناس. أي أن أحدًا لم يفكر أن يسافر للمستقبل أو يعود للماضي قبل أن ينشر ويلز روايته التي صنفت كرواية خيال علمي!

اشتهرت الرواية و انتشرت فكرة (آلة الزمن) منذ ذاك الحين، لكنها ظلت فكرة خرافية ولم تتحول إلى نظرية مقبولة علميًا قبل عام 1915م، تحديدًا.. في العام الذي نشر فيه آينشتاين الورقة العلمية التي تضمنت ما يعرف بـ نظرية النسبية العامة، والتي أحدثت تغيرًا كبيرًا في إدراك البشر للمفاهيم الكونية كـ الزمن على سبيل المثال.

فببساطة شديدة، تفترض الفيزياء الكلاسيكية (فيزياء نيوتن- أو فيزياء ما قبل النسبية) أن الزمان ثابت كوني. فنيوتن لاحظ أن قياسات الزمن في تجاربه كانت لا تتأثر بالظروف المحيطة (على عكس الجاذبية مثلًا). و من هذا المنطلق كان الزمن هو الثابت الرئيسي في قوانين نيوتن للحركة و الجاذبية. لكن آينشتاين نقض هذا الافتراض حين أثبت بمعادلاته النسبية أن الزمن – كغيره- يتأثر بالظروف الفيزيائية و يؤثر عليها. و تحديدًا، فإن (الجاذبية) و (سرعة الحركة) هما العاملان اللذان يؤثران على الزمن، و بتعبير أوضح: فإنهما يؤثران على (سرعة مرور الزمن). إذ يمكن أن تزيد سرعة مرور الزمن أو تقل، بل و يمكن أن يتوقف الزمن تمامًا! فنصل إلى الخلود.

Continue reading →

أنا أفضل، أنا موجود

20120724 035023 AM أنا أفضِّل؛ أنا موجود

كثيرًا ما تردد الجماهير على اختلاف أشكالها ومقرات تجمعها بأننا نعيش اليوم ثورة في عالم الاتصالات سببها الإنترنت وأهم أدواتها الشبكات الاجتماعية. وكثيرًا ما يتردد مع هذه الآراء أن الشبكات منابر مفتوحة وأنها أماكن خصبة للتفاعل والتواصل البشري الفعال. لكن هل هي كذلك تمامًا؟ بمعنى أنها فعلًا قادرة على خلق عوالم من النقاش الحر والحديث المتواصل حول الكثير من القضايا الإنسانية مهما بدت بسيطة أو معقدة؟ ما أجزم به هو أن الإنترنت يمثل النمط الثقافي الأكبر في سطوته على مجتمعات القرن الواحد والعشرين وأنه رغم كل امتيازاته إلا أنه ينطوي على عيوب عميقة وفي كثير من الأحيان متخفية بأزياء مغرية جدًا. ولهذا نحن بحاجة لوقفات تأملية نفرز فيها المحتوى المستقبل من خلال الشبكات الاجتماعية -والإنترنت عمومًا- ونعيد النظر في آليات الإرسال والاستقبال.

ما جعلني أفكر بهذا الموضوع هو زر “Like” الذي توفره أغلب الشبكات الاجتماعية وفي بعض الأحيان يحمل اسمًا مختلفًا لا يغير من حقيقة وظيفته. وكون هذا الزر يتوفر على شبكة Goodreads التي توفر خيار التقييم بالنجمات أيضًا، أوقعني بحيرة كبيرة في شبكة يفترض فيها أن تكون مساحةً لتعدد الكتب والقراءات. وهكذا، كنت غالبًا ما أتجاهل التقييم بالنجمات لكتبي المقروءة أو الضغط على زر Like عند قراءة حالة أو مراجعة تعجبني لأنه زر غير قادر على عكس حقيقة تفاعلي مع المقروء على وجه الدقة .

مع الوقت بدأت أراقب حركتي التقييم والتفضيل على كل الشبكات الاجتماعية لأكتشف أن أرقام هذه الخيارات على اختلاف مسمياتها، تتجاوز بكثير التعليقات “اللسانية” للمستخدمين سواءً كان هذا التفاعل على تحديث كتابي عابر بإحدى الشبكات الاجتماعية، مقطع فيديو، صورة، أو حتى تدوينة مطولة. هذه الأرقام كانت بمثابة المبرهن على “خمول” مستخدم الشبكات الاجتماعية ورغبته الجامحة في المشاركة السريعة حتى فيما يخص رأيه الشخصي بما يستقبل. بعد أن رصدت سلبيات أخرى من خلال قراءة ما يدل عليه هذا المؤشر، وجدت أن زر اللايك يقول أكثر من مجرد خمول مستخدميه.

قبل فترة، قرأت دعاءً على صفحة أحدهم وذهلت عندما لاحظت أن كمية المعجبين أكبر من ضعف كمية المعلقين. وتساءلت: مالذي يعنيه أن تعجب بدعاء؟ هل أعجبتك بلاغته؟ عمقه؟ روحانيته؟ أم أن زر الإعجاب لا يعني الإعجاب تمامًا بقدر ما يعني تعاطف الشخص مع صاحب الدعاء؟ أم أنك تأثرت فأمّنت عند قراءته وتحركت يدك لا شعوريًا نحو زر اللايك لتجسيد هذا التأمين؟! هذا الدعاء يحمل الكثير ليقوله ومن المفترض بالقراء أن لديهم الأكثر لقوله أيضًا، لكن الواقع أن الأقل هو ما يظهر، فمالذي فعله زر اللايك في علاقاتنا بالضبط؟ تلك العلاقات التي تعبر عما ينشأ من ارتباط الإنسان بالآخر سواء كان هذا الآخر فردًا أم جماعة، كائنًا حيًا أم جماد، بل وحتى لو كان هذا الآخر هو الإنسان ذاته.

Continue reading →

ما يقوله تاريخ الترجمة للتقنية

20120720-034716 AM.jpg

لا تتجاوز فكرة ترجمة النصوص مسألة كونها إطلالة على معارف الآخرين بلغة مألوفة وبعيون لها خصوصيتها الثقافية، مما يسبب ارتباكًا لدى المتلقي ذي الثقافة المغايرة. هذا الارتباك يعد نقطة ارتكازية عند كثير من المترجمين واللغويين الذين يرجعون استحالة “تناسخ” النصوص إلى استحالة تطابق اللغات.

الترجمة مصطلح يقتحم الحقل التقني بوصفه معبرًا للمفاهيم والأفكار اللامتناهية التي ينتجها هذا الحقل، ورغم ما نعانيه عربيًا في هذه الناحية، إلا أن المعاناة لا تقف عند هذه النقطة فقط. فالترجمة بمفهومها العام لا تقتصر على النصوص بوصفها رموزًا لغوية قابلة للنقل عبر الأبجديات وإنما تصل حتى للأفكار المجسدة فتنقلها من بيئة إلى بيئة وعبر وسائط مختلفة.

في السياق نفسه، تقدم حكاية الترجمة التي نشطت في عصور النهضة العربية -والتي بلغت أوجها في عهد المأمون- درسًا مهمًا للتقنيين يثري بدوره عملية تعريب المشاريع الأجنبية أو تقليدها، حيث يكون التقليد اسمًا آخر للترجمة، تُستبدل فيه الرموز اللغوية بالخصائص والتقنيات والأفكار مع إضافة بصمات مميزة تقيها الوقوع في فخ الاستنساخ.

حكاية الترجمة العربية تحمل في جوفها أنواعًا للترجمة لا تزال تمارس حتى اليوم وعلى نطاقات واسعة. لنقف على أنواع الترجمة الثلاث:

  • ترجمة حرفية وهي ترجمة عبثية لا تنقل المعنى ولا تحقق غاية الترجمة
  • ترجمة بالمفهوم، بحيث يعمد المترجم لقراءة صفحة ثم يترجمها حسب فهمه، وهنا إما أن يحدث خطأ نتيجة إساءة فهم للنص الأصلي وإما أن يضيف المترجم معلومات وأفكار من خلفيته المعرفية والثقافية انطلاقًا من فهمه للنص
  • ترجمة جملة بجملة، فبعد أن تتم قراءة الجملة وفهمها تتم عملية الترجمة حسب المعنى

وبالطبع تطورت الترجمة في تلك العصور لتمتزج بعملية التنقيح حيث تم تصحيح كثير من المعلومات والتصورات المغلوطة في النصوص المعدة للترجمة وهذا يرجع لكون كثير من المترجمين موسوعيين بالأصل. ومن النقاط الملفتة في هذا المجال هي كون كثير من العلوم والمعارف التي تمت ترجمتها تمت بسبب حاجة المسلمين في تلك العصور إلى المعرفة وهي حاجة كادت أن تصل ببعضهم لمشارف الموت والهلاك.

انتهى درس التاريخ، كيف نستفيد منه في عالم التقنية؟

الدرس ينطوي على ملاحظات وخبرات قيمة نحتاج لفحصها وتأملها بدقة وهذه محاولة أولية لإيجاز النقاط التي لاحظتها ولا بد أن التاريخ يملك الكثير لقوله وبتفاصيل أكثر إدهاشًا.

Continue reading →

التقنية، أزمة تعليم وتعلم

20120223-020028 AM.jpg

ما زلت أتذكر استشارة من فتاة مقبلة على تخصص الحاسب وهي تريد ملخصًا عنه لتقرر فيما إن كانت ستدرس الحاسب أم الكيمياء الحيوية. أجبتها بحماسة وجدية بأن الحاسب يتطلب الهدوء والتركيز والتفكير التحليلي، وذكرت لها ارتباطه بالمنطق والفلسفة ونسيت فيما إن كنت حدثتها عن العقلية النقدية أم لا. طبعًا آثرت السلامة واختارت الكيمياء! مر زمن على هذا الموقف وما زلت سعيدة بأني تحدثت لها عن حقيقة التخصص كما أفهمه وأحبه، لا كما يتم تدريسه وتخريج الطلاب منه.

أن تنتمي للحقل التقني يعني ببساطة أن تعايش أغرب النماذج البشرية في مفاهيمها. هذه الغرابة تجرك لفهم أسباب الأخطاء التي تقع وتتكرر في هذا الحقل أو بالأصح في المجال التعليمي منه. فتخصص الحاسب بجميع أقسامه، يساعدك على تجربة عيش مختلفة مع صنفين غريبين: الأول اختار التخصص بدون رغبة حقيقية والآخر اختاره راضيًا، لتجد الصنفين -بعد فترة من الدراسة- يعانيان منها، وسبب هذه المعاناة يرجع لخطأ في مفاهيمهم حول طبيعة العلم ومواده. وإن لم تدرك بعد أن سبب هذا الخطأ يعود للمؤسسة التعليمية، فلا بد أن أشير لوجود صنف ثالث أشد غرابة من سابقيه: عدد هائل من الطلاب المتفوقين دراسيًا، والذين يكرهون التخصص جملةً وتفصيلًا! دراستي للحاسب كانت كفيلة بأن توضح لي مكامن الخلل في العملية التعليمية حينما يتعلق الأمر بالتقنية ومستجداتها. خصوصاً وأن الأخطاء تتكرر من جيلي: الأساتذة الجدد وأساتذتهم. هذا الخلل أدى بدوره لوجود النماذج السابقة بأرقام مفزعة والأسوأ أن التعليم بهذه الطريقة ينجح في حصر مفاهيمهم حول تعلم التقنية.

في بداية حياتي الجامعية تعرضت لصدمة عنيفة عندما أخبرونا أن ما سندرسه في البرمجة لا علاقة له إطلاقًا بالبرامج! عندها فهمت، وفهمت دفعتي بل وكل الطلاب الذين يتلقون التعليم بهذه الطريقة: أن النظام التعليمي يقول لنا بأن الحواسيب والهواتف التي نستعملها، التطبيقات التي تساعدنا على تنظيم حياتنا، التفكير البرمجي الذي يساهم في تحسين مستوى العيش، كل هذا لا علاقة له بالتخصص! بل إن بعض الأساتذة يعلنونها بجرأة: ما تدرسونه هنا لا علاقة له إطلاقًا بالحياة “الوظيفية”. دون أن يتنبهوا لأن الكتب التي يعتمدونها هي الكتب نفسها المعتمدة في الجامعات العالمية والتي تخرج بدورها من يغيرون العالم. وأن المشكلة ليست في هذه الكتب والمعلومات وإنما في الطريقة العقيمة للتعليم. لأجل هذه النقطة صارت التقنية فعلًا جامدًا لا علاقة له بأي شيء خارجي مرتبط بحياتنا. هذا الخلل اتضح لي أنه مرتبط بنقطتين:

    عدم ربط المعلومات بتاريخها
    فصلها عن العلوم الأخرى

Continue reading →

الإنترنت، عالم الأفكار 3-3

يتدرج كل من الفرد والمجتمع عند بن نبي ليصل لذروة هذه العوالم: الاهتمام الفعال بعالم الأفكار، وعندها فقط يحق له التربع على عرش الحضارة. وكما يتميز الإنسان بقدرته على التفاعل والتعلم داخل الحيز الاجتماعي؛ فإن الإنترنت وفر له بيئة مناسبة تحمل خصائص جديدة من حيث سرعة الانتشار، التنوع، سهولة الوصول. إذ نجد مثلًا، أن الإنترنت كسر احتكار التعليم الجامعي وتغلب على المراكز التدريبية بسبب خصائصه هذه والتي تتاح لكل من لديه قابلية التعلم أو التعليم. كما أنها تنقل الفرد من طور التعلم الفردي إلى طور التعلم الاجتماعي وبدل أن تتركه متعلمًا سلبيًا فهي تدفعه للمشاركة الفعالة ولعل تفوق ويكيبيديا في تغيير “مفهوم الموسوعة” بحيث يتدخل الفرد في محتواها، من أبرز نجاحات هذه الخاصية.

يقول أمبرتو إيكو: “الأولوية للتثقيف الإلكتروني ، لأننا فقدنا مع الإنترنت مفهوم الأستاذ ، أي الموجّه أو المرّبي. و التثقيف و الفلترة التي أعنيها في هذا العالم: تتمثّل في تعزيز ذكاء المبحرين في هذا العالم.” وهي شهادة من فيلسوف وناقد كبير يعيش بيننا اليوم ويشترك بفاعلية في هذه العملية التثقيفية ويبشر بها. وهذا التصرف الكبير من إيكو يجرنا لقراءة الموقف الثقافي العربي من الإنترنت، حيث يشهد -في الآونة الأخيرة- إقبالًا كبيرًا من مثقفي العرب إلا أنه إقبال سطحي ولم يتجاوز حدود التواجد. وهذه السطحية في الاستخدام تُعزى لأمرين: الأول أنهم جاؤوا لاستخدامه متأخرًا، الثاني أن تعاملهم مع الإنترنت منحصر بالشبكات الاجتماعية. فالأول يدل على أنهم وصلوا لتقبل الإنترنت بفعل تأثيراته ولم يساهموا من قبل في صنع هذا التأثير. أما الثاني فواضح أن هدفه مجرد تحقيق الضمان الجماهيري ولعل هذه النقطة أيضًا تسجل ضمن إخفاقاتهم ليس في تكوين قاعدة جماهيرية والتواصل مع الجيل الأهم وإنما في أنهم استخدموه للتواصل فقط، أي ليسمع الشباب صوتهم بينما ظل الصوت هو الصوت والسامع هو السامع ولم يرتقوا باستخدامهم للإنترنت من مرحلة التواصل (عالم العلاقات) لمرحلة التأثير (عالم الأفكار). فمثلًا لا نجد أيًا منهم اتجه للتدوين، أي لبيئة تسمح بنشر الأفكار وتلاقحها. وهنا يجب الإشارة لتجربة الدكتور عبدالله الغذامي حيث كان المثقف الوحيد -حسب علمي- الذي اهتم بمسألة مناسبة الخطاب حتى جعلها شرطًا لنجاحه ورضاه عن نفسه في الاستخدام -رغم وصوله المتأخر-

لنعد لما يفعله الإنترنت: التثقيف الإلكتروني على حد تعبير إيكو أحدث تطورا مهمًا في مفاهيم أساسية كالقراءة والتعلم. بمعنى أن مجتمعاتنا التي اتهمت بعدم إقبالها على القراءة وهو اتهام منصب على الشكل، أثبتت أنها قادرة على قراءة المئات من الصفحات يوميًا، لكن ماهو محتواها؟ كيف تقدم؟ هذا ما يهتم به عالم الأفكار وهو ما سأناقشه في ضوء الإنترنت.

هذه المفاهيم (ولعل أهمها مفهوم القراءة) تغيرت بمصادر المعرفة الجديدة والتي يتميز التدوين من بينها لأسباب عديدة. عندما بدأ التدوين كانت هناك جدية فيما يُطرح، كما أنه بدأ متنوعًا حتى شمل المذكرات اليومية. لكننا قبل فترة قريبة شهدنا ضعفًا في الإقبال عليه (قراءةً وتدوينًا) وبشهادة عدد من المدونين والذين يعزون الأمر في كثير من الأحيان لانصراف القارئ والمدون إلى استخدام الشبكات الاجتماعية حيث السهولة والسرعة المتناسبتين مع إيقاع العصر. لكن الانغماس في معمعة الشبكات أدى بدوره لتوضيح مكامن الخلل فيها بعدم ملاءمتها لعالم الأفكار، مما انعكس إيجابيًا على التدوين؛ حيث الوقت متاح للتفكير والمراجعة والإثبات مما يكسب تلاقح الأفكار بعدًا جديًا وأكثر عمقًا. العودة للتدوين ليست منحصرة في المدونات المتخصصة والموجهة وإنما تشتمل أيضًا على الخبرات البسيطة والتي يشكل تداولها -عبر مميزات التدوين- تأثيرًا فارقًا في المتلقي.

Continue reading →

الإنترنت، عالما الأشياء والأشخاص 2-3

عالم الأشياء

من أسوأ مظاهر التعامل مع عالم الأشياء هو ما يصفه بن نبي بالتكديس، الذي لا يؤدي إلا لمزيد من الاستهلاك المفرغ حيث تفقد السلعة قيمتها المعنوية مع تكرار شراء أنواع منها. وبطبيعة الحال فإن الغرق في محيط يدمن هذا التكديس، يؤدي بدوره لنوع من اللافاعلية والكسل حيث يصبح توفر الأدوات التي تم شراؤها لاختصار الجهد والوقت، سارقًا لهما. ولعل أكثر ما يوضح حقيقة تمكن الأشياء من عالمنا وفي مجتمعاتنا العربية، هو تغير سلم الاحتياجات المادية للفتيات حتى أصبحت التقنية أهم من الملابس وأدوات الزينة وهي نقطة من السهل ملاحظتها عند اللواتي قررن التنازل عن الملابس الجديدة وتكرار استهلاك الملابس القديمة في سبيل توفير مبلغ شراء جهاز إلكتروني. وهو التنازل الذي كان مستحيلًا من قبل التقنية. جديرٌ بالذكر أن هذا التعلق يعود لأسباب كثيرة أهمها تمركز الشيء واحتلاله قيمةً جوهريةً عند الناس ولعل البعض يتساءل أيهما جاء أولًا هذا التمركز للأشياء أم رغبة التملك عند الأفراد؟ وهو سؤال غير مجدٍ، لأننا أمام حقيقة لديها ما تقوله وعلينا أن نعاملها بطريقة صحيحة؛ أي أننا لسنا بصدد تفكيك هذه العلاقة وإنما تغيير مفهومها واستثماره.

ما سبق يقودنا للاعتراف باحتلال الأشياء التقنية بدءًا من الأجهزة، المواقع، الشبكات الاجتماعية مرتبةً مهمةً عند إنسان اليوم. لهذا يتطلب تعاملنا مع الأشياء تغييرًا نوعيًا في سلوكياتنا لئلا نصل لمرحلة تستعبدنا فيها الأشياء. من أهم الأمور التي تتطلب تقويم النظر فيها بخصوص علاقتنا مع الشيء هو إعطاؤه قيمة معنوية وربطه بمجهود وإنجاز شخصي، كربط الأجهزة بذكرى معينة (كذكرى توفير المبلغ لشرائها) مما يؤدي لتقليل عدد الأجهزة ورفع كفاءة الاستخدام. فهذا يمنح العلاقة بعدًا أخلاقيًا بسبب المجهود المبذول ونوعية الفائدة المجنية. وهذا يذكر بأهمية وجود مهام جادة يتم تأديتها بواسطته كالقراءة والكتابة وبالتالي تحقق الذات وتنميها ويتعدى نفعها مستخدمها. ولو تجاوزنا مشكلة تعدد الأجهزة وضررها على نطاق المجتمع، فسنجد أننا محاطون بإدمان الاستخدام والذي يضعف فاعلية استخدامه؛ لذا نجد أن تقليص ساعات الاستخدام يزيد قوة العلاقة وفاعليتها فالديمومة تسبب الملل وتفقد الشيء قيمته. وطبعًا لا نهمل نقطة الإضافة. بحيث لا يصير الفرد مجرد مستهلك سلبي وهذه الناحية مساحة واسعة لتحسين علاقتنا بالشيء (الأجهزة والإنترنت) سواءً على مستوى التقنيين أو المستخدمين العاديين. بذا نتجاوز الأشياء للارتقاء نحو العالم الثاني في تكوين الثقافات.
Continue reading →